هاشتاغ - خاص
تشهد سوريا منذ بداية عام 2026 تحولات عسكرية وأمنية كبيرة أثّرت مباشرة في ديناميات مكافحة تنظيم "داعش"؛ إذ بدأت الولايات المتحدة مطلع شهر شباط تنفيذ انسحاب واسع من أراضي البلاد، وهو انسحاب يرجّح أن يكتمل في غضون شهر واحد من فبراير 2026، بحسب ما أفادت به مصادر أمريكية لوسائل إعلام غربية مع انتقال القوات تدريجياً من قواعدها الرئيسة في الشمال والشرق.
قوات التحالف الدولي التي كانت تسيطر على نحو 31 قاعدة ونقطة عسكرية في سوريا، تضمنت مواقع حيوية مثل التنف في الجنوب الشرقي والشدادي في شمال شرقي الحسكة، انتقلت إلى وضع وجود أكثر محدودية، مع إحكام سيطرة قوات الحكومة السورية الجديدة على القاعدتين وتسلمها رسمياً من القوات الأمريكية.
هذه التطورات في الوجود العسكري الأمريكي في سوريا جاءت في وقت وسّعت فيه الحكومة السورية الجديدة سيطرتها على مناطق واسعة في منطقة الجزيرة والبادية السورية التي كانت كانت تحكمها قوات سوريا الديمقراطية "قسد" المدعومة أمريكياً، في إطار اتفاقات تمّت بين طرفي النزاع، وهذا أتاح لدمشق إعادة تنظيم قواتها الأمنية والعسكرية في الشرق والشمال.
يبدو أن التنظيم الإرهابي استغلّ هذه المرحلة الانتقالية بتحركات هجومية أكثر جرأة في مناطق "آمنة" نسبياً
"داعش" يستفيد من الفراغ الأمني
يبدو أن التنظيم الإرهابي استغلّ هذه المرحلة الانتقالية بتحركات هجومية أكثر جرأة في مناطق "آمنة" نسبياً، وهذا تجلّى في هجمات متتالية في الأيام الأخيرة في محافظات مثل الرقة ودير الزور. ففي 23 شباط قتل 4 من عناصر الأمن الداخلي في هجوم شنّه التنظيم على حاجزٍ أمني غربي الرقة. وفي دير الزور شرقي البلاد، أعلن التنظيم مسؤوليته عن إطلاق نار استهدف عناصر الجيش "في الميادين ودير الزور"، بحسب بيانات إعلامية رسمية أسفرت عن مقتل جندي سوري. هذه الهجمات تمثّل دليلاً على قدرة التنظيم على الانتقال من العمل في البادية إلى استهداف مواقع أمنية في مناطق حضرية تسلمت القوات الحكومية السيطرة فيها من قوات "قسد" في مناطق كانت بالإشراف العسكري الأمريكي.
هذه الهجمات جاءت بالتزامن مع إعلان "داعش" في تسجيل صوتي أنه يشن "حرباً مفتوحة" على الحكومة السورية الجديدة، واصفاً إياها بأنها "أداة للتحالف الأمريكي والتركي، غير شرعية، وأن مصيرها سيكون مثل مصير الأسد"، مطالباً أتباعه بالتصعيد عبر هجمات بأسلحة خفيفة ودراجات نارية. هذا التصريح يؤكد أن التنظيم يرى في التغيرات الأمنية فرصة لتعزيز نفوذه وهجمات مستمرة.
الهجمات الجديدة تشير أيضاً إلى احتمال أن التنظيم ما زال يحظى بحاضنة في أرياف دير الزور والرقة
أسباب التصعيد وطبيعته
هناك أكثر من مؤشر يبيّن أن تنظيم "داعش" يعيد ترتيب أولوياته وأسلوبه بعد خسارته السيطرة الإقليمية الكبرى في 2019. فقد كان التنظيم منذ تراجعه يعتمد اعتماداً رئيسياً على هجمات متفرقة في البادية وجهات نائية، لكنه في 2025 و2026 بدأ يستهدف مواقع حساسة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الجديدة، وهذا يدل على تغيير تكتيكي. ففي عام 2025 نفذ التنظيم هجمات في مناطق حضرية غابت عنها عمليات التنظيم لسنوات. ومن بينها سلسلة هجمات متفرقة بحق قوات الأمن والشرطة في ريف حلب وشرق سوريا. وكذلك عمليات تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق، وجامع علي بن أبي طالب في حمص، وهجوم تدمر في 13 كانون الأول الماضي على دورية مشتركة للقوات الحكومية والقوات الأمريكية في مدينة تدمر وسط البلاد أسفر عن مقتل 3 جنود أمريكيين.
