هاشتاغ
بحث

أطباء خارج السجلات.. هاشتاغ يكشف عن أكبر عملية "سخرة طبية" داخل المشافي الحكومية

26/02/2026

أطباء-سوريون

شارك المقال

A
A

هاشتاغ – حسن عيسى


في أروقة العناية المشددة وأقسام الإسعاف التابعة لمشافي وزارة الصحة السورية، يمارس مئات الأطباء المقيمين مهامهم الطبية المعقدة بصفة يومية. يتخذون قرارات طبية حاسمة تفصل بين الحياة والموت، ويجرون تداخلات جراحية دقيقة، مغطين العجز الحاد في الكوادر الطبية.


لكن الوثائق الرسمية والوقائع الإدارية تكشف عن مفارقة حادة: هؤلاء الأطباء غير موجودين قانونياً في السجلات الرسمية لوزارة الصحة، ويعملون منذ 15 شهراً متواصلاً بنظام أشبه بـ "السخرة"؛ دون عقود عمل، دون أجور، وبلا أي غطاء قانوني يحميهم أو يحمي مرضاهم في حال وقوع أخطاء طبية.


يفتح هذا التحقيق الموثق بالمستندات الرسمية، والمراسلات الحكومية، واستبيانات الرأي، ملف الأطباء المقيمين المفرزين من وزارة الدفاع (المنحلة) إلى مشافي وزارة الصحة، متتبعاً مسار التخبط الإداري الذي أحال نخبة من الكوادر الطبية الشابة إلى عمالة غير مأجورة، وسط تقاذف للمسؤوليات بين الوزارات، والهيئة السورية للاختصاصات الطبية، ونقابة الأطباء.

هذه الوثيقة تدين وزارة الصحة بوضوح، فهي تثبت إشرافها على توظيف أطباء في غرف عملياتها دون أن تعترف بهم في ملاكها الوظيفي أو المالي.

الجذور الإدارية.. قرار وزاري "مفخخ"

تبدأ جذور القضية من الآلية المعتمدة في سوريا لفرز الأطباء الخريجين، حيث يتقدم الطبيب بناءً على معدله الجامعي لمفاضلة الاختصاصات الطبية، ويُبرم عقداً للتدريب والعمل مع إحدى الجهات الثلاث: وزارة الدفاع، وزارة الصحة، أو وزارة التعليم العالي، في حين تتولى الهيئة السورية للاختصاصات الطبية (البورد السوري) الإشراف الأكاديمي والتدريبي.


عقب التحولات السياسية وحل وزارة الدفاع بشكل كامل، إبان سقوط النظام يوم 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، أُغلقت المشافي العسكرية التي كان يتدرب فيها الأطباء المتعاقدون مع الوزارة. وبناءً على ذلك، أُجبر الأطباء على المكوث في منازلهم لستة أشهر، محملين بوعود شفهية باستمرار إقامتهم وتدريبهم بمجرد إعادة هيكلة القطاع.


وفي محاولة لحل الأزمة، رفعت الهيئة السورية للاختصاصات الطبية مقترحاً لوزارة الصحة لتوزيع هؤلاء الأطباء المقيمين على المشافي التابعة لها. وتُظهر الوثائق أن وزير الصحة السابق، د. ماهر الشرع، وافق على المقترح، وأصدر قراراً بفرزهم ومباشرتهم العمل.


إلا أن هذه الموافقة تضمنت بنداً إدارياً شائكاً نص صراحة على "استمرار تقاضي رواتبهم من الجهة المتعاقدين لصالحها"، أي وزارة الدفاع التي تم حلها فعلياً. وقد أوقع هذا القرار الأطباء في فجوة قاتلة بين جهة تشغلهم وتستنزف طاقاتهم وترفض الدفع (وزارة الصحة)، وجهة مطالبة بالدفع ولم يعد لها وجود أو موازنة مالية (وزارة الدفاع).


تتبعنا مسار الأزمة عبر الوثائق الرسمية، ليتضح أن المشكلة لم تكن مجرد إهمال، بل نتاج سلسلة من القرارات الإدارية المتناقضة التي خلقت هذا الفراغ:


1. لغم الموافقة الوزارية (تصدير الأزمة):

في محاولة لحل أزمة توقف الأطباء، رفعت الهيئة السورية للاختصاصات الطبية مقترحاً لتوزيعهم على مشافي وزارة الصحة. وتُظهر الوثيقة الصادرة برقم (170/3/2025) موافقة وزير الصحة السابق، د. ماهر الشرع، على فرزهم. إلا أن هذه الموافقة تضمنت البند الإداري الذي أسس للكارثة، إذ نص صراحة على: "لا مانع من تكليفهم بالعمل.. مع استمرار تقاضي رواتبهم من الجهة المتعاقدين لصالحها". هذا البند أوقع الأطباء في فجوة مستحيلة: وزارة الصحة تستفيد من جهدهم وترفض الدفع بحجة نص القرار، ووزارة الدفاع المطالبة بالدفع تم حلها ولم يعد لها موازنة مالية.


