هاشتاغ
بحث

الدراما السورية تفتح الجراح المؤجلة.. أسئلة الحرية والذاكرة بعد سقوط الرقابة

07/02/2026

الدراما-السورية-تفتح-الجراح-المؤجلة

شارك المقال

A
A


شهدت الدراما السورية تحولا لافتا مع اقتراب موسم رمضان 2026، بعد سنوات طويلة من الانكفاء تحت ثقل الحرب والرقابة والتوجيه السياسي، لتعود اليوم محمّلة بأسئلة ثقيلة عن الذاكرة، والعدالة، والإنسان الذي عاش طويلا خارج الكادر. 


يأتي هذا التحول في سياق مرحلة انتقالية تعيشها سوريا منذ 2025، حيث لم تعد الشاشة مجرد مساحة ترفيه، بل ساحة اختبار للصدق الفني وقدرته على ملامسة ما كان محرما أو مسكوتا عنه.

من الدعاية إلى الإنسان


خلال الأعوام الممتدة بين 2012 و2024، تراجعت الدراما السورية كما ونوعا، وانحسر حضورها عربيا، متأثرة بالتحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبنزيف الكفاءات من كتّاب ومخرجين وممثلين شكّلوا سابقا عمودها الفقري. 


كما انزلقت كثير من الأعمال إلى خطاب دعائي مباشر يخدم النظام السابق، أو إلى تكرار موضوعات سطحية فقدت قدرتها على التأثير.


اليوم، ومع سقوط ذلك النظام، بدأت أعمال جديدة تتقدم بخطى حذرة نحو مناطق معتمة من الذاكرة السورية، متناولة الاعتقال، والخوف اليومي، وتشوه العلاقات الإنسانية في ظل الاستبداد، والآثار النفسية العميقة التي تركتها سنوات القمع.

استحقاق مؤجل لا موجة عابرة


يرى رئيس اللجنة الوطنية للدراما السورية، مروان الحسين، أن ما تشهده الساحة الدرامية لا يمكن وصفه بموجة عابرة، بل هو "استحقاق مؤجل" فرضته سنوات طويلة من المنع والرقابة. بحسب "الجزيرة نت".


فبحسب تصريحاته، بقيت مساحات واسعة من التجربة السورية خارج المعالجة الدرامية، إما بفعل القمع المباشر أو الرقابة غير المعلنة، قبل أن تجد طريقها اليوم إلى النص والصورة.


وتبرز ملامح هذا التحول في الابتعاد عن الشعارات والخطابات التبريرية، والتركيز على الإنسان بوصفه مركز الحكاية، حتى وإن جاءت السرديات أكثر قسوة وحدّة، باعتبارها شرطا ضروريا لفهم ما جرى لا لتجميله.

تحولات بنيوية ومسار تراكمي


لا يصف الحسين التحول الحاصل بأنه نتيجة قرار فوري، بل مسار تراكمي لا يزال في بداياته. فالدراما السورية، برأيه، بدأت بالخروج من منطق "التوجيه" إلى فضاء أوسع من النقد والمكاشفة، دون أن يعني ذلك اكتمال التحرر من إرث طويل من القيود.


وتؤكد اللجنة الوطنية للدراما أن دورها لا يتمثل في توجيه المحتوى أو فرض الوصاية، بل في تفكيك العوائق البنيوية التي أعاقت تطور الصناعة سابقا، والعمل على توفير بيئة تشجع ما تسميه "الجرأة المسؤولة"، بحيث يصبح النقد أداة للتعافي المجتمعي لا سببا لصراع جديد.

الألم بين الفن والسوق


في مقاربة الحكايات السورية الثقيلة، من المعتقلات إلى النزوح واللجوء واليتم، يرفض الحسين اختزال دور الدراما في توثيق الألم أو تكديسه في سرديات سوداوية. 


فالتحدي الحقيقي، كما يقول، يكمن في تحويل التجربة القاسية إلى معنى إنساني يفتح باب الفهم والتأمل، لا الصدمة العابرة.


وفي المقابل، لا يغفل منطق الصناعة القائم على الربح والاستمرارية، لكنه يضعه في توازن دقيق مع منطق الفن الذي يمنح العمل شرعيته الأخلاقية، عبر صياغة فنية ذكية تحفظ الحقيقة دون أن تحولها إلى مادة فجّة أو عسيرة التلقي.

الدراما والمصالحة.. أسئلة لا خطب


مع دخول سوريا مرحلة انتقالية تتصدرها شعارات السلم الأهلي والمصالحة الوطنية، يحدد الحسين شرطا أساسيا لدور الدراما في هذا السياق: ألا تتحول إلى أداة وعظ أو خطاب تصالحي مصطنع. فوظيفتها، من وجهة نظره، ليست تبييض الصراعات، بل فتح الأسئلة الصعبة وإعادة الإنسان إلى قلب السرد.


ويعتبر أن الأعمال القادرة على لمس الجراح بصدق، دون شيطنة أو تبسيط، تساهم في تهدئة عميقة وبطيئة، بعيدا عن السلم الشكلي أو الدعائي.

نحو تمثيل سوريا المتعددة


أحد أبرز الملفات المطروحة في المرحلة المقبلة هو كسر اختزال سوريا دراميا في بيئات محددة، مثل "البيئة الشامية" أو الأعمال المشتركة، وما نتج عن ذلك من تهميش لمناطق وثقافات كاملة. وتشير اللجنة إلى سعيها لتمثيل التنوع الجغرافي والثقافي والعرقي واللغوي بصورة أكثر توازنا، دون الوقوع في فلكلرة الاختلاف أو استثماره سطحيا.

الأرشيف بوصفه ذاكرة حية


تنظر اللجنة الوطنية للدراما إلى الأرشيف الدرامي السوري على أنه ذاكرة حيّة لا مجرد ماض محفوظ. ومن هذا المنطلق، تعمل على حفظه وترميمه وإتاحته، بالتوازي مع قراءات نقدية وتحليلية تضعه في سياقه التاريخي، باعتباره جزءا من الذاكرة الثقافية الوطنية ورافعة للحاضر والمستقبل.

تنظيم لا رقابة


في مواجهة مخاوف بعض العاملين من تحوّل اللجنة إلى جهة رقابية، يشدد الحسين على أن مهمتها تنظيمية وداعمة، تهدف إلى تسهيل الإنتاج، ورفع الجودة، وتنظيم العلاقة بين الدولة والقطاع الفني، مع التأكيد على صون الحرية الإبداعية ضمن أطر واضحة تحترم المسافات بين الجهات المختلفة.

استثمارات وبنية تحتية جديدة


تزامنا مع هذا التحول، تتحدث اللجنة عن تدفق استثمارات جديدة، من بينها مشروع "بوابة دمشق"، تهدف إلى إنشاء بنية تحتية حديثة من استوديوهات وتدريب وفرص عمل، وتحويل الدراما إلى قطاع اقتصادي مستدام، لا مجرد نشاط فني موسمي.

النص أولا


تعترف اللجنة بأن أزمة الدراما السورية هي أزمة نص بالدرجة الأولى، وتعمل لذلك على إطلاق ورش كتابة ومختبرات تطوير تستهدف أسماء جديدة، لكسر حلقة إعادة تدوير الكتّاب أنفسهم، مع الحفاظ على احترام التجارب القائمة وضخ دماء إبداعية جديدة.

التعليقات

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026