وعلى الرغم من الضربات الأمريكية الأخيرة التي جاءت رداً على هجوم تدمر ضد أكثر من 30 هدفاً للتنظيم في عمليات متعددة في ديسمبر 2025، وكذلك الضربات الأخيرة في شهري كانون الثاني وشباط من قبل قوات التحالف والقوات الفرنسية في البادية السورية، فإن الهجمات الجديدة التي نفذها التنظيم تشير إلى استمراره في إعادة تنظيم صفوفه وشن هجمات جريئة على القوات الحكومية في مناطق حضرية.
الهجمات الجديدة تشير أيضاً إلى احتمال أن التنظيم ما زال يحظى بحاضنة في أرياف دير الزور والرقة، خصوصاً أن وزير الداخلية السوري أنس خطاب أعلن عقب الهجمات الأخيرة في تغريدات على منصة إكس أن التنظيم "يحاول، يائساً، عبر استغلال شبان صغار مغرر بهم، استهداف نجاحات الدولة السورية في المنطقة الشرقية"، الأمر الذي يوحي أن منفذي العمليات الأخيرة هم من أبناء تلك المناطق.
واشنطن واستراتيجية الضربات الجوية.. هل تكفي؟
إذ تبرّر الولايات المتحدة انسحابها من قواعدها في سوريا بالتقليل من التكاليف العسكرية والتركيز على أولويات أمنية أوسع، مع مواصلة "ضربات جوية" من قواعد خارجية لضمان عدم عودة التنظيم تماماً إلى مناطق نفوذ تستراتيجية، يبدو أن هذه الاستراتيجية لن تنجح في مواجهة عودة التنظيم. فخطاب القيادة الأمريكية عن أن الضربات الموسعة تهدف إلى "تحييد البنية الأساسية لداعش ومنع عودته إلى قدرات تنظيمية كبيرة"، تثبت اليوم فشلها في أول اختبار بعد الانسحاب.
من جانبها تؤكد دمشق، أنها تتابع ملاحقة تنظيم "داعش" وتدك أوكاره وتتحدث عن نجاحات في تفكيك خلاياه في مناطق ومحافظات عدة منها حلب وحمص وإدلب وريف دمشق، لكن كل ذلك لم يمنع التنظيم من شن هجمات على حواجز عسكرية للقوات الحكومية في مؤشر على تصاعد جرأة الهجمات وربما حدتها في المستقبل، سواء رداً على ملاحقة خلاياه أم ضمن خطة أوسع تهدف إلى تشتيت تركيز القوات الحكومية.
وزير الداخلية السوري أكد أن الأجهزة الأمنية "تتابع كل النشاطات الإرهابية بدقة، وأنها مستمرة في مداهمة أوكار داعش وملاحقة فلوله"، وهذا يظهر قراراً حكومياً بالتصدي لتنامي تهديد التنظيم في ظل مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي، لكنه في الوقت نفسه يكشف مدى التهديد الذي يشكله التنظيم مستقبلاً.
آفاق مستقبلية للصراع
تصاعد هجمات "داعش" بعد الانسحاب الأمريكي يظهر ثغرات في الانتقال الأمني على الأرض، من جهة، وقراءة قاصرة لقدرات التنظيم من جهة ثانية، خصوصاً بعد التقارير الإعلامية عن قرار مئات المساجين من التنظيم من سجون المنطقة الشرقية التي كانت تضم آلافاً من عناصر "داعش" تم نقل منهم 7500 عنصر إلى سجون في العراق.
وتكشف الهجمات أن نقل المسؤولية الكاملة لمكافحة التنظيم على الأرض السورية من قوة دولية متعددة الجنسيات تقودها واشنطن إلى قوة محلية (الحكومة السورية)، التي تواجه تحديات في الاستخبارات والتغطية الأمنية وهشاشة الأجهزة الأمنية والعسكرية، هي رهان خاطئ في مرحلة حساسة جداً من عمر الحكومة السورية الجديدة وطبيعتها.
المشهد السوري في ظل الانسحاب الأمريكي وتنامي ظهور "داعش"، يسير في اتجاه تكثيف التنظيم هجماته في المدن والمناطق الحديثة الخاضعة للحكومة، لاستنزاف الموارد الأمنية وتهديد استقرار هذه المناطق.
وبهذا التكثيف يهدف "داعش" إلى إعادة تنظيم صفوفه وربما جذب المزيد من المتعاطفين معه لتوسيع شبكة دعم لوجستي في البادية ومناطق حدودية، وهذا قد يعيد تنظيمه بصفة قوة ضغط أمنية قبل أن يصبح قوة قتالية تقليدية.
لذلك يمكن القول إن الانسحاب الأمريكي وإن أنهى وجوداً طويلاً بمسمى محاربة "داعش"، فإنه يغادر الساحة السورية من دون أن ينهِ التهديد تماماً؛ بل ربما ساهم في إعادة تشكيله في سياق جديد تحاربه الحكومة السورية مع شركاء محليين، في مرحلة أكثر تعقيداً من مكافحة الإرهاب التقليدية داخل سوريا.