2. أوامر المباشرة: اعتراف بالأمر الواقع بلا عقود:

رغم عدم توقيع أي عقود قانونية مع وزارة الصحة، صدرت الأوامر الإدارية التي تثبت إجبار الأطباء على العمل. وتظهر قوائم الفرز الرسمية تكليف الأطباء بالعمل في مشافٍ رئيسية (مثل مشفى دمشق، والهيئة العامة لمشفى العيون الجراحي، والمشفى التخصصي للأمراض الجلدية) في اختصاصات حساسة كالعصبية، القلبية، والعناية المشددة. هذه الوثيقة تدين وزارة الصحة بوضوح، فهي تثبت إشرافها على توظيف أطباء في غرف عملياتها دون أن تعترف بهم في ملاكها الوظيفي أو المالي.


3. البورد السوري يغسل يديه من الكارثة:

مع تفاقم الوضع، لجأ الأطباء إلى الهيئة السورية للاختصاصات الطبية لإنقاذهم. لكن الهيئة، وبدلاً من تعليق التدريب لحين تسوية حقوق أطبائها، أصدرت كتاباً رسمياً (رقم 1788) موجه لوزير الصحة، تتنصل فيه من أي مسؤولية. استندت الهيئة إلى القرار التنظيمي رقم /5/ لعام 2018، لتعلن صراحة أن مسؤوليتها تقتصر على "أمور التدريب"، مؤكدة أنه "لا علاقة للهيئة بالأمور المالية والعقدية". هذا التنصل حوّل "شهادة البورد" إلى أداة ضغط تجبر الطبيب على الاستمرار بالعمل المجاني كي لا يخسر سنوات اختصاصه.


الحصن المنهار: أمام هذا التجاهل، وجه الأطباء كتاباً رسمياً ومفصلاً إلى نقابة الأطباء المركزية، وصفوها فيه بـ "الحصن الحامي لحقوق الأطباء". تضمنت الوثيقة مطالب واضحة بإنقاذ أكثر من 500 طبيب مقيم (تجاوز عددهم 700 لاحقاً) يعملون دون أجر في ظروف قاهرة، مطالبين بتنظيم وضعهم المالي والإداري وتسهيل استخراج تراخيصهم الموقوفة. إلا أن هذا الكتاب لم يُثمر سوى عن "وعود" شفهية.

ويعمل هؤلاء الأطباء حالياً كـ "مكلفين" في مشافي وزارة الصحة، ويخضعون لنظام المناوبات والعقوبات الإدارية الصارم، إلا أن الوزارة لم تُبرم معهم أي عقود توظيفية.

الفراغ القانوني.. ممارسة الطب دون حماية

لم تقتصر التداعيات على الجانب المالي والمتمثل في انقطاع الرواتب والمستحقات والمنح منذ أواخر عام 2024، بل امتدت لتخلق فراغاً قانونياً غير مسبوق.


ويعمل هؤلاء الأطباء حالياً كـ "مكلفين" في مشافي وزارة الصحة، ويخضعون لنظام المناوبات والعقوبات الإدارية الصارم، إلا أن الوزارة لم تُبرم معهم أي عقود توظيفية.


ويعني غياب العقد المباشر انعدام الحماية القانونية للطبيب، ففي حال حدوث "اختلاط طبي" أو خطأ مهني، لا تعترف الوزارة به ضمن ملاكها الوظيفي، ما يجعله عرضة للمساءلة الجنائية الفردية أمام القضاء.


إضافة إلى ذلك، لا تزال التراخيص الأصلية للأطباء محتجزة لدى إدارة الخدمات الطبية المنحلة، مما يمنعهم من تصديق أوراقهم في وزارة الخارجية، ويقيد حريتهم في السفر أو ممارسة المهنة في أي قطاع آخر، ليجدوا أنفسهم أسرى لهذا الفراغ.

يقول أحدهم: "نحن نقف كدروع بشرية في الإسعاف لإنقاذ حياة الناس، بينما تعجز الدولة عن دفع ثمن المواصلات التي تقلنا إلى المشفى.

لغة الأرقام: الانهيار المعيشي وخطر الهجرة

للوقوف على الانعكاسات الفعلية لهذه الأزمة بعيداً عن السرديات الرسمية، أجرى "هاشتاغ" استبياناً استقصائياً شمل 242 طبيباً وطبيبة من المعنيين بالقضية، حيث عكست البيانات المستخلصة واقعاً يهدد بانهيار وشيك للمنظومة الصحية:


- استنزاف وظيفي مفرط: أظهرت نتائج الاستبيان أن نسبة ساحقة من الأطباء يعملون لعدد ساعات يتجاوز الحد الأقصى المعمول به عالمياً (بين 60 إلى 80 ساعة أسبوعياً، وبعضهم يتجاوز ذلك)، لتغطية العجز في مشافي وزارة الصحة، وكل ذلك دون أي مقابل مادي.


