هاشتاغ
بحث

داعش و“العودة الصامتة”: تكتيك الاستنزاف ضد الحكومة السورية

19/03/2026

داعش-و“العودة-الصامتة”:-تكتيك-الاستنزاف-ضد-الحكومة-السورية

شارك المقال

A
A

هاشتاغ

 

عودة تنظيم “داعش” في سوريا، لم تعد مرتبطة باستعادة السيطرة على الأرض كما في سنوات تمدده السابقة، بل باتت تعتمد على نمط مختلف يقوم على حرب استنزاف منخفضة الكلفة. فالهجمات المنفردة التي تصاعدت خلال الشهرين الماضيين، وأسفرت بحسب بيانات رسمية عن مقتل أكثر من 12 عنصراً من الجيش والأمن خلال ستة أسابيع، لا تعكس مجرد نشاط أمني عابر، بل تشير إلى تحوّل تكتيكي يهدف إلى إضعاف سلطة الدولة تدريجياً دون الدخول في مواجهة مباشرة.

 

العمليات الأخيرة امتدت من أوتستراد حلب–الباب إلى الرقة ودير الزور والميادين، ما يعكس قدرة التنظيم على العمل في مساحات جغرافية متباعدة. ويؤكد ذلك أن التنظيم لا يسعى الآن إلى السيطرة، بل إلى إثبات الحضور واستنزاف الخصم، خاصة بعد إعلانه الحكومة الجديدة “هدفاً مشروعاً” عقب تولي الرئيس الانتقالي أحمد الشرع السلطة وتحالفه مع الغرب.

الفراغ الأمني كعامل محفّز لا كسبب وحيد

صحيح أن الفراغ الأمني الناتج عن اتفاق 29 كانون الثاني 2026 بين الحكومة السورية و”قسد” برعاية واشنطن وباريس شكّل فرصة مهمة للتنظيم، خصوصاً مع انسحاب “قسد” من مناطق واسعة شمال شرق البلاد، إلا أنه ليس السبب الوحيد.

 

فهناك عوامل بنيوية أعمق، بحسب المتابعين، تتمثل في فشل السلطة الجديدة في دمج المكونات السورية في هيكلية السلطة واستبعادهم منها، وكذلك ضعف الاندماج الأمني في المناطق المستعادة حديثاً، وهشاشة البنية الاستخباراتية المحلية، إلى جانب تراجع الثقة بين السكان والسلطة الجديدة. هذه العوامل جعلت التنظيم قادراً على إعادة ترتيب صفوفه وتنفيذ هجمات ضد دوريات وحواجز أمنية، ما يعكس أن المشكلة لا تتعلق بغياب السيطرة فقط، بل بطبيعة السيطرة نفسها.

من “الدولة” إلى “الشبكة”: تحوّل في البنية التنظيمية

يعكس تصاعد الهجمات أيضاً تحولاً مهماً في بنية تنظيم “داعش” منذ إعلان هزيمته "كدولة إسلامية" في عام 2019، إذ لم يعد يعمل بشكل هرمي تقليدي، بل كشبكة لا مركزية تعتمد على خلايا مستقلة نسبياً. ويظهر ذلك في طبيعة العمليات المنفردة والمتفرقة، التي لا تحتاج إلى تنسيق مركزي واسع.

 

كما أن ظهور بيانات باسم “ثوار دير الزور” على وسائل التواصل الاجتماعي، وتهديدها المستمر للقوات الحكومية، يشير إلى استخدام واجهات مرنة أو مسميات بديلة تتيح للتنظيم العمل بمرونة أكبر، مع الحفاظ على تأثيره الإعلامي والنفسي. هذا النمط يعزز من صعوبة تعقبه، ويجعل من الهجمات المنفردة تعبيراً عن إعادة هيكلة ضمن واقع جديد.

معضلة السجناء الفارين: تهديد جديد

يمثل ملف السجناء أحد أخطر التحديات المرتبطة بعودة نشاط التنظيم. فقد أفادت تقارير إعلامية واستخباراتية بفرار المئات من سجناء داعش خلال مرحلة انتقال السيطرة، في وقت اضطرت فيه الولايات المتحدة إلى نقل نحو 7,500 عنصر من سجون كانت تحت حراسة “قسد” إلى العراق، في محاولة لمنع استغلالهم للفراغ الأمني.

