هاشتاغ
بحث

المرأة في سوريا.. عام من القيود الاجتماعية والعنف القائم على النوع الاجتماعي

14/03/2026

المرأة-في-سوريا..-عام-من-القيود-الاجتماعية-والعنف-القائم-على-النوع-الاجتماعي

شارك المقال

A
A

هاشتاغ

 

شكّل سقوط نظام بشار الأسد في نهاية عام 2024 بارقة أمل للسوريين بأن مرحلة طويلة من الحرب والانتهاكات قد انتهت بلا رجعة. غير أن هذه الآمال لم تدم طويلاً، خصوصاً للمرأة السورية التي وجدت نفسها أمام تحولات اجتماعية وأمنية مقلقة، كان من أبرزها تصاعد الضغوط الاجتماعية على النساء، إلى جانب تسجيل انتهاكات خطيرة بحقهن.

 

التحولات الجديدة في الواقع السوري وضعت المرأة في مواجهة قيود اجتماعية متزايدة، وانفلات أمني أتاح المجال لظهور أشكال مختلفة من العنف القائم على النوع الاجتماعي، وهو ما وثقته تقارير حقوقية دولية، من بينها تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا.

القيود الاجتماعية وتنامي خطاب التنميط

مع بداية المرحلة الانتقالية، ظهرت في بعض المدن السورية دعوات متزايدة لفرض أنماط اجتماعية أكثر محافظة على النساء. فقد شهدت بعض الجامعات والأسواق حملات لتوزيع النقاب أو ما يسمى “اللباس الشرعي” والدعوة إلى ارتدائه، كما جرى تداول مقترحات لفصل النساء عن الرجال في وسائل النقل العامة. وقد بدأت بالفعل بعض المؤسسات الرسمية بتطبيق إجراءات فصل بين الجنسين في حافلات النقل التابعة لها.

 

كما سُجلت حالات تعرضت فيها نساء وفتيات لمضايقات أو انتهاكات بسبب عدم ارتداء الحجاب، إضافة إلى انتشار ملصقات دعوية في بعض الأحياء تدعو النساء إلى الالتزام باللباس الإسلامي. ولم تقتصر هذه النشاطات على مناطق ذات غالبية مسلمة، بل امتدت أيضاً إلى أحياء مسيحية في بعض المدن.

 

ورغم أن هذه الممارسات لم تصدر بقرارات مركزية رسمية، فإن غياب رد فعل واضح من السلطات للحد منها أسهم في ترسيخ مناخ اجتماعي يضيق على الحريات الفردية للنساء. هذا المناخ الاجتماعي خلق بيئة أكثر قابلية لتبرير العنف ضد النساء أو التساهل معه من قبل بعض الجماعات المتشددة أو الجهات غير المنضبطة لفرض تصوراتها الاجتماعية بالقوة أو الضغط المجتمعي.

من القيود الاجتماعية إلى الانتهاكات الأمنية

لم تقتصر هذه التحولات على فرض قيود اجتماعية متزايدة، بل ترافقت أيضاً مع تصاعد أشكال أكثر خطورة من العنف ضد النساء. ففي ظل هشاشة المؤسسات الأمنية وانتشار السلاح ووجود جماعات مسلحة متعددة، أصبحت بعض النساء، خصوصاً من الأقليات الدينية والإثنية، عرضة لانتهاكات خطيرة شملت الاختطاف والعنف الجنسي وسوء المعاملة.

 

وخلال عام 2025 سُجلت حوادث اختطاف واعتداءات في عدد من المحافظات، من بينها اللاذقية وطرطوس وحماة وحمص والسويداء. وقد وقعت بعض هذه الحوادث في سياق أعمال عنف أوسع شهدتها البلاد، بينما ارتبطت حوادث أخرى بنشاط جماعات مسلحة أو شبكات إجرامية استغلت حالة الاضطراب الأمني.

ما الذي وثقه تقرير لجنة التحقيق الدولية؟

وثّق تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا الصادر أمس الجمعة، تعرض نساء وفتيات في سوريا خلال عام 2025 لأشكال متعددة من العنف، أبرزها الاختطاف والعنف الجنسي وسوء المعاملة.

 

ووفق التقرير، جرى توثيق اختطاف 21 امرأة، بينهن أربع فتيات، في عدد من المحافظات السورية، منها دمشق واللاذقية وطرطوس وحماة وحمص وريف دمشق. وغالباً ما كانت عمليات الاختطاف تتم في وضح النهار ومن أماكن عامة مثل الشوارع والأسواق، ما يعكس ضعف القدرة على حماية المدنيين في بعض المناطق.

