هاشتاغ - ترجمة
سلّط تقرير بحثي الضوء على الوضع غير المحسوم لجنود الجيش السوري السابق المنحل من أبناء الطائفة العلويّة ، مبيناً أنه لا يزال يُقوّض مساعي رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، أحمد الشرع، إلى بناء الثقة مع المجتمع العلوي.
وذكّر أنه في الأسابيع التي أعقبت سقوط بشار الأسد ، دعت الحكومة الجديدة جميع الجنود السابقين إلى تسليم بطاقات هويتهم العسكرية وأسلحتهم إلى مراكز تم افتتاحها في كل مدينة رئيسية في البلاد، وذلك ضمن عملية تُعرف باسم "التسوية". وبعد تسليم بطاقات هويتهم العسكرية، مُنح هؤلاء العسكريون "بطاقات تسوية"، وهي عبارة عن أوراق كبيرة تحتوي على نفس المعلومات الموجودة في بطاقات الهوية المدنية، ولكنها كانت إجراءً مؤقتاً فقط ريثما يتم إصدار بطاقات هوية جديدة.
بينما عاد معظم حاملي بطاقات التسوية السنّة إلى حياتهم الطبيعية لا يزال الجنود العلويون السابقون يعيشون في خوف وغموض
"بطاقة الموت"
ضمن هذا المسار، اعتقد العديد من الجنود السابقين خطأً أن هذا عفو رسمي من الدولة، بينما كان في الواقع مجرد خطوة أولى في مسار إداري وقضائي طويل. وبعد مرور عام، لم يتم تسليم أي بطاقات هوية مدنية تقريباً، مما ترك هؤلاء الرجال في وضع معلّق، غير متأكدين من وضعهم القانوني.
ولفت معهد "نيو لاينز" في تقريره، أمس، إلى أن هذا الإجراء، حمل تأثيراً أكبر على الطائفة العلوية نظراً لتمثيلها الكبير داخل المؤسسة العسكرية السابقة.
وكشف التقرير أنه بينما عاد معظم حاملي بطاقات التسوية السنّة إلى حياتهم الطبيعية، لا يزال الجنود العلويون السابقون يعيشون في خوف وغموض، وفقاً لعشرات النشطاء الذين تحدث معهم الباحثون خلال العام الماضي.
ويُطلق الكثيرون على هذه البطاقات اسم "بطاقات الموت"، بحسب سكان المناطق الساحلية الذين تحدثوا مع الباحثين، والذين يخشون من أن يُقبض عليهم أو يُقتلوا فوراً إذا ما أظهروها عند نقطة تفتيش.
وبحسب "نيو لاينز"، قد رسّخ هذا الخوف وجود هؤلاء الرجال في بلداتهم، وأصبح الكثير منهم عاجزين عن إيجاد عمل، ومقتنعين بأنه لا مستقبل لهم.
ساهم السلوك غير المهني والتحيّز الطائفي من جانب قوات الحكومة الجديدة في ترسيخ الخوف لدى العلويين
الخوف المُزعزع للاستقرار
أوضح التقرير أنه وخلال حكم الأسد، اعتمدت العديد من العائلات العلويّة الريفية على رواتب العسكريين، مبيناً أن معظمهم يعاني اليوم من البطالة، ويعجزون عن إيجاد عمل بسبب إهمال الصناعات المحلية لفترة طويلة.
وأوضح أن بعض الرجال يلجؤون إلى استخدام هويات إخوتهم للتنقل، لكن معظمهم يفضّل البقاء في قراهم لتجنب نقاط التفتيش، مما يحول دون حصولهم على عمل في المدن المجاورة ويزيد من حدة الأزمة الاقتصادية.
وقد ساهم السلوك غير المهني والتحيّز الطائفي من جانب قوات الأمن الوليدة التابعة للحكومة الجديدة، لا سيما في الأشهر الأولى التي أعقبت سقوط الأسد، في ترسيخ هذا الخوف.
ووفقاً لمقابلات أجراها الباحثون في "نيو لاينز"، تعرّض بعض الجنود السابقين لمضايقات طائفية وضرب مبرح عند نقاط التفتيش في الأشهر الأولى بعد سقوط الأسد لمجرد حيازتهم بطاقة التسوية.
وينقل المعهد البحثي عن آخرين قولهم إنهم اعتُقلوا بناءً على البطاقة وحدها، مشيراً إلى أنه ورغم إطلاق سراح معظمهم لاحقاً، أفاد البعض بتعرضهم لسوء المعاملة الجسدية على أيدي قوات الأمن أثناء احتجازهم.
في أوائل تشرين الثاني/نوفمبر، شهد الباحثون في "نيو لاينز" بأنفسهم مدى سهولة ترسيخ هذا الخوف عند نقطة تفتيش على طريق حمص-طرطوس السريع عندما كان عناصر الأمن العام يدققون في جميع الهويات - سلّم أحد ركاب الحافلة الصغيرة التي كان الباحثون يستقلونها ورقة مغلفة - بطاقة تسوية.
