هاشتاغ - حسن عيسى
في سابقة قضائية تهدد بخلط أوراق "هيبة الدولة" بسطوة "التهديد الأمني"، كشفت وثائق وشهادات حصرية حصل عليها "هاشتاغ" عن انهيار شبه كامل للفريق القانوني المكلف بملاحقة متهمين بـ "الإساءة لدمشق ورموزها".
فمن أصل عشرة محامين تصدوا للقضية، انسحب ثمانية منهم بشكل مفاجئ، تاركين خلفهم تساؤلات مفتوحة حول قدرة المؤسسة القضائية على حماية وكلائها، وحقيقة الجهات التي تدير "غرفة عمليات" للترهيب العابر للحدود.
تلقى المحامون رسائل عبر تطبيق "واتساب" تضمنت عناوين منازلهم ومواقع مكاتبهم بدقة وتفاصيل تتعلق بتحركات زوجاتهم وأطفالهم
"نعرف تحركات زوجتك".. تشريح الجريمة الإلكترونية
لم يكن انسحاب المحامين الثمانية قراراً تكتيكياً، بل جاء تحت وطأة حملة ترهيب منظمة تجاوزت الخطوط الحمراء.
وتُظهر "لقطات الشاشة" (Screenshots) التي حصل عليها "هاشتاغ" أن التهديدات لم تكن عشوائية، بل استندت إلى بنك أهداف معلوماتي دقيق.
فقد تلقى المحامون رسائل عبر تطبيق "واتساب" تضمنت عناوين منازلهم، مواقع مكاتبهم بدقة، وحتى تفاصيل تتعلق بتحركات زوجاتهم وأطفالهم.
وتنوّعت مصادر هذه الرسائل بين أرقام دولية من العراق (+964)، تركيا (+90)، الولايات المتحدة (+1)، ومصر (+20)، في محاولة واضحة للتمويه التقني وتشتيت جهود التتبع.
اللافت في تحليل محتوى الرسائل هو انتقالها من التهديد اللفظي إلى التهديد بالتصفية الجسدية المباشرة باستخدام مصطلحات مثل "كاتم صوت وجه لوجه"، و"رصاصة بنص..."، بالتوازي مع استخدام لغة طائفية حادة وشتائم تمس الأعراض والشرف، في استهداف ممنهج للبنية الاجتماعية المحافظة للمحامين، مما أجبر الغالبية العظمى منهم على الانسحاب حفاظاً على سلامة عائلاتهم.
القضية تحولت من شقها القانوني إلى شق أخلاقي ووطني حيث أن الانسحاب الآن يعني تكريس لغة "الغاب" على حساب القانون
"تبريد القضية".. خذلان في أروقة القضاء
في الوقت الذي كانت فيه هواتف المحامين تتلقى وعيداً بالقتل، كان المشهد داخل أروقة القصر العدلي يثير الريبة أكثر من الاطمئنان.
المحامي يامن الشفوني، وهو أحد المحاميين الاثنين الذين رفضا الانسحاب (إلى جانب زميله رشاد القاضي)، كشف في تصريح لـ "هاشتاغ" عن حالة من "البرود المؤسساتي" في التعامل مع الملف.
ويؤكد الشفوني: "النيابة العامة لم تتحرك، ونحن من قمنا بالادعاء الشخصي بصفتنا أبناء دمشق، ولم نرتقِ لتقديم إخبار لأننا توقعنا أن تتحرك الدولة من تلقاء نفسها".
ويشير الشفوني إلى واقعة مثيرة للجدل حدثت معه داخل فرع الجرائم المعلوماتية، حيث تم الاستماع لبعض رسائل التهديد الصوتي داخل مكتب الخبرة الفنية وبوجود المختصين، دون أن يصدر أي رد فعل فوري أو إجراء احترازي ملموس لحماية المبلغين.
يضيف الشفوني بلهجة لا تخلو من المرارة: "شعرنا أن هناك رغبة من جهات معنية لتبريد الموضوع، وكأنهم لا يريدون التصادم مع الطرف الآخر"، مشيراً إلى أن تقاذف الملفات والانتظار الروتيني في قضية رأي عام تمس هيبة القضاء يضع علامات استفهام كبرى حول الجدية في المحاسبة.
دمشق كـ "قضية وجودية".. لماذا بقي الاثنان؟
رغم العزلة وانسحاب الزملاء، يصر المحاميان المتبقيان على المضي قدماً في القضية حتى اللحظة الأخيرة.
ويفسّر الشفوني هذا الصمود بأنه ليس بحثاً عن انتصار شخصي، بل دفاع عن هوية المدينة. يقول: "حي جوبر الدمشقي مُسح عن وجه الأرض، ودمشق قدمت دماءً كثيرة، فكيف نقبل اليوم بمن يخرج ليشتمها ويشتم أهلها؟".
ويرى الفريق المتبقي أن القضية تحولت من شقها القانوني إلى شق أخلاقي ووطني، معتبرين أن الانسحاب الآن يعني تكريس لغة "الغاب" على حساب القانون.
ورغم إقرارهم بغياب التطمينات الأمنية وعدم تواصل أي جهة رسمية (وزارة العدل أو الداخلية) معهم رغم المناشدات، إلا أنهم قرروا الاستمرار لـ "تثبيت موقف" أمام الرأي العام.
اختراق "هيبة الدولة".. من الفاعل؟
تطرح المعطيات المتوافرة سيناريوهات مقلقة حول هوية الجهة التي تجرأت على شتم "النائب العام والقصر العدلي" صراحة في إحدى الرسائل.
- السيناريو الأول: وجود شبكة منظمة تدير حسابات وهمية وتملك نفوذاً يسمح لها بالوصول لبيانات المحامين الخاصة، وتطمئن المتهمين بأن المحاسبة لن تطالهم. وهو ما لمح إليه الشفوني بحديثه عن "ثقة عالية واطمئنان لدى الطرف الآخر".
- السيناريو الثاني: أن تكون التهديدات صادرة عن جهات خارجية تستغل الفوضى الرقمية لإثارة الفتن (مستخدمة مصطلحات طائفية وعشائرية متناقضة).
إلا أن الأمر المؤكد، بحسب مجريات القضية، هو أن المحامين يتعرضون الآن لما وصفوه بـ "حملة تشويه سمعة" ممنهجة على وسائل التواصل الاجتماعي، تهدف لضرب مصداقيتهم أخلاقياً بعد فشل التهديد الأمني في ثني المتبقين منهم.


