هاشتاغ - خاص
يشهد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران تصعيداً سياسياً وعسكرياً متسارعاً منذ منتصف 2025. فمع الاحتجاجات الداخلية والضغوط الاقتصادية والخارجية، حشدت واشنطن أساطيلها وقواتها الجوية نحو منطقة الخليج والشرق الأوسط، في ما يشبه التحشيدات العسكرية التي سبقت الحرب على العراق عام 2003. وسط هذا التصعيد برزت بوادر دبلوماسية تهدف إلى التهدئة وبلورة تسوية سياسية قد تمنع انجرار المنطقة إلى حرب مدمرة أو صراع عسكري مفتوح بكلفة بشرية واقتصادية هائلة.
الاحتجاجات الشعبية تتحول إلى سياسية
لم تمر سوى بضعة أشهر على الضربة العسكرية الأمريكية ضد المنشآت النووية الإيرانية في 22 يونيو 2025، ضمن الصراع الإسرائيلي-الإيراني، حتى اندلعت احتجاجات شعبية على خلفية الأوضاع الاقتصادية المتدهورة. ساهمت العقوبات الغربية، وتكاليف انخراط إيران في دعم الحوثيين في اليمن، وحزب الله في لبنان، وحماس في غزة، إضافة إلى مشاركتها في الحرب السورية مدة 14 عاماً، في تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد وزيادة الضغط على النظام، ودفع الإيرانيين للنزول إلى الشوارع للاحتجاج على الأوضاع المعيشية.
بدأت الاحتجاجات بمطالب اقتصادية محدودة، لكنها سرعان ما اكتسبت طابعاً سياسياً، خصوصاً بالدعم الأمريكي المبكر؛ إذ شجع الرئيس دونالد ترامب المتظاهرين على الاستمرار، قائلاً إن "الدعم قادم". وبعد أكثر من شهر من اندلاع الاحتجاجات في 28 ديسمبر 2025، والتي أودت بحياة أكثر من 6000 شخص وفق شبكات حقوق الإنسان، خفت حدتها جزئياً بفعل القمع، وتراجعت حدة الخطاب الأمريكي مع بدء المفاوضات السياسية غير مباشرة مع إيران في العاصمة العمانية مسقط.
مفاوضات مسقط: بداية الحل أم مقدمة للمواجهة؟
في ظل هذه التحشيدات، عُقدت الجولة الأولى من المفاوضات يوم الجمعة الماضية، وجمعت مبعوثي الرئيس ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وتركزت على البرنامج النووي الإيراني، بحسب طهران. وصف الجانبان الأجواء بأنها إيجابية مع الاتفاق على مواصلة الحوار لاحقاً. وأكد عباس عراقجي أن المحادثات "انحصرت فقط في الملف النووي" ودعا واشنطن إلى "وقف التهديدات" لضمان استمرارية المباحثات، بينما وصف الرئيس ترامب اللقاء بأنه "محادثات جيدة جداً بشأن إيران"، وأعلن إجراء جولة جديدة مقررة مطلع الأسبوع المقبل.
من جانبه، عد وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي المفاوضات "جادّة ومفيدة لتوضيح وجهات النظر بين الجانبين"، مع التركيز على تهيئة الظروف لاستئناف المفاوضات الدبلوماسية والفنية.
إسرائيل تراقب بحذر
في الوقت نفسه، تتابع إسرائيل المفاوضات بقلق؛ إذ أفادت وسائل إعلام إسرائيلية نقلاً عن مصادر مطلعة بأن الجانبين "يتمسكان بمواقفهما الأولية، مع عدم استعداد إيران لإنهاء تخصيب اليورانيوم". وذكرت قناة كان الإسرائيلية أن ممثلي طهران وواشنطن تحدثوا "وجهاً لوجه"، خلافاً للإعلان الرسمي عن كون المفاوضات غير مباشرة. وأوضح المحلل العسكري الإسرائيلي باراك رافيد أن إيران سترى رد الولايات المتحدة عن قرب في حال فشل المفاوضات، في إشارة إلى مناورات عسكرية محتملة في الخليج. وترى تل أبيب أن أي اتفاق يقتصر على الملف النووي لن يحل مشكلة الصواريخ ودعم إيران وكلاءها، وربما يعزز قدراتها إذا تم تخفيف العقوبات من دون رقابة فعالة.
الجهود الإقليمية لنزع فتيل الأزمة
اللقاء في مسقط جاء، بحسب مصادر دبلوماسية غربية، نتيجة جهود إقليمية مكثفة بذلتها تركيا وقطر ومصر، بهدف تفادي مواجهة عسكرية واسعة في المنطقة قد تخرج عن السيطرة وتؤدي إلى نتائج كارثية.
فالحرب في منطقة الخليج، إن حدثت وتوسعت، سوف تؤدي إلى قطع إمدادات النفط عن عدد من دول العالم وتؤثر في حركة النقل البحري والجوي في منطقة تعد من أهم عقد النقل البحري والجوي بين أوروبا وآسيا، الأمر الذي سيكون له تداعيات مدمرة على الاقتصاد العالمي
.
وعلى الرغم من الأجواء الإيجابية عقب جولة المفاوضات الأولى، لا يزال الاشتباك الإيراني-الأمريكي-الإسرائيلي مصدر قلق إقليمي، إذ لا تزال الشكوك المتبادلة قائمة على إمكانية التوصل إلى اتفاق لوقف تخصيب اليورانيوم، وضمانات تخفيف العقوبات، وعدم اللجوء إلى الخيار العسكري.
التحشيد العسكري والخيارات المفتوحة
يواصل الرئيس ترامب استخدام لغة مزدوجة، إذ يكرر مطالبه بوقف تخصيب اليورانيوم ويشير إيجابياً للمفاوضات، لكنه في الوقت نفسه يلوّح بالخيار العسكري. ووفق التسريبات الإعلامية الغربية، يدرك ترامب أن أي مواجهة عسكرية مع إيران ستكون مكلفة للغاية؛ لذلك من المتوقع أن يلجأ إلى الضربات الجوية الخاطفة لتقليل التورط بعيد الأمد، كما حدث في الضربة على المفاعلات النووية الإيرانية سابقاً أو إلى عملية تشبه اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بداية 2026.
ومع ذلك، يرى المحللون أن أي ضربة عسكرية أمريكية قد تؤدي إلى حرب شاملة تشمل إسرائيل ودول الخليج المتحالفة مع واشنطن، خصوصاً أن إيران تعد أي مواجهة عسكرية تهديداً وجودياً لها، ومن المتوقع أن تستخدم كل إمكاناتها العسكرية وتحرك وكلاءها في اليمن والعراق ولبنان إذا لزم الأمر.
اليوم، وعلى الرغم من الأجواء الإيجابية في مسقط، لا يزال من غير الواضح إن كانت الوساطة ستنجح في نزع فتيل الأزمة أم ستؤجل المواجهة إلى وقت لاحق. وستبقى قدرة الأطراف على الموازنة الدقيقة بين الضغوط العسكرية والدبلوماسية، العامل الحاسم في تحديد مسار الاشتباك الأمريكي-الإيراني في الأشهر المقبلة.


