هاشتاغ ـ خاص
عقدت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأمريكي يوم الثلاثاء جلسات استماع على خلفية الهجمات التي نفذتها القوات الحكومية السورية ضد مناطق خاضعة لسيطرة قوى كردية في شمال شرق البلاد. وقد اعتُبر هذا التطور اختباراً مباشراً لطبيعة المرحلة الانتقالية، ولحدود التفاهمات غير المعلنة بين دمشق وواشنطن، خصوصاً أن القوات الكردية شكّلت شريكاً محورياً للولايات المتحدة في الحرب ضد تنظيم داعش.
في هذا السياق، أشار آندرو تابلر الباحث البارز في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى والمتخصص في الشأن السوري في شهادته إلى أن “ما يجري في الشمال الشرقي ليس حدثاً تكتيكياً، بل مؤشر على الاتجاه الاستراتيجي للدولة السورية الجديدة”، وهو توصيف يعكس القلق من أن يتحول الحسم العسكري إلى أداة مفضلة لإعادة بسط السلطة المركزية.
الصورة العامة التي رسمتها الشهادات لا تنتمي إلى ثنائية النجاح أو الفشل، بل تعكس واقعاً انتقالياً يتسم بإمكانات واعدة ومخاطر كامنة في آن واحد.
الوضع القائم في سوريا
على الرغم من خطورة التصعيد الأخير، قدّمت الشهادات الأربع التي جاءت بالتزامن مع طرح عدد من أعضاء الكونغرس مشروع قانون يهدف إلى حماية الأكراد، تقييماً متوازناً للوضع الراهن في سوريا. فقد أجمعت على أن البلاد تشهد تراجعاً ملموساً في مستوى العنف مقارنة بسنوات الحرب، مع استعادة نسبية لمركزية الدولة.
إلا أن هذا التقدم وُصف بأنه هش وغير مكتمل. فقد أوضحت الدكتورة مارا كارلين مساعدة وزير الدفاع الأميركي السابقة، أن “سوريا اليوم أكثر تماسكا مما كانت عليه في ذروة الصراع، لكنها لا تزال تفتقر إلى مؤسسات مستقرة قادرة على إدارة التنوع السياسي والمجتمعي”. كما شدد جيمس جيفري، المبعوث الأميركي السابق إلى سوريا، على أن “المرحلة الانتقالية بطبيعتها محفوفة بالمخاطر، وأي خلل في إدارة التوازنات قد يعيد البلاد إلى مسارات غير مستقرة”.
وبذلك، فإن الصورة العامة التي رسمتها الشهادات لا تنتمي إلى ثنائية النجاح أو الفشل، بل تعكس واقعاً انتقالياً يتسم بإمكانات واعدة ومخاطر كامنة في آن واحد.
وفاء السلطة الانتقالية بتعهداتها
اتفقت الشهادات على أن السلطة الانتقالية لم تتراجع عن تعهداتها الأساسية، خاصة في ما يتعلق بالتعاون الأمني ضد تنظيم داعش وتقليص النفوذ الإيراني. غير أن الالتزام السياسي والمؤسسي لا يزال دون المستوى المطلوب لترسيخ الثقة الكاملة.
وفي هذا الصدد، أشار جيفري إلى أن بناء الثقة مع السطلة الجديدة "يتطلب مؤسسات دائمة لا ترتيبات ظرفية". أما كارلين فلفتت إلى أن “المعيار الحقيقي ليس النوايا المعلنة، بل قدرة الدولة على ضبط الفاعلين المسلحين ومنع الاستخدام المفرط للقوة”.
ويبرز التصعيد ضد الأكراد كحالة اختبار لهذه المعادلة، إذ يعكس توتراً بين هدف توحيد الدولة وضرورة احترام الشراكات المحلية التي أسهمت في محاربة الإرهاب.
وخلصت الشهادات إلى عدم وجود سياسة حقيقة لضمان شراكة الأقليات في بناء الدولة وكذلك هشاشة الضمانات الدستورية لها الأمر الذي قد يتحول إلى مصدر اضطراب دائم إذا لم تتم معالجته بشكل جدي وجذري.
موقف السلطة من الأقليات
شكل ملف الأقليات محوراً مركزياً في الشهادات وفي تقييم المرحلة الانتقالية. وقد اعتُبر التعامل مع الأكراد القضية الأكثر حساسية، نظراً لأبعادها الأمنية والسياسية والإقليمية. وأكد تابلر أن “دمج الشمال الشرقي عبر مسار تفاوضي سيعزز وحدة سوريا، أما فرض السيطرة بالقوة فقد يخلق بؤرة صراع طويلة الأمد”.
أما في ما يتعلق بالدروز والعلويين، فقد رصد الشهود قلقاً خاصاً تجاه الوضع الأمني مع التأكيد على أن حماية التنوع المجتمعي تعد مفتاحاً للاستقرار. ورأت نادين ماينزا الرئيسة السابقة للجنة الولايات المتحدة للحرية الدينية الدولية: "أي حكومة انتقالية في سوريا لا يمكنها تجاهل حقوق الأقليات أو استبعادها من عملية صنع القرار، وإلا فإن الفشل سيكون حتمياً." كما شدد تابلر على أن الأمان الاجتماعي والسياسي للأقليات يجب أن يكون محور أي برنامج للإصلاح وأن "ضمان الشراكة والشمولية ليس خياراً بل ضرورة لبناء دولة قابلة للاستمرار."
