هاشتاغ - ترجمة
لفت "المجلس الأطلسي" وهو مؤسسة بحثية مقرها في واشنطن، إلى أن سوريا اليوم ليست ليبيا، فقد نشأ الصراعان فيهما نتيجة نظامين سياسيين مختلفين، وتطورا على فترات زمنية متباينة، وأسفرا عن نتائج مختلفة، مشيراً إلى أنه بالرغم من ذلك فإن المقارنات لا تزال قائمة، ليس لتطابق الحالتين، بل لاشتراكهما في مجموعة من المخاطر الهيكلية التي كشفت عنها ليبيا بوضوح صادم.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة لا تزال منخرطة عسكرياً في سوريا، لكن في وضع محدود وهشّ على نحو متزايد. تعمل قوة أمريكية صغيرة جنباً إلى جنب مع شركاء محليين، وتركز بشكل أساسي على عمليات مكافحة الإرهاب ضد تنظيم "داعش" ومنع عودته.
ووفق المؤسسة البحثية، المهمة الأمريكية محدودة عمداً: فهي تتمحور حول مكافحة الإرهاب بدلاً من استراتيجية أوسع لسوريا، وتفتقر إلى غاية سياسية واضحة تتجاوز "الهزيمة النهائية" لداعش، وقد استمرت وسط نقاشات متكررة في واشنطن - عبر الإدارات وفي الكونغرس - حول مدتها وأساسها القانوني وقيمتها الاستراتيجية.
في الأسبوع الماضي، انسحبت الولايات المتحدة من قاعدة "التنف"، ذات الموقع الاستراتيجي قرب الحدود السورية العراقية الأردنية، وسلمت السيطرة عليها إلى سوريا - تعد هذه الخطوة مؤشراً على ميل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى فك الارتباط بعد مقتل جنديين أمريكيين في سوريا في كانون الأول /ديسمبر.
وبحسب المؤسسة البحثية، فإن "الحروب نادراً ما تنتهي لمجرد أننا نملّ منها - بالنسبة للرأي العام الأمريكي الذي سئم بشدة من الانتشار العسكري في الخارج، قد يكون الانسحاب خياراً مرغوباً. مع ذلك، لا يكمن الخطر في احتمال انسحاب الولايات المتحدة من سوريا فحسب، بل في احتمال انسحابها في توقيت خاطئ، ظناً منها أن الإرهاق استراتيجية، مما قد يمهد الطريق لانهيار مماثل لما حدث في ليبيا".
وحول مقاربة الحالة السوريّة مع الحالة الليبية، أشار المعهد إلى أن هناك ثمة أسباب تدعو إلى تفاؤل حذر - فقد انخفض العنف عن ذروته، واستؤنفت الدبلوماسية الإقليمية بحذر، وتشهد أجزاء من البلاد نوعاً من الاستقرار لم يكن متصوراً قبل عقد من الزمن وبعض اللاجئين بدأو بالعودة -بالإضافة إلى ذلك، تدرس دول الخليج إعادة الإعمار والإدماج. حتى المراقبون الدوليون بدأوا، بحذر، يلاحظون بوادر التحسن، فقد أشارت مجلة "الإيكونوميست"، على سبيل المثال، إلى التقدم النسبي الذي أحرزته سوريا مقارنة بالسنوات الأخيرة.
بهذا الصدد، بيّنت المؤسسة البحثية أن ليبيا لم تنهار بين عشية وضحاها أيضاً - فقد انزلقت ببطء وبشكل متوقع- نحو التفكك عندما خفت الضغوط الخارجية قبل أن يترسخ التماسك الداخلي، مؤكدة "تقف سوريا الآن عند نقطة تحول مماثلة".
تحتفظ سوريا بجهاز دولة مُنهك ولكنه فعّال ويُوفر شيئاً افتقرت إليه ليبيا
لماذا لا تُشبه سوريا ليبيا بعد؟
على عكس ليبيا عام 2011، لم تخرج سوريا من فراغ مؤسسي كامل - فعندما سقط معمر القذافي، انهارت الدولة الليبية فعلياً معه - كانت السلطة مُحتكرة بشكل كبير، وتم تفريغ المؤسسات الرسمية عمداً، ولم يكن هناك جيش وطني موحد، أو جهاز بيروقراطي، أو إطار سياسي قادر على استيعاب صدمة تغيير النظام. ما تبقى هو ميليشيات، ومراكز نفوذ محلية، ومطالبات متنافسة بالشرعية، مع ذاكرة مؤسسية ضئيلة تُرسي دعائم إعادة الإعمار.