- انهيار اقتصادي: في ظل انقطاع الأجور لـ 15 شهراً، أكدت الغالبية العظمى من المشاركين اعتمادهم الكلي على الدعم المالي من عائلاتهم أو الغرق في الديون لتغطية نفقات المعيشة وأجور النقل للوصول إلى المشافي، في حين اضطرت شريحة واسعة للعمل في مهن أخرى خارج أوقات مناوباتهم لتأمين أبسط متطلبات الحياة.


- رعب قانوني: عبّرت نسبة شبه مطلقة من الأطباء عن مخاوفها العميقة من العمل دون غطاء تعاقدي، مؤكدين إدراكهم التام بأنهم سيتحملون المسؤولية الجنائية الكاملة في حال وقوع أي خطأ طبي، وهو ما يضعهم تحت ضغط نفسي هائل ينعكس على أدائهم في غرف الإنعاش.


- الهجرة كحل حتمي: في مؤشر ينذر بتفريغ المشافي الحكومية من كفاءاتها، أقر القسم الأكبر من الأطباء بأن خطتهم المباشرة، بمجرد الإفراج عن أوراقهم وتراخيصهم الأصلية، هي الهجرة خارج البلاد، هرباً من منظومة إدارية ترفض الاعتراف بهم.


وفي الإجابات المفتوحة، لخص الأطباء مأساتهم بعبارات صادمة؛ إذ يقول أحدهم: "نحن نقف كدروع بشرية في الإسعاف لإنقاذ حياة الناس، بينما تعجز الدولة عن دفع ثمن المواصلات التي تقلنا إلى المشفى. نحن أطباء أشباح، لا يتم تذكرنا إلا إذا وقع خطأ لرمينا في السجن". ويضيف آخر: "شهادة البورد أصبحت أداة لابتزازنا.. إما أن نعمل بالسخرة، أو نخسر سنوات من أعمارنا العلمية".

اكتفى برد مقتضب متجنباً الجوهر القانوني للأزمة قائلاً: "الموضوع قيد المتابعة".

مواجهة المعنيين.. وعود وتهرب وتنصل

التزاماً بحق الرد، ومواجهةً للمسؤولين بالوثائق المرفقة، تواصلنا مع الجهات الثلاث الرئيسية المعنية بملف الأطباء:


- وزارة الصحة: بصفتها الجهة المستفيدة حالياً من عمل الأطباء، طرحنا على المكتب الصحفي أسئلة حول المسوغ القانوني لتشغيل كوادر طبية في قطاعات حساسة دون عقود. وتجنب المكتب الصحفي إيصالنا بأي من أصحاب القرار، واكتفى برد مقتضب متجنباً الجوهر القانوني للأزمة قائلاً: "الموضوع قيد المتابعة".


- الهيئة السورية للاختصاصات الطبية (البورد): الهيئة التي سبق وأن غسلت يديها بكتاب رسمي متذرعة بأن دورها "أكاديمي فقط ولا علاقة لها بالأمور المالية والعقدية"، وضعناها أمام تناقضاتها، إذ كيف تستمر في اعتماد مشافٍ ترفض توفير بيئة قانونية آمنة لمتدربيها؟ اللافت أن مدير البورد، د. محمد إياد بعث، رفض الإدلاء بأي تعليق، مشترطاً أن يكون رده "مقترناً بموافقة وزارة الصحة"، حيث ينسف هذا الرد ادعاء الهيئة باستقلاليتها الأكاديمية، ويثبت تقاطعها العضوي مع قرارات الوزارة.


- نقابة الأطباء: توجهنا إلى نقيب الأطباء، د. مالك العطوي، متسائلين عن سبب عدم اتخاذ النقابة، بصفتها "الحصن الحامي" للمهنة، موقفاً حازماً بتعليق عمل الأطباء لحمايتهم من المساءلة الجنائية. واقتصر رد النقيب على إجابة مختصرة تعكس حالة الشلل المؤسسي: "تم التواصل مع وزارتي الدفاع والصحة. الموضوع حالياً عند وزارة الصحة، وأخذنا وعوداً بتسوية أوضاعهم".

الأمن الصحي على المحك

لم تعد قضية الأطباء المفرزين مجرد أزمة مالية أو خطأ بيروقراطي، بل هي إدانة صريحة لنظام إداري يستنزف خيرة عقوله. إجبار 700 طبيب شاب على الاختيار بين العمل المجاني تحت التهديد القانوني، أو خسارة سنوات الاختصاص، هو أقصر طريق لتدمير المنظومة الصحية في سوريا.


ما لم تتدخل الجهات العليا، وتحديداً الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، لإنهاء حالة "التريث" وإصدار قرار استثنائي ينقل ملاكات هؤلاء الأطباء إلى وزارة الصحة بعقود رسمية تضمن حقوقهم المالية والقانونية بأثر رجعي، فإن هذه المشافي ستستيقظ قريباً على أروقة فارغة، بعد أن يُدفع هؤلاء الأطباء قسراً للبحث عن بلاد تحترم كرامتهم المهنية.

التعليقات

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026