هاشتاغ
بحث

أحد الشعانين الصامت في سوريا.. حين يتحوّل العيد إلى احتجاج

31/03/2026

أحد-الشعانين-الصامت-في-سوريا..-حين-يتحوّل-العيد-إلى-احتجاج

شارك المقال

A
A


هاشتاغ - خاص


حين تمرّ مناسبة دينية بحجم أحد الشعانين من دون مظاهرها المعتادة، يبدو الأمر أبعد من مجرد تغيير في الطقوس. في سوريا، حيث اعتادت الشوارع أن تمتلئ بالمواكب وأغصان الزيتون وأصوات التراتيل، جاء العيد هذا العام صامتاً على نحو لافت، وكأن الصمت نفسه أصبح لغة المرحلة.


لطالما شكّلت المناسبات الدينية مساحة تعبير عن تنوّع المجتمع السوري، حتى في سنوات القمع الطويلة التي حكمت سوريا على مدى عقود. أما اليوم، فإن انحسار هذا الحضور إلى داخل الكنائس فقط يعكس شعوراً عاماً بعدم الأمان ويصبح لغة احتجاج أيضاً، ليطرح تساؤلات جديدة: من نوع لماذا يصمت الناس في أعيادهم؟

من الطقوس إلى القلق.. مشهد مختلف في دمشق


في العاصمة، بدا المشهد مختلفاً عمّا عرفه السوريون. إجراءات أمنية مشددة، طرقات مغلقة، ومصلّون يدخلون الكنائس بهدوء. لا مواكب كشفية، ولا موسيقى، ولا احتفالات في الساحات.


داخل الكنائس، جلس الناس في مقاعد مزينة بأغصان الزيتون، وأشعلوا الشموع بصمت. في الخارج، غابت المظاهر التي كانت تميّز العيد، وكأن المدينة النابضة بالحب والحياة فقدت جزءاً من ذاكرتها الجماعية.

اعتداءات متكررة ومخاوف متصاعدة


هذا التحوّل لم يأتِ من فراغ. خلال الفترة الماضية، شهدت مناطق مختلفة حوادث عنف طالت المكوّن المسيحي، من دمشق إلى وادي النصارى في حمص، وصولاً إلى السقيلبية بريف حماه الغربي.


ورغم اختلاف الروايات حول ما جرى في بعض هذه الأحداث، إلا أن النتيجة واحدة: تراجع شعور المسيحيين بالأمان. ومع كل حادثة، تتعمّق مخاوف الأقليات بشكل عام، خاصة في ظل تذكّر تفجيرات سابقة واستهداف دور عبادة.

بين روايتين.. ماذا حدث في السقيلبية؟


حادثة السقيلبية شكّلت نموذجاً لهذا التعقيد. فبين من تحدث عن هجوم منظم استهدف المدنيين ومحالهم التجارية ومقاهيهم، وبين الرواية الرسمية التي وصفت ما جرى بشجار جماعي، زاد شعور الناس بالخوف. فعدم تسمية الأمور بمسمياتها عزز شكوك الأهالي بأن السلطة تريد التستر على الحقيقة لا أن تعالجها. هذا الأمر دفع أبناء السقيلبية لرفض الحديث مع الإعلام الرسمي واتهامه بالكذب.


هذا التباين في السرديات لا يعكس فقط فجوة في الثقة، بل يزيد من صعوبة بناء شعور عام بالاستقرار والحماية من قبل الدولة التي ينبغي أن تكون الحامي للجميع.

خطاب متشدد ومساحة تضيق


هذا المناخ لم يأت في بيئة طبيعية، بل برز في ظل خطاب ديني متشدد يثير القلق لدى كثيرين. فلم يعد الحديث عن الإقصاء أو التكفير حالات معزولة، بل أصبح جزءاً من سردية عامة مدعومة برجال دين ودعاة لا يتورعون عن الإفتاء بتكفير كل من يخالفهم.


ومع غياب مواقف رسمية واضحة وحازمة تجاه هذا الخطاب المتشدد، يبقى المجال مفتوحاً أمام مزيد من التوتر، ومزيد من الخوف لدى الأقليات والشعور بأن حضورها مهدد، ليس فقط أمنياً، بل اجتماعياً وثقافياً أيضاً.

قرارات تزيد الاحتقان


الخطاب الديني المتشدد ترافق مع قرارات إدارية زادت من هذا الشعور. فحين تفرض محافظة دمشق قيوداً على المشروبات الكحولية وتحظر بيعها خارج الأحياء المسيحية وتمنع الحانات من تقديمها، فهي تقسم الناس على أساس انتماءاتهم الدينية وترفع حواجز بين الأحياء المتناغمة عبر التاريخ، لتزيد من تشدد المتشددين وقلق الأقليات وغيرهم من الفئات التي لا ترضى لدمشق المتنوعة أن تحبس في صناديق أو تقسّم على أساس الدين أو العرق.


هذا القرار أثار احتجاجات شهدتها أحياء مسيحية شارك فيها سوريون من كل المكونات، قابلتها أصوات مضادة أكثر تشدداً، ما عمّق الانقسام بدل أن يخففه.

“التمسك بالأمل” رغم الألم


أمام هذه الظروف، قررت الكنائس حصر احتفالات الفصح بالصلاة داخلها. قرار يعكس الحذر، لكنه أيضاً يحمل رسالة. رسالة تضامن مع المتضررين واحتجاج صامت على تصرفات لم تعد فردية بحسب الكنائس.


ورغم ذلك دعا البطريرك يوسف العبسي في عظة أحد الشعانين إلى التمسك بالأمل رغم التعب والحزن. كلمات تختصر واقعاً معقداً: الخوف حاضر، لكن الرغبة في الاستمرار لم تختفِ.

من خوف إلى خوف


بالنسبة لكثير من السوريين، لم ينتهِ الخوف، بل تغيّر شكله. من خوف الحرب إلى خوف عدم الاستقرار، ومن قلق الماضي إلى غموض المستقبل. خوف على التنوع والخصوصية السورية التي شكلت عبر قرون مزيجاً متجانساً من التسامح والعيش المشترك.


هذا الشعور عبّر عنه كثيرون ببساطة: الناس تريد فقط أن تعيش بسلام، بعيداً عن التوترات والصراعات.

هل الخيار هو الصمت أم الرحيل؟ بالنسبة للأقليات، يبدو هذا السؤال أكثر إلحاحاً.

الصمت أم الرحيل؟.. سؤال يتجدّد


اليوم، يعود سؤال قديم بصيغة جديدة: هل الخيار هو الصمت أم الرحيل؟ بالنسبة للأقليات، يبدو هذا السؤال أكثر إلحاحاً. فقد علا صوت أحد المتظاهرين دفاعاً عن حظر بيع المشروبات الكحولية في دمشق بالقول.. "من لا يعجبه القرار فليرحل عن الشام".

التعليقات

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026