في المقابل، تحتفظ سوريا بجهاز دولة مُنهك ولكنه فعّال - هياكل إدارية، وحدود مُحددة، وشعب اعتاد على السلطة المركزية. هذا الاختلاف لا يضمن الاستقرار، ولكنه يُوفر شيئاً افتقرت إليه ليبيا: نواة مؤسسية يُمكن على الأقل بناء دعائمها حولها.
هذا التمييز مهم - لا تزال سوريا تمتلك ما يُمكنها من تحقيق الاستقرار - لكنها ليست ميزة دائمة. فالمؤسسات الحكومية التي تُفرغ من مضمونها أو تتجاوزها الجهات المسلحة لا تتقوى تدريجياً من تلقاء نفسها - تتآكل هذه الأنظمة بطرق محددة ومتوقعة، وتنشأ سلاسل قيادة متوازية، وتتولى الميليشيات المحلية مهام حفظ الأمن، وفرض الضرائب، وحل النزاعات. ويخضع الموظفون المدنيون لمن يسيطر على الأراضي بدلاً من السلطة المركزية.
وبمرور الوقت، يتحول الولاء من المؤسسات إلى الجهات المسلحة الراعية، ويصبح ادعاء الدولة باحتكار القوة اسمياً بشكل متزايد.
لهذا السبب، لا يكمن الفرق بين سوريا وليبيا في المصير، بل في التوقيت. فالمركز الإداري السوري يمنح الوقت، لا الحصانة. وإذا ما تفاقم التشرذم قبل ترسيخ السلطة - إذا تعثر التكامل الأمني، وإذا أصبحت الميليشيات أطرافاً دائمة، وإذا استمرت الجهات الخارجية في العمل عبر وكلاء بدلاً من المؤسسات - فإن مزايا سوريا الحالية ستتقلص.
وبمجرد أن تترسخ أنظمة السلطة المتوازية، التي من النادر أن سلمياً - يتبقى حينها ليس الاستقرار، بل فوضى مُدارة - وهي الحالة التي أهلكت ليبيا في نهاية المطاف.
"داعش" لا يحتاج إلى استعادة الرقة ليكون خطراً بل يحتاج فقط إلى مساحة ووقت وثغرات أمنية لم تُحل - وهذه الظروف لا تزال قائمة في سوريا
"داعش" لا يزال موجوداً
كانت هزيمة "داعش" في آذار/مارس 2019، في "الباغوز" - آخر معاقله - على يد قوات سوريا الديمقراطية "قسد" بدعم أمريكي، إنجازاً حقيقياً. لكن "تفكيك الخلافة لا يعني تفكيك التنظيم".
وتنظيم "داعش" اليوم لا مركزي وانتهازي، يعمل عبر خلايا صغيرة متنقلة تستغل الثغرات بين السلطات المتنافسة. ويعتمد على الاغتيالات والتفجيرات وعمليات اقتحام السجون والابتزاز في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة السورية، بدلًا من السيطرة المباشرة على الأراضي.
وحول هذه التحركات، ترى المؤسسة البحثية، أن التنظيم لا يزدهر بالسيطرة على المدن، بل بغياب سلطة مستدامة.
وهنا، تقدم ليبيا درساً جلياً: الجماعات المتطرفة لا تحتاج إلى فراغ في كل مكان، بل في مكان ما فقط. فبعد انهيار السلطة المركزية عام 2011، لم تكن الجماعات الجهادية بحاجة إلى السيطرة على الدولة الليبية بأكملها لتبقى خطرة - بدلاً من ذلك، تغلغلوا في مناطق مهمشة، لا سيما في مدن مثل درنة وسرت، وفي ممرات العبور الصحراوية، وحول طرق تهريب النفط التي تعاني من ضعف الرقابة - حتى بعد خسارة "داعش" لسرت عام 2016، انتشر مقاتلوها في جنوب ليبيا وفي المناطق الحدودية الخارجة عن سيطرة الدولة، مُحافظين على نشاطهم المسلح عبر الاغتيالات والابتزاز والتنقل عبر الحدود. وقد أثبت التشرذم، لا الانهيار التام، أنه كافٍ لإبقاء الشبكات المتطرفة على قيد الحياة.
وبالمقارنة، يُشكل تباين السيطرة في سوريا، خاصة في الشرق والجنوب، هذا الخطر تحديداً. فداعش لا يحتاج إلى استعادة الرقة ليكون خطراً، بل يحتاج فقط إلى مساحة ووقت وثغرات أمنية لم تُحل - وهذه الظروف لا تزال قائمة.
