هاشتاغ
بحث

مركز أبحاث أوروبي: مستقبل سوريا يواجه غياب رؤية واضحة بعد عام على رحيل الأسد

05/03/2026

مركز-أبحاث-أوروبي:-مستقبل-سوريا-يواجه-غياب-رؤية-واضحة-بعد-عام-على-رحيل-الأسد

شارك المقال

A
A

هاشتاغ - ترجمة

 

شهدت سوريا بعد أكثر من عام على رحيل بشار الأسد تعمقاً في الانخراط الدولي، وتخفيفاً غير مسبوق للعقوبات. إلا أن البلاد تواجه الآن تهديدات جديدة مع اندلاع صراع مدمر في المنطقة عقب الضربات الأمريكية - الإسرائيلية على إيران، ولا يزال أمام سوريا طريق طويل قبل أن تنعم بحكم فعّال، ونمو اقتصادي، واستقرار دائم.

 

ووفقاً لـ مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، جوليان بارنز-دايسي، فإنه للوصول إلى ذلك، تحتاج دمشق إلى رؤية واضحة وموحدة، مشيراً إلى أنه منذ سقوط الأسد وتولي الحكومة الانتقالية السلطة قبل عام، التقى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية بانتظام بسوريين من مختلف أطياف البلاد الجغرافية والسياسية، لافتاً إلى أنهم "يُقرّون بالمكاسب الكبيرة التي حققتها البلاد، لكنهم يخشون ضياعها في ظل غياب رؤية واضحة للانتقال السياسي والتعافي الاقتصادي".

 

وشدد دايسي على أنه "مع اتساع الفجوة بين التقدم المُحرز على الساحة الدولية والواقع الاقتصادي المُريع على أرض الواقع، قد تتفاقم حالة الإحباط الشعبي".

لم يُقدّم أحمد الشرع توضيحات كافية بشأن الدستور الجديد وفصل السلطات في حين أنه يُضيّق الخناق على أي مساحة للسياسة الجديدة

البحث عن رؤية سياسية

تابع دايسي: "بحسب عدد من السوريين الذين تحدثنا إليهم، لا تزال خارطة طريق متماسكة للمرحلة الانتقالية السياسية في البلاد غائبة".

 

وبهذا الصدد، بيّن: "لم يُقدّم الرئيس أحمد الشرع توضيحات كافية بشأن الدستور الجديد، وفصل السلطات، والجداول الزمنية للانتخابات، والإصلاح المؤسسي، في حين أنه يُضيّق الخناق على أي مساحة للسياسة الجديدة".

 

وأضاف دايسي: "كما أن آليات العدالة الانتقالية غائبة إلى حد كبير، والتي بدونها سيظل تحقيق المصالحة والاستقرار الدائم أمراً صعباً".

 

ولفت: "كانت العمليات السياسية، كالحوار الوطني، خاضعة لسيطرة مُحكمة من قِبل القيادة، وينظر إليها كثير من السوريين على أنها حدث عابر يهدف إلى إرضاء الشركاء الأجانب بدلاً من ترسيخ اندماج سياسي حقيقي".

 

ونوّه جوليان بارنز-دايسي: "لم يكن من المتوقع أن يكون تطبيق الإصلاح السياسي لإرساء دعائم سوريا جديدة مستقرة أمراً سريعاً أو سهلاً، لكن بعض السوريين الذين تحدثنا إليهم قلقون بشأن غياب الإرادة السياسية لإضفاء الطابع المؤسسي على الحوكمة الصحيحة. فبدلاً من القطيعة مع الماضي، يرون إعادة تدوير للممارسات القديمة".

 

وحول هذا الموضوع، أشار إلى أن "صنع القرار يتسم بالطابع الشخصي، حيث تتركز السلطة في دائرة ضيقة تُعطي الأولوية للولاء على حساب الكفاءة. ولا تزال الهياكل المؤسسية غير واضحة، والأطر القانونية غامضة". 

