هاشتاغ
تسعى إسرائيل إلى بناء معادلة ضغط مركبة تستهدف دمشق مباشرة، وذلك بالجمع بين الضربات العسكرية في جنوب سوريا والتصعيد الإعلامي عن صواريخ "حزب الله" في لبنان، وفق مصادر دبلوماسية عربية لـ "عربي بوست".
المصادر قالت إن هذه المعادلة تقوم على عنصرين متلازمين، هما رفع كلفة بقاء سوريا خارج المواجهة، باستهدافات محدودة لكنها متكررة، وتخويفها من أن البنية الصاروخية الموجودة في البقاع يمكن أن تتحول إلى تهديد محتمل لها في حال تغيرت معادلات الصراع.
وعدت المصادر الدبلوماسية العربية أن الحديث الإسرائيلي المتكرر عن مدى الصواريخ (250 إلى 300 كيلومتر) لم يكن موجهاً فقط إلى المجتمع الدولي أو الداخل اللبناني؛ بل كان جزءاً من رسالة غير مباشرة إلى سوريا.
هذه الرسالة هدفها -وفق المصادر- دفع سوريا إلى التفكير بخيارات استباقية، أو على الأقل إلى تشديد الضغط على حزب الله داخل مناطق نفوذها الحدودية.
في سياق متصل، مصادر لبنانية كشفت للموقع أن الأداء الميداني الإسرائيلي في جنوب لبنان أدى دوراً حاسماً في دفع تل أبيب إلى إعادة النظر في استراتيجيتها.
إذ أن تل أبيب لم تتمكن بعد أسابيع من العمليات من تثبيت سيطرة مستقرة على مناطق رئيسية في الخط الأمامي، وهذا يظهر صعوبة تحقيق حسم عسكري سريع في بيئة قتالية تعتمد على الاستنزاف والتكتيكات غير التقليدية.
بحسب المصادر فإن هذا الواقع دفع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى البحث عن نقاط ضغط خارج الجبهة المباشرة، يمكن بها إضعاف "حزب الله" من دون الانخراط في معركة طويلة ومكلفة داخل الجنوب.
وهنا برزت فكرة "الخيار السوري" وهي استخدام الجغرافيا السورية رافعة ضغط إضافية، سواء بدفع دمشق إلى تدخل مباشر في البقاع، أم بإبقائها بتأثير ضغط دائم يجبرها على اتخاذ إجراءات تحدّ من حركة الحزب وقدرته على استخدام الحدود.
منطقة البقاع شرق لبنان تحتل موقعاً مركزياً في التفكير الإسرائيلي، ليس فقط بسبب ما يُعتقد أنه وجود جزء أساسي من منظومة الصواريخ التابعة لـ"حزب الله" فيها؛ بل أيضاً لأنها تمثل نقطة اتصال جغرافية مع سوريا، وفق ما أوضحته المصادر، وهذا يجعل هذا الموقع هدفاً مثالياً لمحاولة نقل المواجهة من الجنوب إلى العمق، بخلق ضغط مزدوج من الداخل اللبناني ومن الجهة السورية في آن واحد.
وأشارت المصادر إلى أن بعض السيناريوهات التي تم تداولها في الأسابيع الماضية تضمنت احتمالات تحرك سوري محدود داخل مناطق معينة من البقاع، انطلاقاً من محاور القلمون، بعناوين أمنية تتعلق بضبط الحدود أو استهداف مخازن سلاح، لكن هذه الطروحات قوبلت برفض واضح من دمشق، ولم تتجاوز مرحلة النقاش.
في غضون ذلك، أكدت مصادر دبلوماسية سورية للموقع أن القيادة السورية أبلغت بوضوح كل الأطراف التي تواصلت معها أنها لا تنوي التدخل في لبنان، ولا ترى مصلحة لها في الدخول في مواجهة مع "حزب الله" في هذه المرحلة، مشيرة إلى أن هذا الموقف يستند إلى جملة من الاعتبارات، أبرزها الخشية من أن يؤدي أي تدخل إلى فتح جبهة غير قابلة للضبط عند الحدود، أو إلى استدراج سوريا إلى صراع يخدم أطرافاً أخرى، وخاصة الجانب الإسرائيلي.
رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع شدد في اتصالات عدة مع مسؤولين لبنانيين وعرب على أن سوريا لا تريد تكرار تجارب سابقة في لبنان، وأن أولويتها في المرحلة الحالية هي تثبيت الاستقرار الداخلي والانخراط في مسارات إعادة الإعمار والتكامل الاقتصادي، وإبعاد سوريا عن أتون الصراع الإقليمي الحاصل ولو بالحد الأدنى، وفق ما نقلته المصادر.
