سجلت حركة العبور على الحدود السورية اللبنانية موجة نزوح جماعية غير مسبوقة خلال الأسابيع القليلة الماضية، حيث تحولت الأراضي السورية إلى وجهة لآلاف الفارين من تداعيات التصعيد العسكري الإسرائيلي الواسع في لبنان.
وكشفت بيانات أممية حديثة عن عبور مئات الآلاف من الأشخاص، في مشهد يعيد رسم خارطة اللجوء في المنطقة، وسط أزمات اقتصادية متراكمة وتراجع حاد في الاستجابة الإنسانية الدولية.
أرقام النزوح عبر المعابر الرسمية
أعلنت ممثلة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في سوريا بالإنابة، عسير المضاعين، أن أكثر من 200 ألف شخص عبروا من لبنان إلى الأراضي السورية في الفترة الممتدة بين 2 و27 آذار/ مارس الجاري.
وجاءت تصريحات المسؤولة الأممية خلال مشاركتها في المؤتمر الصحفي الأسبوعي للمفوضية، يوم الثلاثاء، حيث استندت في إحصائياتها إلى بيانات السلطات السورية التي وثقت حركة الدخول عبر ثلاثة معابر حدودية رسمية.
وتوزع العابرون بحسب الإحصائيات إلى نحو 180 ألف مواطن سوري، وأكثر من 28 ألف مواطن لبناني، دفعهم القصف الإسرائيلي الشديد والمستمر إلى ترك مناطقهم والبحث عن ملاذ آمن خلف الحدود.
"لجوء عكسي".. العودة إلى واقع اقتصادي معقد
في مفارقة تعكس قسوة المشهد الإقليمي وتناقضاته، أوضحت المسؤولة الأممية أن من بين العائدين السوريين لاجئين كانوا قد فروا سابقاً من بلادهم بحثاً عن الأمان، ليجدوا أنفسهم اليوم مضطرين للهروب مرة أخرى في رحلة لجوء عكسية إلى ذات البلاد التي غادروها هرباً من ظروف مشابهة.
وإلى جانب هؤلاء، سجلت المفوضية عودة سوريين كانوا يفكرون منذ فترة طويلة في الرجوع إلى وطنهم، ليأتي التصعيد الأخير في لبنان كعامل حاسم في تسريع هذا القرار.
وتتجلى المفارقة الأبرز في إشارة المضاعين إلى أن نحو نصف السوريين العائدين يخططون للبقاء بشكل دائم في بلادهم، رغم إدراكهم المسبق بحجم الصعوبات الاقتصادية الخانقة ومحدودية الخدمات الأساسية المتاحة في سوريا حالياً، في حين يلجأ آلاف اللبنانيين المنهكين والمصابين بصدمات نفسية إلى جارة تعاني أصلاً من أزمات هيكلية مركبة.
ولم يقتصر الأمر على العائدين السوريين، بل شمل اللبنانيين الذين وصلوا حاملين معهم القليل جداً من الأمتعة الشخصية، تاركين خلفهم مقومات حياتهم الأساسية.
احتياجات طارئة وخذلان في التمويل
أمام هذا التدفق البشري الهائل، تتصدر الاحتياجات الطارئة للوافدين قائمة التحديات، والتي تشمل تأمين الغذاء، توفير مراكز الإيواء، تقديم الرعاية الصحية، إيجاد سبل العيش، واستصدار الوثائق المدنية المفقودة.
وأكدت المضاعين أن المفوضية تعمل بتعاون وثيق مع السلطات السورية والشركاء المحليين لتعزيز سبل الدعم والمساعدة وتوفير الحماية للعائدين والوافدين في هذه الظروف الصعبة.
ولكن، تصطدم هذه الجهود بواقع مالي دولي حرج يطرح تساؤلات حول جدية التضامن الدولي، حيث كشفت المفوضية أن تمويل عملياتها في سوريا لا يتجاوز عتبة الـ 30 بالمئة من إجمالي الاحتياجات المطلوبة لعام 2026، والبالغة نحو 324 مليون دولار أمريكي.
ودفع هذا العجز الكبير في الميزانية المسؤولة الأممية إلى إطلاق نداء عاجل للمجتمع الدولي والجهات المانحة لتقديم الدعم الفوري، لسد الفجوة التمويلية التي تهدد مسار الاستجابة الإنسانية، وتترك مئات الآلاف لمواجهة مصيرهم بأدوات محدودة.
خلفية التصعيد.. شرارة حرب إقليمية
تأتي موجة النزوح المستجدة كنتيجة مباشرة لاتساع رقعة العمليات العسكرية وتصاعد وتيرة الاشتباكات في الشرق الأوسط، حيث وسعت إسرائيل عدوانها ليشمل الأراضي اللبنانية بدءاً من 2 آذار/ مارس الجاري.
وسبق هذا التصعيد في لبنان، اندلاع حرب أمريكية إسرائيلية واسعة على إيران في 28 شباط/ فبراير الماضي، وفقاً للمعطيات الميدانية والتقارير الإخبارية.
وأسفرت هذه المواجهات الإقليمية المفتوحة عن سقوط آلاف القتلى، من بينهم المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، مما أدى إلى تعقيد المشهد الأمني والسياسي في المنطقة بأسرها، ودفع بمئات الآلاف للبحث عن طوق نجاة عبر الحدود، لتبدأ فصول جديدة من مأساة إنسانية تتنقل عبر جغرافيا الشرق الأوسط.