وبحسب التقرير، أُنزِل صاحب البطاقة من الحافلة إلى مبنى صغير على جانب الطريق. وفي النهاية، أُمرت الحافلة بالتحرك دون الراكب، مما أثار استياءً وغضباً مكتوماً بين بقية الركاب.
وأكد التقرير: هذه الحوادث شائعة، وإن كانت أقل تكراراً مما كانت عليه في الأشهر الأولى بعد سقوط الأسد. في كل مرة، يستحيل على الشهود معرفة ما إذا كان الرجل يُعتقل أم يُحتجز لمزيد من التحقيق ثم يُطلق سراحه.
وتابع: أما المحتجزون، فيختفون في دوامة السجون، حيث يستحيل غالباً على عائلاتهم معرفة مكانهم أو حالتهم.
وشدد "نيو لاينز" على أن هذا النقص في الشفافية، يؤجّج الشائعات التي تفيد بأنّ هذه الاعتقالات تستند إلى الانتماء الطائفي، لا إلى أدلة على جرائم سابقة. كما يُعيق هذا النقص مساءلة عناصر الأمن، ويُحدّ من قدرة الشعب على التحقق من احتجاز الأبرياء.
بطاقات التسوية كانت فخاً
من بادرة حسن نية إلى عبء
يؤكد التقرير أن للدولة أسباب وجيهة للتحقيق مع جنود سابقين من عهد الأسد واحتجازهم، مشيراً إلى أن عملية تسجيل التسويات كانت خطوة أولى نحو التحقيق مع العسكريين السابقين بتهم ارتكاب جرائم حرب، حيث يُمنح من يُبرأ من هذه التهم بطاقات هوية مدنية، بينما يُصبح المُدان مطلوباً للعدالة.
ولكن، لم يكن كل من قام بالتسويات مقاتلاً في صفوف النظام السابق، فقد حصل الفارين والمنشقون أيضاً على بطاقات تسويات، بينما لم يخضع لها من تقاعدوا قبل نهاية الحرب، أو من تمكنوا من استعادة بطاقات هويتهم المدنية من المراكز الإدارية عند انهيار النظام.
كشف طبيب عسكري سابق يعيش في طرطوس للباحثين: "كانت التسويات في البداية مبادرة حسنة النية، لكنها أصبحت عبئاً".
وأوضح الطبيب: "هناك أناس صالحون وآخرون سيئون قاموا بالتسويات، ويُعاملون جميعاً على حد سواء. نريد فقط أن نشعر بأننا مواطنون صالحون".
وشدد الطبيب على أن "بطاقات التسوية كانت فخاً".
ووفقاً للتقرير، نفى مسؤول أمني ساحلي آخر للباحثين في كانون الأول/ ديسمبر الفائت أن تكون قرارات توزيع بطاقات الهوية المدنية مرتبطة بمخاوف أمنية.
يذكر أن محافظ اللاذقية قد أعلن في 24 تشرين الأول/أكتوبر أن بإمكان الجنود الذين أجروا تسوية لأوضاعهم التسجيل للحصول على بطاقات هوية جديدة، إلا أن هذا الإجراء تأجل وسط تصاعد المخاوف الأمنية ومظاهرات العلويين في تشرين الثاني/نوفمبر ولم تبدأ عملية إعادة بطاقات الهوية بشكل محدود إلا في 10 ديسمبر/كانون الأول، حين استؤنفت.
ووفقاً للتقريرتُعد الجهود المبذولة مؤخراً لتوزيع بطاقات هوية مدنية في بعض مناطق البلاد خطوة نحو تهدئة مخاوف العلويين، لكن التوزيع لا يزال محدوداً وغير منظم.
ومما يزيد الأمر تعقيداً، أن بعض المسؤولين المحليين أخبروا الباحثين في كانون الأول/ديسمبر أن "البطاقات جاهزة، لكننا ننتظر من القيادة تسليمها لنا".
ويلفت التقرير إلى أنه حتى عندما تجهز بطاقات الهوية، يخشى كثير من الرجال الآن السفر إلى المدن الرئيسية لاستلامها.
وكما قال أحد الناشطين الإعلاميين العلويين في ريف جبلة للباحثين في تشرين الثاني/نوفمبر، فقد اقتنع كثير من العسكريين، بسبب معلومات مضللة على الإنترنت، بأنهم سيُعتقلون إذا ذهبوا إلى مركز الشرطة لاستلام بطاقاتهم.
غموض النظام القضائي يزيد من ترسيخ الاعتقاد بأن الحكومة تمارس الاعتقالات بدافع طائفي
غياب الشفافية يزيد انعدام الثقة
ضمن سياق هذا الخوف، كشف "نيو لاينز" أنه وبعد ثلاثة أشهر من حديث الباحثين، أُلقي القبض على الطبيب العسكري السابق في طرطوس في منزله، رغم أنه نادراً ما يمر عبر نقاط التفتيش.