 

ولا تكمن الخطورة هنا في عدد الفارين فقط، بل في نوعية هؤلاء العناصر، إذ إن كثيراً منهم يمتلك خبرة قتالية وتنظيمية متقدمة. ومع تزامن ذلك مع تقارير محلية عن وجود آلاف العناصر في منطقة السفيرة جنوب شرق حلب، فإن احتمالات إعادة تشكيل خلايا أكثر كفاءة تصبح مرتفعة، ما قد يرفع مستوى التهديد مستقبلاً.

الاستجابة الحكومية: بين ردة الفعل والتعامل الاستراتيجي

رغم إعلان السلطات السورية عن تنفيذ عمليات أمنية واسعة قبل أشهر أسفرت عن اعتقال قيادات كبيرة منها والي حوران والشام. وكذلك الحملات الأخيرة في البوكمال والرقة وحلب والتي أسفرت عن توقيف 12 شخصاً، وإحباط مخططات تضمنت سيارات مفخخة وعبوات ناسفة في دمشق والباغوز ودير الزور، إلاّ أن هذه الاستجابة تبدو أقرب إلى ردة الفعل منها إلى المعالجة الاستراتيجية.

 

ويأتي تصريح وزير الداخلية أنس خطاب تعليقاً على الهجمات ليعكس هذا النهج عندما قال بأن تنظيم “داعش” يحاول “يائساً، استغلال شبان مغرر بهم لاستهداف نجاحات الدولة”، مؤكداً استمرار ملاحقة فلول التنظيم. إلا أن هذه المقاربة، رغم أهميتها، تظل مركزة على النتائج أكثر من الأسباب، في ظل غياب معالجة كافية للعوامل البنيوية مثل البيئة المحلية والعمل الاستخباراتي العميق.

الدور الدولي: دعم محدود في بيئة معقدة

يسعى التنظيم إلى استغلال انسحاب القوات الأمريكية من قواعدها في التنف وشمال شرق سوريا، إلا أن واشنطن أكدت استمرار دعمها، حيث أعلنت القيادة المركزية الأمريكية خلال شهر شباط تنفيذ غارات جوية استهدفت مواقع التنظيم في البادية السورية، بما في ذلك مخازن أسلحة وبنية تحتية.

 

كما انضمت سوريا مؤخراً إلى التحالف الدولي ضد داعش، وشاركت لأول مرة في اجتماع الرياض، حيث وصف المبعوث الأمريكي توماس باراك هذه المشاركة بأنها “فصل جديد في الأمن الجماعي”. ومع ذلك، حذر مجلس الأمن الدولي من تنامي قدرة التنظيم على التكيف، مشيراً إلى استمراره في التجنيد واستغلال التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي ومصادر التمويل، ما يجعل المواجهة أكثر تعقيداً.

 

لكن الخبراء يحذرون من أن النهج الدولي الحالي لا يتوافق مع طبيعة الهجمات المنفردة التي ينفذها التنظيم والتي تتطلب دعمها استخباراتياً ووجوداً ميدانياً لتفكيك الشبكات الصغيرة قبل أن تتحول إلى حلقات أوسع وأخطر.

هل نحن أمام موجة تصعيد؟

لا توحي المؤشرات الحالية بعودة وشيكة لسيناريو التوسع الذي شهده عام 2014، لكنها تشير بوضوح إلى بداية مرحلة استنزاف طويلة. فالتنظيم يواصل تنفيذ هجمات متفرقة قادرة على التكيف مع الظروف، ما يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات، تتراوح بين احتواء النشاط ضمن نطاق محدود، أو استمراره بوتيرة منخفضة، أو تحوله إلى عمليات أكثر تعقيداً.

 

وفي ظل فرار السجناء، واستمرار وجود خلايا نشطة في مناطق متعددة، فإن خطر التصعيد النوعي، رغم كونه الأقل احتمالاً حالياً، يبقى قائماً، خاصة إذا نجح التنظيم في إعادة بناء قدراته تدريجياً.

 

كل ذلك يشير إلى أن ما يجري اليوم لا يمثل عودة تقليدية لتنظيم “داعش”، بل يعكس إعادة تموضع مخطط لتنظيم فقد السيطرة على الأرض لكنه لم يفقد القدرة على التأثير. فالهجمات المنفردة، المدعومة ببيئة أمنية هشة، ورفد بشري من السجناء الفارين، ودعم غير مباشر من الفوضى الإقليمية، تشكل نموذجاً جديداً للتهديد.

التعليقات

الصنف

سوريا

منشور حديثاً

الأكثر قراءة

تابعنا

مقالات ذات صلة

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026