وشددت الشهادات على ضرورة الشفافية والمساءلة في الأحداث السابقة ضد الأقليات لمنع التوترات الطائفية، وأشارت ماينزا إلى أن “المواطنة المتساوية يجب أن تكون مبدأً قانونياً قابلاً للتطبيق، لا مجرد خطاب سياسي”.
وخلصت الشهادات إلى عدم وجود سياسة حقيقة لضمان شراكة الأقليات في بناء الدولة وكذلك هشاشة الضمانات الدستورية لها الأمر الذي قد يتحول إلى مصدر اضطراب دائم إذا لم تتم معالجته بشكل جدي وجذري.
إعادة بناء الجيش والأمن
احتل إصلاح القطاع الأمني موقعاً محورياً في النقاش، باعتباره الركيزة الأساسية لاستقرار الدولة. فقد اجمع المتحدثون على أن عملية دمج الفصائل ضمن الهياكل الرسمية جاءت شكليه ولم تتحول إلى عملية تفكيك حقيقة للبنيات والهياكل الميليشاوية السابقة، مع تحذير واضح من ترقية شخصيات متهمة بارتكاب فظائع وتوليها مناصب قيادية في الجيش.
وأوضح تابلر أن “إعادة رفع الأعلام لا تعني بالضرورة إعادة بناء مؤسسة”، في إشارة إلى أن الإصلاح الحقيقي يتطلب عقيدة عسكرية موحدة وسلسلة قيادة واضحة وخضوعاً كاملاً للسلطة المدنية. كما أكد جيفري أن “نجاح المرحلة الانتقالية يتوقف إلى حد كبير على قدرة الدولة على احتكار استخدام القوة بشكل مهني وغير طائفي”.
الحريات الدينية
تناولت الشهادات مسألة الحريات الدينية بوصفها معياراً مبكراً لتوجه الدولة الجديدة. وقد حذرت ماينزا من أن “الحرية الدينية ليست قضية رمزية، بل عنصر استقرار أساسي في المجتمعات الخارجة من النزاع”. وأشارت إلى ضرورة أن تعكس النصوص الدستورية المؤقتة التزاماً واضحاً من الحكومة الجديدة بالمساواة بين المواطنين أمام القانون.
وحذرت من إبادات عرقية وطائفية إن لم تتم حماية الحريات الدينية في سوريا مشيرة إلى أن التاريخ يُظهر أن التحذيرات التي تسبق الفظائع الجماعية غالباً ما يجري التقليل من شأنها إلى أن يدركها الجميع بعد فوات الأوان.
كما أُثيرت المخاوف من خطاب الكراهية وبعض الحوادث الطائفية، ما يؤكد أن حماية التعددية تتطلب آليات قانونية ومؤسسات رقابية فاعلة. وشددت الشهادات على دور الولايات المتحدة في توجيه سوريا بعيداً عن إعادة ترسيخ السلطوية، نحو حكم شامل ومواطنة متساوية وحريات دينية تتيح لجميع السوريين أن يعيشوا في سلام واستقرار طويل الأمد.
شددت الشهادات على الدور الحيوي لواشنطن في ضمان التزام السلطة الانتقالية بتعهداتها، حيث أشار تابلر إلى أن المراقبة الأميركية المستمرة والضغط الانتقائي هما العاملان الرئيسيان لمنع الانتكاس إلى حكم سلطوي أو تفرد ديني.
دور واشنطن في مستقبل البلاد
اتفقت الشهادات على أن السياسة الأميركية الأنسب في هذه المرحلة تقوم على مبدأ الانخراط المشروط. فقد شدد تابلر على أن “النفوذ الأميركي في سوريا لا يزال قائماً، لكنه يفقد قيمته إذا لم يُربط بسلوك ملموس”. ويعني ذلك أن الدعم الاقتصادي أو الدبلوماسي ينبغي أن يكون مشروطاً بتقدم فعلي في ملفات الإصلاح السياسي وحماية الأقليات وإعادة هيكلة القطاع الأمني.
كما أشارت كارلين إلى أن “الانسحاب الكامل يترك فراغاً، والدعم غير المشروط يضعف أدوات التأثير”، ما يعكس ضرورة الحفاظ على توازن دقيق بين الحوافز والضغوط. وفي هذا السياق، يُنظر إلى مشروع حماية الأكراد المطروح في الكونغرس كأداة ضغط محتملة لتعديل سلوك السلطة إذا استمر التصعيد.
وشددت الشهادات على الدور الحيوي لواشنطن في ضمان التزام السلطة الانتقالية بتعهداتها، حيث أشار تابلر إلى أن المراقبة الأميركية المستمرة والضغط الانتقائي هما العاملان الرئيسيان لمنع الانتكاس إلى حكم سلطوي أو تفرد ديني.
رؤية مستقبلية
ترسم الشهادات الأربع مستقبلاً مفتوحاً على مسارين. الأول يتمثل في نجاح السلطة الانتقالية في إدارة التنوع ودمج القوى المختلفة ضمن مؤسسات مهنية، ما يعزز استقراراً تدريجياً طويل الأمد شرط استمرار الرقابة الأمريكية في توجيه مسار بناء مؤسسات تضمن الحقوق المدنية والسياسية لجميع السوريين.
وأما الثاني فينطوي على خطر انزلاق البلاد إلى صراعات عرقية أو إعادة إنتاج نموذج سلطوي جدي، في حال الفشل في إدارة التنوع وضمان حقوق الأقليات وبناء مؤسسات حكم عادلة وشمولية.