العنف الجنسي والانتهاكات أثناء الاحتجاز

كشف التقرير أن عدداً من النساء المختطفات تعرضن لأشكال مختلفة من العنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب والاغتصاب الجماعي والزواج القسري. كما وثقت اللجنة تعرض ثماني نساء على الأقل لاعتداءات جنسية، في حين عادت ثلاث ناجيات وهن حوامل نتيجة تلك الاعتداءات.

 

ولم تقتصر الانتهاكات على العنف الجنسي، بل شملت أيضاً الضرب والإهانات الطائفية والمعاملة المهينة أثناء الاحتجاز، خصوصاً بحق النساء المنتميات إلى الأقليات. ويشير ذلك إلى أن بعض هذه الجرائم لم تكن ذات دوافع جنائية فقط، بل ارتبطت أيضاً بخطابات طائفية أو انتقامية.

 

الانتهاكات لم تقتصر على حالات الخطف الفردية، بل ظهرت أيضاً في سياق النزاعات المسلحة المحلية. فقد وثقت اللجنة حالات عنف جنسي ضد نساء درزيات خلال أعمال العنف التي شهدتها محافظة السويداء، شملت الاغتصاب والتعري القسري والتفتيش الجسدي المهين والتهديدات ذات الطابع الجنسي أثناء اقتحام المنازل.


كما جرى احتجاز نساء من المجتمعات الدرزية والبدوية كرهائن من قبل جماعات مسلحة، في مؤشر على استخدام النساء أحياناً كأداة للضغط أو الانتقام في النزاعات المحلية.

الجهات المتورطة في الانتهاكات

يشير التقرير إلى أن المسؤولية عن هذه الانتهاكات لا تقع على جهة واحدة، بل تشمل أطرافاً متعددة. ففي عدد من الحالات لم يتم تحديد هوية الجناة بدقة، ما يشير إلى تورط جماعات مسلحة مجهولة أو شبكات إجرامية.

 

كما وثقت اللجنة حالات تورط مقاتلين أجانب مندمجين في القوات الحكومية، إضافة إلى اتهامات بضلوع مقاتلين عشائريين وعناصر من قوات الأمن الداخلي في بعض الانتهاكات المرتبطة بأحداث العنف في السويداء.

استجابة السلطات

يشير التقرير إلى أن استجابة السلطات لبلاغات الاختطاف والعنف ضد النساء كانت محدودة في كثير من الحالات. فعلى الرغم من فتح بعض التحقيقات، لم تتم متابعة العديد منها بشكل فعال، كما أفادت بعض العائلات بأن مسؤولين أمنيين مارسوا ضغوطاً وتهديدات للضحايا لمنعهن من متابعة القضايا أو نشرها.


وفي واقعتين مقلقتين، وبعد أن تمكنت السلطات من تأمين إطلاق سراح الضحايا، جرى لاحقاً اعتقالهن والتحقيق معهن بتهم تتعلق بالآداب العامة، ما أثار انتقادات حقوقية واسعة.

آثار العنف على النساء والمجتمع

ترك هذا الواقع آثاراً عميقة على النساء والمجتمع السوري عموماً. فقد أدت تقارير الاختطاف والعنف الجنسي إلى انتشار الخوف بين النساء والفتيات، خصوصاً بين المنتميات إلى الأقليات.

 

وفي بعض الحالات توقفت فتيات عن متابعة تعليمهن خوفاً من التعرض للاختطاف أو الاعتداء، بينما غيرت أخريات أسلوب لباسهن لتجنب أن يُنظر إليهن على أنهن ينتمين إلى جماعات معينة. كما يفاقم العنف الجنسي من معاناة الضحايا بسبب الوصمة الاجتماعية التي قد تواجهها الناجيات داخل مجتمعاتهن.

تكشف الوقائع التي وثقها تقرير لجنة التحقيق الدولية أن العنف ضد النساء في سوريا لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للتحولات السياسية والأمنية التي تعيشها البلاد. فبين القيود الاجتماعية المتزايدة والانفلات الأمني وتعدد الجهات المسلحة، تجد النساء أنفسهن في موقع هش يهدد حقوقهن الأساسية.

 

ويبدو أن تحسين أوضاع النساء في سوريا لن يتحقق فقط من خلال التحقيق في الانتهاكات الفردية، بل يتطلب أيضاً بناء مؤسسات أمنية وقضائية فاعلة، وضمان احترام الحريات الفردية، ومواجهة الخطابات التي تبرر التمييز والعنف على أساس النوع الاجتماعي. ففي غياب هذه الإصلاحات، ستبقى النساء من أكثر الفئات عرضة للانتهاكات، ما يجعل حماية حقوق النساء أحد الاختبارات الأساسية لنجاح المرحلة الانتقالية في سوريا.

التعليقات

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026