 

كذلك، "تعمل السلطات الجديدة أيضاً على ترسيخ سلطتها في هيئات غير خاضعة للمساءلة، مثل صندوق الثروة السيادية الجديد الخاضع لسيطرة الرئيس، والإدارة السياسية الجديدة".

 

ورغم وجود حرية تعبير واسعة، تشعر العديد من منظمات المجتمع المدني - التي طورت قدرات كبيرة خلال الخمسة عشر عاماً الماضية من الصراع - بالتهميش وعدم القدرة على لعب دور فعّال في المرحلة الانتقالية في سوريا.


وأوضح: هناك مؤشرات على إمكانية تشكيل حكومة أكثر تمثيلاً قريباً. كما تُعدّ الخطوة الأخيرة بمنح الأكراد السوريين حقوق المواطنة الكاملة، التي حُرموا منها طويلاً، خطوة مهمة تُظهر التركيز الضروري على حقوق الأقليات. إلا أن هذه المسألة السياسية لا تزال تُشكّل تحدياً رئيسياً يُلقي بظلاله على المرحلة الانتقالية.

لا يزال المستثمرون يواجهون غموضاً تنظيمياً هائلاً ومخاطر أمنية تمنعهم من ممارسة الأعمال التجارية في سوريا

أزمة اقتصادية

بالشأن الاقتصادي، كشف دايسي: "تُظهر المحادثات مع المحللين السوريين قلقاً متزايداً إزاء بطء النمو الاقتصادي، مع العلم أن الحكومة ورثت دولة مُنهكة سيستغرق إعادة بنائها سنوات".

 

وحول مكاسب دمشق في الحصول على تخفيف كبير للعقوبات من أوروبا، والأهم من ذلك من الولايات المتحدة التي تتمتع إجراءاتها بنفوذ عالمي، أوضح أن هذه المكاسب على أرض الواقع يصعب رصدها: فقد نما الاقتصاد السوري بنسبة 1% فقط في عام 2025، ولا يزال أكثر من 90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر. ولا تزال ضغوط التضخم وتكاليف المعيشة مؤلمة.

 

ورغم التقدم المُحرز في تحسين إمدادات الكهرباء في بعض المناطق، إلا أن العديد من السوريين لا يستطيعون تحمل فواتير الكهرباء، في ظل رفع الدعم الحكومي للكهرباء والارتفاعات الأخيرة في الأسعار.

 

وأكد: "ثمة حاجة ماسة إلى زيادة فرص العمل لمواجهة الإغراء الاقتصادي الذي تُقدمه الميليشيات المُزعزعة للاستقرار أو شبكات المخدرات".

 

ولفت إلى أن الاحتجاجات ضد البطالة وضغوط تكاليف المعيشة في جميع أنحاء البلاد، تعد مؤشرات تحذيرية، مشدداً: "إذا لم تتحسن الأوضاع سريعاً، فقد يُتيح ذلك فرصة لجماعات مسلحة مثل تنظيم (داعش) وعناصر النظام السابق لتأجيج السخط الشعبي ضد الحكومة الجديدة."

 

وأكد: "يتفاقم هذا الاستياء بسبب عدم وجود استراتيجية وطنية واضحة تُراعي احتياجات المجتمعات المحلية".

 

وشدد: كما هو الحال مع الوضع السياسي في البلاد، تحتاج سوريا إلى استراتيجية أكثر وضوحاً وشمولية لإنعاشها الاقتصادي.

 

وتابع دايسي: "يرى بعض السوريين الذين تحدثنا إليهم أن نهج الحكومة مُهيمن عليه من أعلى إلى أسفل، ونيوليبرالي، ومنفصل عن مجتمع الأعمال التقليدي في البلاد، ويركز بشكل مفرط على وعود الاستثمارات الخليجية الضخمة".