قدرة القيادة السورية على دمج القوات الدرزية والكردية بشكل فعّال ستحدد مصير الاستقرار سواء بالاستمرار أو التدهور
خطر التشرذم
لم يكن الفشل الحاسم في ليبيا هو تغيير النظام بحد ذاته، بل ما تلاه: فصائل مسلحة متنافسة، ومؤسسات وطنية ضعيفة، وغياب احتكار متفق عليه للقوة.
وبحسب "المعهد الأطلسي"، لا تزال سوريا عرضة لنفس الديناميكية. تتواجد جهات مسلحة متعددة في مناطق نفوذ متداخلة، وتتلقى دعماً خارجياً متبايناً، وتتبنى رؤى سياسية متضاربة، ولا تزال جهود دمج هذه القوات، لا سيما في الشمال الشرقي، هشة وغير مكتملة.
في ليبيا، لم تقتصر مهمة الميليشيات على سدّ الفراغ الأمني فحسب، بل أصبحت جهات فاعلة سياسية لديها دوافع للحفاظ على الفوضى. وقد تُرجمت السيطرة على الأراضي ونقاط التفتيش ومصادر التمويل إلى نفوذ، لا إلى مسؤولية.
وتواجه سوريا خطر نتيجة مماثلة إذا ما تم التسامح مع الجماعات المسلحة إلى أجل غير مسمى كجهات شبه مستقلة بدلاً من دمجها - أو تسريحها - تحت سلطة وطنية موحدة.
إن قدرة القيادة السورية على دمج القوات الدرزية والكردية بشكل فعّال - خاصة بعد تدهور معظم المعدات العسكرية الاستراتيجية للبلاد - ستحدد مصير الاستقرار، سواء بالاستمرار أو التدهور. صحيح أن هناك تقدماً، لكنه قابل للتراجع. فبدون إطار أمني موحد وموثوق، يبقى الاستقرار مشروطاً لا مستداماً.
أبرزت ليبيا ما يحدث عندما يحل التنافس الإقليمي محل التماسك الوطني
صبر واشنطن لا يدوم طويلاً
في واشنطن، أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة "إيبسوس" بعد سقوط بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 أن 41% فقط من الأمريكيين يؤيدون بقاء القوات الأمريكية في سوريا لمحاربة "داعش"، بينما أعرب 50% عن رأيهم بأن مشاكل سوريا "لا تعنينا". إن الرغبة في تجنب "الحروب الأبدية" باتت تتجاوز الإدارات الرئاسية والأيديولوجيات السياسية. هذا التحفظ يعكس دروساً مستفادة بصعوبة، ولكنه يخلق أيضاً معضلة.
سوريا ليست بمعزل عن غيرها - فهي تتنافس على الاهتمام في بيئة استراتيجية مزدحمة أصلاً: أوكرانيا، الصين، التضخم، وأمن الحدود. هذا يجعل سوريا عرضة للخطر، ليس لأنها أقل أهمية، بل لأنها تفتقر إلى قاعدة شعبية داخلية قوية قادرة على دعم مشاركة طويلة الأمد. ويشير التاريخ إلى أن الانسحابات المدفوعة بالإرهاق السياسي، بدلاً من الظروف على أرض الواقع، غالباً ما تكون متسرعة وغير مدروسة.
ونتيجة لذلك، تسارع تدهور ليبيا عندما تراجع التدخل الدولي بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات على التشكّل - وتواجه سوريا خطر تكرار هذا النمط إذا ما انهارت الإرادة السياسية قبل إرساء الأسس اللازمة.
تعلمنا ليبيا أن المكاسب الهشة قد تتبخر سريعاً عندما يشتد التشرذم ويخف الضغط الخارجي قبل أوانه
دول المنطقة تتوخى الحذر
لا تقف قوى الشرق الأوسط مكتوفة الأيدي أمام مصير سوريا -وترى دول الخليج أن الاستقرار أفضل من الصراع الدائم. ولدى تركيا وإسرائيل والحكومات العربية مصالح واضحة. لكن لا أحد منها مستعد لنشر قوات برية واسعة النطاق لضمان أمن سوريا - ويبقى تدخلها انتقائياً، مدفوعاً بالمصالح، وغالباً ما يكون متضارباً.
لفت "المجلس الأطلسي" إلى أن ليبيا أظهرت ما يحدث عندما يحل التنافس الإقليمي محل التماسك الوطني. فبعد عام 2011، دعمت جهات خارجية فصائل متنافسة بدلاً من إطار وطني موحد: فقد دعمت مصر والإمارات العربية المتحدة وروسيا القوات في شرق ليبيا، بينما دعمت تركيا وقطر السلطات المتمركزة في الغرب.
