هاشتاغ - ترجمة
أجرى موقع "ذا ميديا لاين" تحقيقاً حول استغلال المهربين للفراغ الأمني في سوريا والظروف المناخية القاسية في الشتاء على طول الحدود الأردنية في عملية نقل الكبتاغون المُخزّن، التي يصفها بأنها أصبحت "عملة صعبة في ظل اقتصاد منهار".
يشير التحقيق الصحفي إلى أنه وبعد مرور ما يقرب من عام على سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، يتم تسييل مخزونات الكبتاغون - وهو منشط صناعي شبيه بالأمفيتامين، شكّل حوالي 80% من الإمدادات العالمية خلال عهد الأسد - من خلال عمليات شتوية متطورة تستغل الظروف الجوية والفراغ الأمني في سوريا. وبينما فكّكت دمشق منشآت الإنتاج التي ترعاها الدولة، تستمر التجارة عبر شبكات لامركزية تعمل بدقة عسكرية ولكن دون تنسيق حكومي.
بحسب التحقيق، يهيمن الآن مساران رئيسيان على هذه التجارة في منطقة الوعر، وهي منطقة نائية وعرة على طول الحدود، حيث يتنقل المهربون عبر شبكة من الوديان، منها غدير وادي محمود، ووادي أبو شرشوح، وتل وديد، وتل صدّة، وإلى الشرق، في صحراء حماد (بادية الشام)، تستخدم فرق منظمة أسلوب رمي المركبات: حيث تُلقى الطرود من مركبات متحركة، وتجد الدوريات الأردنية صعوبة في تتبعها آنياً.
انخفضت كميات الضبط ليس بسبب انخفاض التهريب بل بسبب تكيف المهربين
عبر طرق متطورة
قال محمد العبد الله، وهو متطوع مجتمعي من ريف دمشق يراقب تهريب المخدرات، لـ "ميديا لاين": "لقد تطورت التكنولوجيا بشكل ملحوظ. إنهم يستخدمون طائرات بدون طيار بدائية تحمل ما بين 3 و5 كيلوغرامات، وبالونات حرارية مزودة بأسطوانات أكسجين للحفاظ على الارتفاع في الهواء البارد".
يُحدث هذا الابتكار تناقضاً في إحصاءات عمليات المنع. فقد أبلغ حرس الحدود الأردني عن 593 محاولة تهريب حتى أيلول/سبتمبر 2025، وهو رقم يشير إلى تكثيف النشاط.
مع ذلك، انخفضت كميات الضبط، ليس بسبب انخفاض التهريب، بل بسبب تكيف المهربين. تتسلل حمولات أصغر وأكثر تواتراً عبر أنظمة الكشف المصممة لضبط الشحنات السائبة (بضائع يتم نقلها بكميات كبيرة دون تعبئة فردية).
ووفقاً لأبو خالد، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن اسمه الحقيقي لأسباب أمنية، فإن هذه المسارات تعكس معرفة وثيقة بالصحراء.
وأوضح: "هذه ليست مسارات عشوائية. كل واد وكل سلسلة جبال رُسمت خرائطها على مر الأجيال. الآن، أصبحت هذه المعرفة تخدم مهنة مختلفة".
وحذّر أبو خالد، الذي شهد تطور طرق التهريب عبر الصحراء: "سيكون هذا الشتاء الأخطر. المخزونات هائلة، والحاجة ماسة، ولا توجد فرصة اقتصادية في الأفق".
عندما أجبر الجفاف الرعاة على بيع مواشيهم مع انعدام مصدر دخل بديل ملأ التهريب هذا الفراغ
ارتفاع طلب الكبتاغون
يُعزى ارتفاع الطلب على الكبتاغون في الشتاء إلى حسابات أكثر سوداوية: إذ تُمثل كميات هائلة من الكبتاغون المُخزنة في جنوب سوريا قرب الحدود الأردنية - وتحديداً في السويداء ودرعا وريف دمشق وغرب حمص - رأس مال سائل في اقتصاد انهارت فيه العملة التقليدية.
