هاشتاغ
بحث

اتفاق دمشق و"قسد".. دمج على الورق وصراع مؤجل في الميدان

18/03/2026

اتفاق-دمشق-و"قسد"..-دمج-على-الورق-وصراع-مؤجل-في-الميدان---

شارك المقال

A
A

هاشتاغ

 

بعد نحو شهر ونصف على توقيع اتفاق الاندماج بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية في 29 كانون الثاني 2026، بدأت ملامح أولية لتطبيقه تظهر على الأرض. وبينما تشير التطورات الأخيرة إلى تقدم تدريجي في تنفيذ بعض البنود، فإن طبيعة الملفات العالقة والتباين العميق في الرؤى السياسية بين الطرفين يجعلان المسار الحالي أقرب إلى إدارة التوتر وتجميد الصراع منه إلى تسوية سياسية نهائية تعالج جذور الأزمة في شمال شرق سوريا.

تعكس الإجراءات مرحلة اختبار متبادل للنوايا بين دمشق و"قسد" أكثر من كونها تطبيقاً كاملاً لتفاهم سياسي شامل

خطوات تنفيذية واختبار للنوايا

شهدت الأسابيع الماضية سلسلة إجراءات تعكس بدء تنفيذ التفاهمات بصورة تدريجية. ومن أبرزها تعيين القيادي في قوات سوريا الديمقراطية سيبان حمو معاوناً لوزير الدفاع عن المنطقة الشرقية، إضافة إلى تعيين القيادي في "قسد" نور الدين عيسى محافظاً للحسكة، في خطوة تهدف إلى دمج قادة الإدارة المحلية والعسكرية في البنية الرسمية للدولة.

 

كما أعلن الفريق الرئاسي المكلّف بمتابعة تنفيذ الاتفاق عن دمج نحو 4500 مقاتل من قوات سوريا الديمقراطية ضمن ألوية تتبع للفرقة 60 في الجيش السوري، في إطار عملية دمج عسكرية تدريجية.

 

وفي موازاة ذلك، شهدت محافظة الحسكة عملية إطلاق سراح متبادلة لنحو 200 معتقل بين الطرفين، إضافة إلى فتح طرق رئيسية واستلام الدولة عدداً من المؤسسات الحكومية والمنافذ الحدودية والمرافق الحيوية.

 

وعلى الصعيد الإنساني، بدأت عودة دفعات من المهجرين إلى مناطقهم، حيث عادت نحو 400 عائلة إلى منطقة عفرين بعد سنوات من النزوح، في خطوة تشير إلى إدراج ملف النازحين ضمن أولويات المرحلة الحالية.

 

ورغم أهمية هذه التطورات، فإنها تعكس في جوهرها مرحلة اختبار متبادل للنوايا بين دمشق و"قسد"، أكثر من كونها تطبيقاً كاملاً لتفاهم سياسي شامل.


دمشق: استعادة الدولة ودمج المؤسسات

في الخطاب الرسمي السوري، يتم تقديم هذه الخطوات على أنها مسار نحو إنهاء الانقسام الإداري والعسكري في شمال شرق البلاد وإعادة دمج المنطقة ضمن مؤسسات الدولة.

 

وفي هذا السياق قال المبعوث الرئاسي لمتابعة التنفيذ العميد زياد العايش إن الدولة السورية ملتزمة "بإغلاق ملف قسد والمعتقلين التابعين لها والمضي في عملية الدمج الوطني الشامل بما يعزز وحدة البلاد ويضمن استقرارها".

 

وتعكس هذه التصريحات رؤية دمشق القائمة على إعادة توحيد المؤسسات العسكرية والإدارية تحت سلطة الدولة المركزية بعد سنوات من الإدارة المنفصلة في المنطقة.

 

كما أشار المتحدث باسم الفريق الرئاسي أحمد الهلالي إلى أن عملية الدمج ستكون تدريجية، موضحاً أن المنطقة "عاشت أربعة عشر عاماً من الإدارة المنفصلة، ما يتطلب وقتاً لتقبّل السكان لعودة مؤسسات الدولة".

قسد: التزام مشروط وحسابات سياسية

في المقابل، تؤكد قيادة قوات سوريا الديمقراطية التزامها بالمضي في تنفيذ التفاهمات، لكنها تربط ذلك بتحقيق تقدم في ملفات سياسية وإنسانية أساسية.

 

وقال القائد العام لقسد مظلوم عبدي مؤخراً إن قواته "قامت بكل ما طُلب منها في إطار تنفيذ الاتفاقية، والكرة الآن في ملعب دمشق للقيام بخطواتها"، في إشارة إلى انتظار خطوات إضافية من الحكومة السورية.

 

وشدد عبدي على ضرورة إحراز تقدم في ملفي الأسرى والمهجرين، مضيفاً: "كما دافعنا عن أنفسنا طيلة أربعة عشر عاماً سندافع عن أنفسنا تجاه كل الهجمات والتهديدات".

 

ويكشف هذا الخطاب عن مقاربة مزدوجة لدى قسد: فهي من جهة تبدي استعداداً للاندماج ضمن مؤسسات الدولة، لكنها في الوقت نفسه تحرص على الحفاظ على قدر من الاستقلال السياسي والإداري في مناطق نفوذها.

