هاشتاغ
مع دخول حرب إيران أسبوعها الثالث، تواجه مجموعة من الدول العربية المصنفة ضمن الأكثر هشاشة اقتصادياً، وهي العراق، سوريا، الأردن، ولبنان، ضغوطاً متزايدة جراء تداعيات النزاع.
وتتزامن هذه التطورات مع ارتفاع عالمي في أسعار النفط، وتأثر الداعمين الرئيسيين لهذه الدول، وسط تحذيرات من مؤسسات مالية دولية تشبه الأوضاع الحالية بالصدمة الاقتصادية التي رافقت جائحة "كورونا" في عام 2020.
وتعتمد هذه الدول، بدرجات متفاوتة، على عائدات النفط، أو تحويلات المغتربين، أو الدعم المالي من الحلفاء الإقليميين، لا سيما دول الخليج.
ووفقاً لتقديرات محللين، فإن هذا الاعتماد يجعلها شديدة التأثر بموجة الصدمات العالمية، مع ترجيحات بتراجع مستويات الدعم الخارجي في حال طال أمد الحرب، مما قد يدفع بعض الحكومات نحو خيار الاقتراض الداخلي، وبالتالي تفاقم أزمة الديون.
صندوق النقد: صدمة عالمية ومخاوف من عودة سيناريو 2020
دقت المؤسسات المالية الدولية ناقوس الخطر إزاء التداعيات المستمرة للأزمة. ففي 3 آذار/ مارس، حذر نائب المدير العام لصندوق النقد الدولي، دان كاتس، من أن العالم يواجه "صدمة مستمرة" مترافقة مع ارتفاع تكلفة الطاقة، ما يعزز من التوقعات التضخمية التي تهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي.
وفي ظل استمرار إغلاق إيران لمضيق "هرمز"، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، أكدت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، قبل نحو أسبوعين، التزام الصندوق بـ"التعامل مع الاقتصادات التي تعاني من الصدمات الحالية ودعمها".
وأوضحت غورغييفا بلغة الأرقام أن ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 10% لمدة عام كامل من شأنه أن يرفع معدلات التضخم بنحو 40 نقطة أساس، ويبطئ النمو الاقتصادي العالمي بما يصل إلى 0.2%.
من جانبه، صرح ممثل المجموعة العربية والمالديف في صندوق النقد الدولي، محمد معيط، في 9 آذار/ مارس، بأن الصندوق يدرس حالياً كافة التبعات الاقتصادية الناتجة عن حرب إيران، محذراً من إمكانية تكرار سيناريو عام 2020، المتمثل في تعطل حركة التجارة الدولية واللجوء إلى تشديد السياسات الاقتصادية.
سوريا.. الحرب الإقليمية تهدد استثمارات التعافي المبكر
تأتي هذه الحرب الإقليمية في توقيت حساس للاقتصاد السوري، الذي يحاول التقاط أنفاسه بعد سنوات من الضغوط المعيشية الحادة.
ووفقاً للبنك الدولي، فقد الاقتصاد السوري أكثر من نصف حجمه بين عامي 2010 و2020، وصُنفت البلاد في 2018 كدولة "منخفضة الدخل"، مع تقديرات بتجاوز تكلفة إعادة الإعمار حاجز 216 مليار دولار، ووجود نحو 90% من السوريين تحت خط الفقر بحسب الأمم المتحدة.
ومع ذلك، شهد عام 2025 بدء مؤشرات تعافٍ تدريجي، تكللت بتوقيع اتفاقيات استثمارية بلغت قيمتها نحو 14 مليار دولار، جاء معظمها من دول الخليج عقب تخفيف العقوبات الدولية.
وتبرز أهمية هذه الاستثمارات في مشاريع البنية التحتية، وعلى رأسها "ميناء طرطوس" الذي التزمت شركة "موانئ دبي العالمية" بتطويره باستثمار يبلغ 800 مليون دولار.
ويُعد الميناء ممراً استراتيجياً لتدفق البضائع والاستثمارات الخليجية إلى سوريا، ومؤشراً رئيسياً لقياس قدرة الاقتصاد السوري على امتصاص الصدمات الإقليمية. غير أن امتداد أمد الحرب الحالية يضع هذا المسار الاستثماري بأكمله، وما يرافقه من دعم خارجي، أمام اختبار جدي وتهديد حقيقي.