أوضح العبد الله: "لدينا الآن مقولة: 'الجمل ثمنه ليرة، لكن لا ليرة"، مبيناً: عندما أجبر الجفاف الرعاة على بيع مواشيهم، لم يكن هناك مشترون ولا مصدر دخل بديل فملأ التهريب هذا الفراغ".
تزامن هذا "اليأس الاقتصادي" الذي يُغذي التجارة مع أزمة صحية محلية. فقد وجد تقرير صادر عن منظمة ميدغلوبال، وهي منظمة صحية دولية، أن استهلاك المخدرات في سوريا قد زاد بنسبة 300% منذ بدء الحرب الأهلية، مع ارتفاع معدلات الإدمان بين من تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا من 3% إلى 9%. ولا يوجد في سوريا سوى أربعة مراكز لعلاج الإدمان.
الدكتور غاندي فرح من مستشفى ابن رشد بدمشق، كشف: "لسنا قريبين بما يكفي لمعالجة حجم المشكلة"، مشيراً إلى أنه مع تناقص إمدادات الكبتاغون، يلجأ المستخدمون إلى الميثامفيتامين الكريستالي، وهو بديل أكثر خطورة يعكس ندرته واستمرار الطلب عليه.
إلى ذلك، تتجاوز التكلفة البشرية الإدمان. ففي 7 تشرين الأول /أكتوبر 2025، قُتل ثلاثة أفراد من عائلة السعيد على يد القوات الأردنية خلال عملية تهريب. وأُعيدت جثثهم عبر معبر نصيب الحدودي في تشرين الثاني/نوفمبر ، في تذكير قاتم بأن أمن الحدود له عواقب وخيمة.
انهار هيكل القيادة الرأسي هذا في كانون الأول 2024، وحلّ محلها شبكات أفقية مبنية على العلاقات العشائرية والقبلية
العلاقات العشائرية والقبلية
منذ سقوط الأسد، لم تختفِ شبكات التهريب، بل أعادت تنظيم صفوفها. خلال الحرب الأهلية، قامت الفرقة الرابعة السورية، وهي قوات نخبة كان يقودها ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري السابق، بتنسيق الإنتاج والتصدير.
انهار هيكل القيادة الرأسي هذا في ديسمبر/كانون الأول 2024، وحلّ محلها شبكات أفقية مبنية على العلاقات العشائرية والقبلية.
وصف العبد الله التعاون بين الطائفة الدرزية - جنوب سوريا - والقبائل البدوية، وقال: "لقد طوروا علاقات عمل على مر السنين. هذه العلاقات لا تختفي مع تغير الحكومة".
تعمل هذه الشبكة بذكاء كاف للحفاظ على منسقين محددين. وقد حدد مراقبو المجتمع المحلي مهربين دروز سوريين، بمن فيهم فارس صيموعة، وتيسير صيموعة، ورضوان الحلبي، وناصر السعدي، كمهربين رئيسيين، مع قرى محددة تُستخدم كنقاط انطلاق. فارس صيموعة وناصر السعدي مطلوبان من قبل أجهزة الأمن الأردنية، وفقاً للتحقيق الصحفي.
تتجاوز التحديات التي تواجه دمشق المعدات والأفراد إلى أن الحكومة السورية الجديدة ورثت جهازاً أمنياً متشظياً
خارج الحدود السورية
في السياق، تُظهر بيانات الضبط الإقليمية نطاق هذه التجارة خارج الحدود السورية الأردنية. أعلن وزير الداخلية التركي علي يرلي كايا في تشرين الثاني /نوفمبر 2024 أن السلطات التركية ضبطت 9.9 مليون حبة كبتاغون حتى تشرين الأول/ أكتوبر.
