هاشتاغ - نورا قاسم
كشف عضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية حسن جبران، في تصريح خاص لـ "هاشتاغ"، أن الجولات الميدانية التي أجرتها الهيئة في عدد من المحافظات السورية، والاستماع إلى ذوي الضحايا واحتياجاتهم وتطلعاتهم، أظهرت تبايناً كبيراً في توقعات السوريين من مسار العدالة الانتقالية، تراوح بين سقوف مرتفعة جداً، وأخرى أكثر واقعية تكتفي بجبر الضرر.
وأوضح جبران أن بعض الضحايا ينظرون إلى العدالة الانتقالية بوصفها "عصا سحرية" قادرة على حل مجمل المشكلات المتراكمة التي خلفتها سنوات الصراع، في حين عبّر آخرون عن تطلعات أكثر تحفظاً، تركز على استعادة الحقوق، أو التعويض، أو طيّ صفحة الماضي بأقل قدر ممكن من الخسائر النفسية والاجتماعية.
وأشار إلى أن عمق المعاناة التي عاشها كثير من الضحايا انعكس في طبيعة مطالبهم، إذ طالب بعضهم بتحقيق أقصى درجات المحاسبة والمساءلة، بدافع الألم والرغبة في الإنصاف، بينما فضّل آخرون مسار جبر الضرر والمصالحة وتجاوز الماضي، ما عكس تنوعاً واضحاً في الرؤى والتوقعات حيال مفهوم العدالة وحدودها.
وجاءت تصريحات جبران خلال ورشة عمل أُقيمت في جامعة دمشق، حيث بيّن أن الهيئة تعمل حالياً على ستة مسارات متوازية، وأن هذه الورشات تهدف إلى بلورة رؤية شاملة لبناء السلام. وأكد أن المخرج النهائي لهذه اللقاءات يتمثل في صياغة استراتيجية متكاملة للسلام، تتبعها لاحقاً إجراءات تنفيذية ومشاريع وبرامج عملية لتحقيق هذا الهدف.
جبر الضرر وخطوات التنفيذ
وفيما يتعلق بآليات جبر الضرر، شدد جبران على أن أي مسار جدي للعدالة الانتقالية يتطلب تخطيطاً مسبقاً، مؤكداً أن الهيئة تعمل على إعداد آلية تنفيذية واضحة لجبر الضرر. ولفت إلى أنه من المتوقع البدء بتطبيق هذه الآلية خلال فترة لا تتجاوز شهراً واحداً، وذلك عبر المكاتب الثمانية التابعة للهيئة في المحافظات المعنية.
وأضاف أن حداثة عهد الهيئة لا تعني غياب التقدم، مشيراً إلى أنها قطعت خطوات مهمة خلال فترة زمنية قصيرة، ومقارناً التجربة السورية بتجارب دولية، مثل رواندا، التي احتاجت إلى نحو عشر سنوات قبل أن تدخل مرحلة الإنتاج الفعلي لمسار العدالة الانتقالية.
بين التحديات والفرص
من جانبه، رأى الدكتور كريم أبو حلاوة، الأستاذ في قسم علم الاجتماع بجامعة دمشق، في حديث لـ "هاشتاغ"، أن مسار العدالة الانتقالية في سوريا يواجه تحديات وفرصاً في آن واحد. وبيّن أن هذه التحديات تتوزع بين أبعاد اجتماعية ومعيشية، وأخرى تتصل بحرية التعبير والتعليم وبنية المؤسسات، إلى جانب آثار الحرب الممتدة على النسيج المجتمعي.
وأوضح أبو حلاوة أن التجارب الدولية تُظهر أن جميع الدول التي خرجت من نزاعات وحروب داخلية اضطرت لاحقاً إلى إنشاء هيئات للعدالة الانتقالية، وكان هدفها الأساسي المصارحة، باعتبار أن الإقصاء والتهميش لا يؤديان إلى حلول مستدامة، وأن إنصاف المظلومين يجب أن يتم بمعزل عن الانتماءات والهويات، مع إعادة الحقوق أو تعويض المتضررين.
نجاح نسبي ومصالحة مطلوبة
وحول فرص نجاح الهيئة، اعتبر أبو حلاوة أن النجاح في هذا النوع من المسارات يبقى نسبياً، مستشهداً بتجربة جنوب إفريقيا، التي استطاعت الانتقال من نظام قائم على التمييز العنصري إلى دولة اعترفت بمظلومية فئات واسعة من المجتمع، وعملت على إعادة الاعتبار لها، عبر مسار المصالحة المجتمعية والاعتراف بالانتهاكات.
وشدد على أن التسويات وحدها لا تكفي، وأن فتح باب المصالحة بين السوريين بات ضرورة ملحة، في ظل واقع يؤكد أن الجميع في مركب واحد، إما أن ينجو معاً أو يغرق معاً، ما يستدعي تعزيز فرص السلام بوصفها خياراً وجودياً.
أدوات بناء السلام
وأكد أبو حلاوة أن أدوات الوصول إلى ثقافة السلام تبدأ برفع الظلم وإعادة الاعتبار لأصحاب الحقوق، يليها تفعيل القضاء لتحقيق العدالة القانونية والمجتمعية. وأضاف أن هذه الخطوات تشكل الأساس لبناء تصور متماسك لصياغة "استراتيجية السلام"، في ظل ما خلّفته سنوات الحرب من تزعزع عميق في الثقة بين السوريين.
وأشار إلى أن إعادة بناء هذه الثقة تتطلب أدواراً فاعلة للتعليم، والإعلام، والثقافة، والجامعات، باعتبارها منصات أساسية لترسيخ قيم العدالة والسلم الأهلي.
وفي ختام حديثه، شدد أبو حلاوة على أنه، ورغم قسوة الظروف والأثمان الباهظة التي دفعها السوريون، فإن القدرة على بناء دولة حديثة تحترم الجميع تبقى ممكنة، شريطة توفر التأهيل والإرادة السياسية والمجتمعية اللازمة لذلك.