وفي النهاية، أدت هذه التدخلات المتنافسة إلى ترسيخ الانقسامات السياسية والعسكرية، وتقويض جهود المصالحة التي تدعمها الأمم المتحدة، وتحويل الميليشيات إلى وكلاء مدعومين من الخارج بدلاً من حوافز للاندماج في دولة وطنية.
وبدلاً من الاندماج في سلطة واحدة، نشأت في ليبيا حكومات متوازية، ومؤسسات أمنية متنافسة، وصراع مستمر على الأراضي والموارد - لم يُسهم التنافس الإقليمي في استقرار ليبيا، بل رسّخ التشرذم.
جهود أوروبا في أماكن أخرى
في عام 2011، لعبت أوروبا دوراً بارزاً في التدخل في ليبيا، لكنها واجهت صعوبة في الحفاظ على نفوذها بعد توقف القتال. ومنذ الغزو الروسي لأوكرانيا، تركزت الموارد العسكرية الأوروبية، والقدرات الاستخباراتية، والاهتمام السياسي بشكل كبير على الردع ودعم كييف. وهناك رغبة محدودة في المشاركة المستدامة في جبهات ثانوية.
في الوقت نفسه، كشفت تجربة أوروبا في ليبيا عن قصور هيكلي - فقد انتهجت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي سياسات متباينة - إذ دعمت فرنسا وإيطاليا جهات ليبية متنافسة، بينما أعطت دول أخرى الأولوية لاحتواء الهجرة على حساب بناء الدولة - مما قوّض ظهور استراتيجية أوروبية متماسكة. كانت النتيجة دبلوماسية متقطعة تفتقر إلى الأمن المستدام والاستثمار المؤسسي اللازم لتحقيق الاستقرار في البلاد. وتمثل سوريا خطراً مماثلاً.
تسلسل دقيق
إن تجنب سيناريو مشابه لما حدث في ليبيا لا يتطلب "حروباً لا نهاية لها"، ولكنه يتطلب تسلسلاً زمنياً، وهذا ليس مجرد شعار - ففي ليبيا، سبق الانسحاب وفك الارتباط تقوية السلطة، مما أدى إلى دولة مجزأة تتسم بحكومات متوازية، وقوات أمنية متنافسة، وميليشيات استمرت بعد المرحلة الانتقالية وهيمنت على الحياة السياسية والاقتصادية. تشتتت مسؤولية مكافحة الإرهاب، وأصبحت الحدود مفتوحة، وتزايد دعم الجهات الخارجية للوكلاء بدلاً من المؤسسات.
إذن، فإن سيناريو مشابه لما حدث في ليبيا ليس انهياراً تاماً، بل تفتتاً مزمناً: دولة ذات عمليات سياسية رسمية، لكنها تفتقر إلى احتكار فعلي للقوة، وعنف متقطع تتخلله فترات وقف إطلاق النار، وبيئة أمنية تستغل فيها الجماعات المتطرفة الثغرات بين السلطات المتنافسة.
ووفقاً للمؤسسة البحثية، يتطلب تجنب هذا المسار في سوريا ضمان أن يسبق التكامل الأمني الانسحاب، وأن تكون مسؤولية مكافحة الإرهاب واضحة للمؤسسات الشرعية، وأن تتوحد الجهات الفاعلة الإقليمية حول الاحتواء بدلًا من التنافس.
إن درس ليبيا ليس أن الغرب مكث طويلًا - يكمن الخلل في انسحابه قبل أن تتحول المسؤولية فعلياً - هذا النهج لا يقلل المخاطر، بل ينقلها، غالباً إلى جهات أقل كفاءة، وفي النهاية تعود إلى الولايات المتحدة نفسه، وفق التقرير.
لا يعني هذا أن سوريا محكوم عليها بالفشل. فقد أظهر العام الماضي إمكانية تحقيق تقدم تدريجي - الدبلوماسية، ومحادثات إعادة الإعمار، وخفض العنف أمور بالغة الأهمية. لكن ليبيا تُعلّمنا أن المكاسب الهشة قد تتبخر سريعاً عندما يشتد التشرذم ويخف الضغط الخارجي قبل أوانه.
ويختتم "المجلس الأطلسي": "سوريا ليست قضية خاسرة، بل هي قضية مشروطة. المؤشرات التحذيرية واضحة".
ويطرح تساؤلاً: "هل ستختار الولايات المتحدة التعلم من التاريخ الحديث، أم ستكرره تحت مسمى آخر؟".