إلى ذلك، كشفت مصادر عسكرية سورية للموقع أن واشنطن دخلت على خط الضغط على دمشق، لكن بأدوات مختلفة، تركز على البعد الاستخباري.
الجانب الأمريكي وفق ما أوضحته المصادر يرى أن دمشق تمتلك معلومات دقيقة عن مواقع تخزين الصواريخ التابعة لـ "حزب الله" في البقاع، نتيجة الدور الذي أداه النظام السابق في إدارة خطوط الإمداد، وأن هذه المعلومات يمكن أن تشكل مدخلاً لتقويض جزء من القدرات العسكرية للحزب.
ضمن هذا السياق، طرحت أفكاراً تتراوح بين دفع سوريا إلى مشاركة هذه المعلومات بشكل غير مباشر، أو استخدام قنوات تنسيق أمنية محدودة.
لكن دمشق رفضت الانخراط في هذا المسار، عادّة أن ذلك سيضعها عملياً في موقع الطرف المنخرط في الحرب، وفق المصادر.
على الصعيد الميداني، أكدت مصادر سورية ولبنانية أن الجيش السوري عزز وجوده العسكري على طول الحدود مع لبنان في الأسابيع الماضية.
لكن تصريحات ظهرت مؤخراً كشفت أن هذه الخطوة لا ترتبط بأي نية للتدخل داخل الأراضي اللبنانية، موضحة أن الهدف الأساسي من هذه التعزيزات هو منع أي احتكاك غير محسوب، خاصة في ظل مخاوف من أن تدفع إسرائيل بمقاتلي "حزب الله" نحو المناطق الجردية بين البلدين، مثل القلمون ووادي ميرا، وهذا قد يؤدي إلى اشتباكات مباشرة مع القوات السورية، وفق المصادر.
هذا السيناريو تعده دمشق "الأخطر"؛ لأنه قد يفرض عليها مواجهة لم تختَرها، ويحوّل الحدود إلى ساحة استنزاف مفتوحة، بحسب المصادر.
دخلت عدد من الدول الإقليمية وفي مقدمتها تركيا وقطر والسعودية، إلى خط الاتصالات مع دمشق وواشنطن، في محاولة لمنع دفع سوريا إلى مواجهة مع "حزب الله"، وفق ما كشفته مصادر دبلوماسية.
وتوضح المصادر أن هذه الدول ترى أن توسيع الحرب باتجاه الحدود اللبنانية-السورية قد يؤدي إلى تداعيات إقليمية يصعب احتواؤها، وأن الحفاظ على موقف سوريا الرافض للتدخل يشكل عاملاً أساسياً في منع انفجار جبهة جديدة.
وأكدت المصادر أيضاً أن بريطانيا أدت دوراً مكملاً في هذا السياق، باتصالات مباشرة مع القيادتين اللبنانية والسورية، بهدف احتواء التصعيد ومنع انتقاله إلى مستوى أكثر خطورة.
في الداخل اللبناني، تتقاطع هذه التطورات مع ضغوط متزايدة على الدولة لتحمّل مسؤولية ملف سلاح "حزب الله" في ظل رسائل إسرائيلية واضحة بأن استمرار الوضع الحالي غير مقبول.
لكن مصادر حكومية لبنانية تشير إلى أن أي محاولة لدفع الدولة نحو مواجهة مباشرة مع الحزب تصطدم بتوازنات داخلية معقدة، وبمخاوف جدية من انفجار الوضع الأمني في حال الانتقال إلى هذا الخيار.
في الوقت نفسه، بدأت تظهر داخل بعض الأوساط السياسية مقاربات تدعو إلى إعادة النظر في التوازن الداخلي، في ضوء المتغيرات الإقليمية، وهذا يظهر تحولاً تدريجياً في النقاش في مستقبل السلاح ودور الدولة.
بالمحصلة، أجمعت المصادر على أن ما جرى في جنوب سوريا لا يمكن فصله عن مسار أوسع تسعى إسرائيل به إلى إعادة تشكيل ساحة المواجهة مع "حزب الله" بنقل جزء من الضغط إلى الجبهة الشرقية.
لكن دمشق لا تبدو مستعدة للانخراط في هذا المسار، وهي تفضل التمسك بخيار ضبط الحدود ومنع الاحتكاك، بدلاً من التورط في مواجهة قد تعيد خلط الأوراق في لبنان وسوريا معاً، وفق قول المصادر.
لكن المصادر أبقت احتمال الانزلاق قائماً، خصوصاً إذا استمرت محاولات دفع الأطراف إلى صراع لم تختَره، أو إذا تحولت الحدود إلى ساحة اشتباك مفروض بفعل التطورات الميدانية.