وأشار التقرير إلى أن اعتقاله كان جزءاً من حملة أوسع تستهدف الأطباء الذين عملوا في مستشفى تشرين العسكري. ولم يُبلّغ أيّ من الذين تحدث إليهم الباحثون من مجتمعات الأطباء في شباط/فبراير بسبب اعتقالهم. وأصرّ معظم الأصدقاء والعائلات على براءتهم، مشيرين إلى أن هذا جزء من حملة قمع طائفية ضد الأطباء العلويين.
حول هذا الموضوع، صرّح العديد من المسؤولين الأمنيين الذين تحدث إليهم الباحثون في شباط/فبراير بأن الاعتقالات كانت جزءاً من حملة مُستهدفة ضد الأطباء، حيث توجد أدلة على تورطهم في تعذيب وقتل معتقلين، وفق زعمهم.
أوضح "نيو لاينز"، أن اعتقال الأطباء والارتباك الناجم عن غياب الشفافية الحكومية، يُبرز مدى تعقيد عمليات العدالة الانتقالية وبناء الثقة في آنٍ واحد.
وشدد على أن الروايات المتضاربة حول المساءلة ستستمر في تأجيج التوترات الطائفية، لا سيما عندما تُجرى هذه الاعتقالات دون شفافية أو توضيح لعموم الشعب، وفي ظل غموض النظام القضائي، وعدم وضوح من يشمله العفو.
وأكد "نيو لاينز": لا مفر من الخلافات حول من يجب محاسبته تحديداً، لكن غموض النظام القضائي وعدم وضوح إجراءات العفو لا يزيدان إلا من ترسيخ الاعتقاد بأن الحكومة تمارس الاعتقالات بدافع طائفي لا بدافع المساءلة.
وسلًط التقرير الضوء على أن تأخر الحكومة السورية في تسوية أوضاع العساكر السابقين، يزيد انخراط بعض هؤلاء الرجال في أنشطة إجرامية أو تمردية، ويفاقم المشاعر المعادية للحكومة في الساحل.
وقد أثار قادة المجتمع العلوي ومسؤولو الأمن مراراً، في محادثات مع الباحثين منذ الصيف الماضي، خطر انضمام حاملي بطاقات التسوية إلى الجماعات المسلحة أو الإجرامية.
وفي هذا السياق، أكد التقرير أن عدم حسم عملية التسوية، أدى إلى تأجيج الغضب وانعدام الثقة بين العلويين الذين لا يحملون بطاقات التسوية، والذين يتعاطفون مع ظروف الآخرين. والنتيجة المشتركة هي أن عملية التسوية غير المحسومة أصبحت الأساس الرئيسي لعدم ثقة العلويين في الحكومة الجديدة.
يجب تشجيع المنظمات غير الحكومية ومنظمات الإغاثة على دعم التنمية الاقتصادية في المناطق العلويّة الريفية
توصيات سياسية
في ختام التقرير، يوصي "نيو لاينز" الولايات المتحدة بدعم جهود دمشق لإعادة بطاقات الهوية المدنية، طالما أن سياسة واشنطن تجاه سوريا ترتكز على دعم الاستقرار.
كذلك، وبهدف تقليل الخوف المنتشر وبناء الثقة مع المجتمع العلوي، يوصي "نيوز لاينز" دمشق بما يلي:
· إصدار بطاقات هوية مدنية للجنود السابقين، ولو على دفعات بعد استكمال التحقيقات الأمنية، بدلاً من انتظار التحقيق مع جميع المتقدمين. يُسهم إصدار بطاقات الهوية المدنية في تخفيف مخاوف الجنود السابقين من المضايقات والاعتقال عند نقاط التفتيش، وفي إضفاء الطابع الرسمي على عملية التسوية التي بقيت غامضة وسرية لفترة طويلة.
· يجب وضع إجراءات واضحة بشأن معاملة الجنود السابقين عند نقاط التفتيش، وكيفية إجراء التحقيقات، ومدة احتجازهم، والأشخاص المستهدفين والمشتبه بهم المحتملين في هذه التحقيقات، وذلك لمنع الاعتقالات التعسفية وسوء المعاملة والمضايقات. وينبغي بعد ذلك إطلاع الرأي العام السوري على هذه الإجراءات لتعزيز الشفافية.
· كما يجب اتخاذ تدابير لمحاسبة أي عنصر أمني ينتهك هذه الإجراءات.
· ينبغي أيضاً تزويد أفراد أسر المحتجزين بأسماء وأماكن وجودهم، بالإضافة إلى قائمة بالتهم الموجهة إليهم. يجب توضيح شروط العفو بما يتجاوز مجرد "تلطخ أيديهم بالدماء"، والإعلان علناً عن الاعتقالات والتهم الموجهة إلى الجنود السابقين.
· تشجيع المنظمات غير الحكومية ومنظمات الإغاثة على دعم التنمية الاقتصادية في المناطق العلويّة الريفية لتخفيف التوترات الاجتماعية والأمنية التي تفاقمت نتيجة ارتفاع معدلات البطالة وخوف الجنود السابقين من مغادرة قراهم بحثاً عن عمل.