 

ويتضح ذلك في قول عبدي أيضاً إن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة بناء المنطقة، مؤكداً أن "شعبنا سيدير نفسه بنفسه في المرحلة الجديدة".

التباين بين دمشق والقوى الكردية يجعل التفاهمات الحالية ترتيباً مرحلياً لإدارة التوتر وليس حلاً سياسياً نهائياً

فجوة الرؤى حول شكل الدولة

تعكس هذه التصريحات المتباينة اختلافاً أعمق في الرؤى السياسية حول طبيعة الدولة السورية ومستقبل الحكم في شمال شرق البلاد.

 

فبينما تميل دمشق إلى إعادة بناء نموذج الدولة المركزية التي تحتكر السلطة السياسية والعسكرية، ترى القوى الكردية أن أي تسوية مستدامة يجب أن تتضمن صيغة من اللامركزية السياسية والإدارية تمنح الإدارات المحلية صلاحيات أوسع.

 

ويجعل هذا التباين كثيراً من المحللين ينظرون إلى التفاهمات الحالية بوصفها ترتيباً مرحلياً لإدارة التوتر وليس حلاً سياسياً نهائياً.

 

وفي هذا السياق يرى محللون أن ما يجري "ليس تسوية سياسية مستدامة بقدر ما هو ترتيب أمني مؤقت يهدف إلى احتواء الصراع المسلح"، نظراً لغياب إطار دستوري واضح ينظم العلاقة بين الطرفين، ما يجعل التفاهمات الحالية عرضة للتراجع مستقبلاً.


ويترجم هذا التباين في الرؤى إلى عدد من الملفات الحساسة التي ما تزال مفتوحة أمام الطرفين.

ملفات حساسة قد تحدد مصير المسار

لا تزال عدة ملفات رئيسية مفتوحة أمام الطرفين، أبرزها الملف العسكري المتعلق بتحديد موقع قوات سوريا الديمقراطية داخل بنية الجيش السوري. فحتى الآن لم يتضح ما إذا كانت هذه القوات ستتحول إلى جزء كامل من المؤسسة العسكرية أم ستبقى قوة شبه مستقلة ضمن ترتيبات أمنية خاصة.

 

كما يبقى الملف الاقتصادي حساساً، نظراً لوجود الجزء الأكبر من حقول النفط والغاز في شمال شرق سوريا، وهو ما يفرض تحديات تتعلق بآليات إدارة هذه الموارد وتوزيع عائداتها بين المركز والمناطق، ويمنحها ثقلاً اقتصادياً وسياسياً في أي ترتيبات مستقبلية لتقاسم السلطة والموارد.

 

أما الملف السياسي، فيرتبط بمستقبل الإدارة الذاتية ومكانتها ضمن النظام السياسي السوري، وهو ملف ما يزال غامضاً إلى حد كبير.

التوازنات الإقليمية والدولية

لا يمكن فهم مسار هذا التفاهم بمعزل عن التوازنات الإقليمية والدولية المحيطة به. فالدور الأميركي والأوروبي كان عاملاً مهماً في دفع الطرفين نحو التوصل إلى هذه الترتيبات، كما أن استمرارها يتطلب انخراطاً دولياً يضمن منع انهيارها.

 

وخلال لقاء جمع مظلوم عبدي بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، شددت واشنطن على ضرورة تنفيذ الاتفاق بما يضمن "الاحترام الكامل لحقوق جميع السوريين وسلامتهم".

 

كما أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استمرار دعم بلاده لجهود وقف إطلاق النار وتعزيز الاستقرار في سوريا.

 

في المقابل، تظل تركيا لاعباً محورياً في هذا الملف، إذ تنظر إلى قوات سوريا الديمقراطية باعتبارها امتداداً لحزب العمال الكردستاني، ما يجعل أي ترتيبات تمنحها موقعاً مستقراً داخل الدولة السورية مسألة ترتبط إلى حد كبير بحسابات أنقرة الأمنية والإقليمية.

إما أن يتحول هذا التفاهم إلى مدخل لإعادة دمج ضمن صيغة سياسية جديدة أو يبقى مجرد ترتيب مرحلي يجمّد الصراع

اختبار طويل لمستقبل التفاهم

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن التفاهم بين دمشق و"قسد" دخل مرحلة اختبار سياسي وأمني طويل الأمد.

 

فالسلطة السورية تختبر مدى استعداد هذه القوات للتخلي عن استقلالها العسكري والسياسي، بينما تختبر "قسد" بدورها ما إذا كانت دمشق مستعدة لقبول صيغة شراكة سياسية أوسع داخل الدولة.

 

وحتى الآن تبدو الخطوات المنجزة أقرب إلى إجراءات لبناء الثقة وإدارة التوتر منها إلى تسوية نهائية. لذلك سيبقى مستقبل هذا المسار مرتبطاً بقدرة الطرفين على تحويل التفاهمات الأمنية الحالية إلى إطار سياسي ودستوري واضح يحدد شكل العلاقة بين المركز والمناطق.

 

فإما أن يتحول هذا التفاهم إلى مدخل لإعادة دمج شمال شرق سوريا ضمن صيغة سياسية جديدة، أو يبقى مجرد ترتيب مرحلي يجمّد الصراع بانتظار تغير موازين القوى الإقليمية والدولية.

التعليقات

الصنف

سوريا

منشور حديثاً

الأكثر قراءة

تابعنا

مقالات ذات صلة

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026