وفي آذار/مارس 2025، صادر العراق 1.2 طن من الكبتاغون كانت قد نُقلت من سوريا عبر تركيا، بناء على معلومات استخباراتية من المملكة العربية السعودية. وفي الشهر نفسه، ضبطت عملية مشتركة بين سوريا وتركيا 9 ملايين حبة، مما يُظهر استعداد حكومة دمشق الجديدة للتعاون الدولي حتى في ظل صعوبات السيطرة على أراضيها.
تُمثل هذه الشراكة إنجازاً بارزاً، لكنها لا تزال غير متكافئة. فالأردن ينشر أنظمة كشف متطورة، بينما لم تُنشأ إدارة حرس الحدود السورية الجديدة، بقيادة العميد حسن عبد الغني، رسمياً إلا في عام 2025، وتفتقر إلى البنية التحتية الأساسية للمراقبة.
التحديات
تتجاوز التحديات التي تواجه دمشق المعدات والأفراد، حيث يشير المراقبون الدوليون إلى أن الحكومة السورية الجديدة ورثت جهازاً أمنياً متشظياً بفعل 13 عاماً من الحرب الأهلية والانقسامات الطائفية.
مع تأكيد المبعوث الخاص للأمم المتحدة، غير بيدرسن، في مارس/آذار على ضرورة إصلاح شامل لقطاع الأمن، وبينما اتفق أعضاء مجلس الأمن على أن إنشاء قوة واحدة، مهنية، وموحدة، في ظل سيادة القانون لا يزال أمراً ضرورياً، تُمثل إدارة حرس الحدود خطوة حاسمة نحو هذا الاتجاه، حيث أُنشئت بعد أقل من عام من سقوط الأسد بتفويض لإضفاء طابع احترافي على مراقبة الحدود التي لطالما استُخدمت كسلاح لتحقيق مكاسب النظام السابق.
على أرض الواقع، كشف سلامة الزبيدي، وهو راع بدوي، لـ "ذا ميديا لاين" بأنه متفائل بحذرٍ بشأن تعيين العميد عبد الغني، لكنه يُقرّ بالواقع. إنها إدارة جديدة وحديثة التأسيس، وتتطلب دعماً لوجستياً وبشرياً كبيراً لسد الثغرة الأمنية، وضبط الحدود، وتدريب الكوادر مهنياً.
أعلن وزير الداخلية السوري، أنس خطاب، في حزيران/يونيو 2025، تفكيك جميع منشآت إنتاج الكبتاغون. يعكس هذا الادعاء جهوداً حقيقية: فقد تمت مداهمة مصانع في اللاذقية وحمص وضواحي دمشق، بالإضافة إلى تدمير معدات، واعتقالات.
مع ذلك، حذر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) في تقريره العالمي عن المخدرات لعام 2025، الصادر في حزيران/ يونيو، مؤكداً استمرار تدفق الكبتاغون نحو شبه الجزيرة العربية، على الرغم من "مزاعم دمشق".
أوضحت أنجيلا مي، رئيسة قسم الأبحاث وتحليل الاتجاهات في مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، هذا التناقض قائلة: "هذه الجماعات الإجرامية تعمل منذ فترة طويلة. ولن يتوقف إنتاجها في غضون أيام أو أسابيع".
وأشار التقرير إلى أن التجارة المستمرة تعكس على الأرجح إما إطلاق مخزونات أو استمرار الإنتاج في مواقع مختلفة يصعب كشفها.
وبهذا الصدد، لاحظ الزبيدي أن المداهمات الأخيرة "لا تُزعج سوى المهربين أنفسهم - فهم ينتقلون ويعيدون تنظيم صفوفهم ويستأنفون نشاطهم. فبدون وجود مستدام وثقة محلية، يصبح إنفاذ القانون مصطنعاً".
تُحدد هذه الفجوة بين تفكيك البنية التحتية المركزية ووقف الشبكات اللامركزية التحدي الحالي الذي تواجهه سوريا.
وقال العبد الله: "الخوف الآن هو أن يتم تجنيد المزيد من الشباب في التهريب بعروض مالية مغرية، رغم علمهم أنهم قد يُقتلون على الحدود".