العراق.. تراجع حاد في الإنتاج وأزمة تمويل تلوح في الأفق
رغم الارتفاع العالمي في أسعار النفط، تلقى الاقتصاد العراقي ضربة قوية نتيجة توقف الصادرات جراء التوترات الأمنية في مضيق هرمز وإغلاقه، حيث تُقدر الخسائر اليومية للعراق بنحو 270 مليون دولار.
وفي 14 آذار/ مارس، كشف المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي، مظهر محمد صالح، أن الحكومة قد تجد نفسها مضطرة للجوء إلى "الاقتراض الداخلي" لتأمين رواتب الموظفين والالتزامات الخارجية إذا استمرت الحرب.
وجاءت هذه التصريحات غداة إعلان وزير النفط العراقي، حيان عبد الغني، انخفاض إنتاج البلاد من الخام إلى 1.4 مليون برميل يومياً، وهو ما يقل عن ثلث مستواه الطبيعي قبل اندلاع النزاع.
ويشكل هذا التراجع تهديداً مباشراً للموازنة العراقية، إذ سجلت إيرادات البلاد خلال 11 شهراً من عام 2025 أكثر من 114 تريليون دينار، استحوذت الإيرادات النفطية على 88% منها، في وقت تستهلك فيه الرواتب وبرامج الإنفاق الاجتماعي الحصة الأكبر من الموازنة العامة.
لبنان.. انكماش عميق وأزمة مركبة تتسع
لم يكن لبنان بمنأى عن التداعيات، إذ دخل دائرة التأثر عبر انخراط "حزب الله" في مواجهات متبادلة مع إسرائيل.
وتضاف هذه التطورات الميدانية إلى سلسلة من الأزمات الاقتصادية المتجذرة، أبرزها التضخم المستمر وتدهور الخدمات العامة، عقب انهيار القطاع المصرفي في أواخر 2019، والذي أدى إلى تبخر مدخرات المودعين ودفع قرابة 6.5 مليون نسمة (نحو نصف السكان) إلى دائرة الفقر.
وتشير أحدث تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن لبنان يواجه "واحدة من أعمق الأزمات المالية عالمياً منذ منتصف القرن الماضي، مع فجوة مصرفية تتجاوز حجم الاقتصاد نفسه".
ويتوافق هذا مع تأكيدات البنك الدولي بأن الاقتصاد اللبناني لا يزال يعاني من انكماش عميق وفقدان للقدرة الشرائية، ما يجعل أي تحول اقتصادي مشروطاً بتنفيذ إصلاحات هيكلية شاملة، في وقت تكفي فيه مخزونات المحروقات في البلاد لمدة شهر واحد فقط.
الأردن.. احتياطيات قياسية وحذر من إطالة أمد النزاع
يقع الأردن، المعتمد بشكل رئيسي على المساعدات الخليجية وتحويلات العاملين في الخارج، تحت ضغط التداعيات الإقليمية.
ورغم ذلك، أظهرت بيانات البنك المركزي الأردني الصادرة في 5 آذار/ مارس، ارتفاع إجمالي الاحتياطي الأجنبي بنهاية شباط/ فبراير بنسبة 10.5%، ليصل إلى 28.2 مليار دولار (مقارنة بـ 25.5 مليار دولار بنهاية 2025). وعُزي هذا الارتفاع إلى دعم الصادرات الوطنية، الإيرادات السياحية، التحويلات، والاستثمارات الأجنبية.
إلا أن انعكاسات أزمة الطاقة العالمية بدأت تظهر محلياً، حيث رفعت الحكومة الأردنية أسعار البنزين والسولار مطلع آذار/ مارس.
ووصفت وسائل إعلام أردنية، المشهد الأردني بأنه محكوم بـ"معادلة مزدوجة" تجمع بين الطمأنة المستندة إلى المخزون الاستراتيجي والخطط الاستباقية، وبين الحذر الشديد من الكلفة الاقتصادية لأي تصعيد طويل الأمد على أسعار الوقود، الشحن، والمواد الغذائية.


