هاشتاغ - يارا صقر
مع دخول سوريا مرحلة جديدة، لا تزال تداعيات أكثر من عقد من النزاع حاضرة بقوة في تفاصيل الحياة اليومية، لتشكّل واقعًا يثقل كاهل الشباب ويقيد قدرتهم على رسم مستقبل واضح.
فعلى الرغم من التغيّرات السياسية والميدانية، لم تتبدّد آثار الانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات واضطراب الأمن؛ بل تستمر في دفع آلاف الشبان للتفكير في الرحيل بوصفه خياراً شبه وحيد للهروب من الضيق والانعدام المتزايد لفرص الحياة الكريمة.
وبين فقدان الأمل وتقلّص الفرص، تتحول الهجرة للكثيرين من خيار ثانوي إلى ضرورة يفرضها واقع لا يمنح بدائل أخرى.
الواقع المعيشي.. فقر وضياع الفرص
أظهرت بيانات حديثة من استطلاع "المؤشر العربي 2025" أنّ 27% من الشباب السوري يفكرون في الهجرة إن سنحت لهم الفرصة، بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة (40%)، والأسباب الأمنية والاجتماعية (35%).
كما أشار الاستطلاع إلى أنّ 61% من الأسر لم تعد قادرة على تأمين احتياجاتها الأساسية.
وتؤكد الدراسات الاقتصادية أيضًا أنّ 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، مع ارتفاع تكاليف المعيشة ارتفاعاً يفوق الدخل، وهذا يدفع الشباب للبحث عن فرص عمل وحياة كريمة خارج البلاد.
أحمد (22 عامًا)، طالب في كلية الهندسة المعمارية، يصف حاله: "أحب اختصاصي وأحلم بالمساهمة في إعادة بناء بلدي، لكن لا أرى طريقًا واضحًا أمامي. الدراسة صعبة، والواقع الاقتصادي أقسى. أفكر في السفر ليس هروبًا؛ بل بحثًا عن فرصة للعيش".
جهاد (46 عامًا)، متزوج ولديه 3 أولاد يدرسون في الجامعة، يروي: "حتى الحد الأدنى من مستلزمات الدراسة لأولادي أصبح صعب التوفير. أحدهم تخرج مؤخرًا ويعمل سائق تاكسي، وأنا أعمل في أعمال موسمية لمساعدة العائلة. نحاول الصمود، لكن الحياة باتت مستحيلة".
ليلى (21 عامًا)، طالبة جامعية تعمل في أثناء الدراسة، تقول: "أعمل بعد الدراسة في محل تجاري لأتمكن من دفع الرسوم وشراء مستلزمات الجامعة. أحيانًا أشعر أن الدراسة والعمل في الوقت نفسه مستحيلان، والفرصة الوحيدة لتغيير حياتي قد تكون خارج سوريا".
الأمن والاستقرار.. هاجس يومي
يشكل انعدام الأمان في الحياة اليومية ضغطًا إضافيًا على الشباب؛ إذ يشعر كثيرون بعدم القدرة على التخطيط لمستقبلهم بثقة.
رنا (20 عامًا)، طالبة علوم، تقول: "نشعر بعدم الأمان في كل مكان، لا نعرف ما الذي قد يحدث غدًا، نحن نبذل كل جهدنا في الدراسة، لكن حتى مدارسنا تفتقد الاستقرار. وهذا يجعل السفر فكرة مطروحة دائمًا بوصفه خياراً لإنقاذ حياتنا ومتابعة أحلامنا".
الصحة النفسية وفقدان الأمل
كان للحرب أثر بالغ في الصحة النفسية للشباب في سوريا؛ إذ ازداد انتشار القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، في ظل ضغوط مستمرة وغياب الدعم النفسي الكافي، وهذا عمّق شعور الإرهاق وفقدان الأمل.
وأكدت دراسة "Post-Traumatic Stress Disorder in Youth Exposed to the Syrian Conflict" أن نحو 36% من الأطفال والمراهقين يعانون PTSD.
بينما أظهرت تقارير "الجيل الضائع" صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) ومنظمات دولية شريكة، وتتناول الآثار النفسية والاجتماعية للحرب على الأطفال والشباب السوريين، أن 61–75% من الأطفال يعانون صعوبات عاطفية وسلوكية.
سارة (18 عامًا)، طالبة ثانوية، تقول: "جيلنا يعيش بلا مساحات للراحة أو الفرص، حتى أحلامنا أصبحت مؤجلة. السفر ليس رفاهية؛ بل محاولة لإنقاذ المستقبل".
التعليم والعمل.. تحديات متشابكة
علي (24 عامًا)، خريج إدارة أعمال، يشير: "أفكر يوميًا في السفر، لا هروبًا من الوطن؛ بل لإنقاذ حياتي. الكهرباء غير مستقرة، لا دخل ثابت، والدراسة والفرص شبه معدومة".
مريم (23 عامًا)، خريجة حديثة، تعمل مساعدة في محل لبيع المواد الغذائية بعد التخرج، تقول: "الدراسة لم تضمن لي وظيفة محترمة. أعمل الآن لأدبر مصاريفي، وأحيانًا أفكر في السفر لأتمكن من بدء حياة جديدة تليق بمؤهلاتي".
لماذا يفضل الشباب السفر؟
بحسب الدراسات والاستطلاعات، الأسباب الرئيسية تتمثل في:
- فرص أفضل للعمل والمعيشة.
- الاستقرار والأمان الشخصي.
- فرص للتعليم والتطور المهني.
- إمكانية التخطيط لمستقبل يمكن التنبؤ به.
تجمع الدراسات الميدانية والاستطلاعات إلى جانب شهادات الشباب على أرض الواقع، صورة واضحة، بأن جيلاً كاملاً يعيش ضغوطًا اقتصادية وأمنية ونفسية كبيرة، ويبحث عن منفذ يضمن له الاستقرار والحياة الكريمة، وغالبًا يكون هذا المنفذ في السفر خارج البلاد.
وتبقى الحاجة الماسة إلى إيجاد حلول محلية لتعزيز فرص التعليم والعمل والاستقرار النفسي داخل سوريا، لمنح الشباب أملاً يبقيهم في وطنهم ويتيح لهم بناء مستقبلهم فيه.