 

ويحذّر: "بدون إصلاحات أوسع تهدف إلى تهيئة بيئة أكثر ملاءمة للأعمال، لن يُؤدي رفع العقوبات إلى توليد استثمارات تُلبّي الاحتياجات اليومية للسكان". 

 

ويشدد: "لا يزال المستثمرون يواجهون غموضاً تنظيمياً هائلاً، ومخاطر أمنية، وأنظمة مالية قديمة، وبنية تحتية غير موثوقة للطاقة تمنعهم من ممارسة الأعمال التجارية في سوريا".

الأقليات لا تزال تشعر بمخاوف عميقة بشأن وضعها في الدولة الجديدة ذات الأغلبية السنية وتواجه تهديدات أمنية مستمرة

المخاطر الجيوسياسية

بالرغم من انخفاض عدد الحوادث الأمنية، بما فيها هجمات "داعش"، خلال العام الماضي (إلا أن هروب بعض سجناء داعش مؤخراً يثير القلق)، بالإضافة إلى نجاح الحكومة في احتواء خطر حدوث انشقاقات داخلية من قبل عناصر متطرفة في قاعدتها - مع ذلك، يرى دايسي "لا تزال دمشق تواجه تحديات جسيمة: فالوضع الأمني ​​الداخلي في سوريا هش، وتقع البلاد في قلب منطقة مضطربة".

 

ويحذّر: "في الوقت الراهن، لم تؤثر الحرب الإقليمية التي أشعلتها الهجمات الأمريكية على إيران على سوريا، لكن هذا الوضع قد يتغير بسهولة نظراً لانخراط ثلاث من جيرانها المباشرين - إسرائيل ولبنان والعراق - في الصراع".

 

وبالعودة إلى أحداث العنف التي شهدتها البلاد في آذار/مارس الماضي، والتي راح ضحيتها أكثر من 1400 علوي، يرى دايسي أن العلاقات بين الطوائف تتحسن تدريجياً على أرض الواقع، محذراً من أن "الأقليات لا تزال تشعر بمخاوف عميقة بشأن وضعها في الدولة الجديدة ذات الأغلبية السنية، وتواجه تهديدات أمنية مستمرة".

 

ومن الجوانب الإيجابية بحسب دايسي، التحسن الملحوظ الذي شهدته أنظمة القيادة والسيطرة، مشيراً إلى تجلي ذلك في الحملة العسكرية الأخيرة التي شنتها الحكومة بحذر أكبر ضد قوات سوريا الديمقراطية "قسد" بقيادة الأكراد في شمال شرق سوريا، مقارنة بموجة العنف الجامحة التي اجتاحت الساحل في آذار/مارس 2025.

 

وحول اتفاق الاندماج مع "قسد"، يطرح تساؤل هام حول قدرة الحكومة على التوصل إلى تسوية مماثلة مع الطائفة الدرزية في جنوب سوريا، حيث قُتل المئات الصيف الماضي في اشتباكات بين القوات المحلية والحكومية.

 

وأشار إلى أن الحكومة تواجه هنا أيضاً تحدياً جيوسياسياً أكبر - فإسرائيل، التي احتلت مساحات شاسعة من الأراضي السورية الجديدة منذ سقوط الأسد، تدعم مظالم الدروز "بهدف واضح هو إبقاء البلاد ضعيفة ومُجزأة، ومواجهة النفوذ التركي المتنامي".

توصيات للدعم الأوروبي

في الختام، ينصح مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية الدول الأوروبية بضرورة مواصلة تقييم كيفية ومكان إحداث تغيير إيجابي في دعم الاستقرار الدائم، الذي يبقى مصلحة أوروبية جوهرية نظراً لمكانة سوريا في قلب الشرق الأوسط وتأثيرها المباشر على الهجرة والأمن الأوروبيين، مشدداً على المزيد من التنسيق رفيع المستوى مع الجهات الفاعلة الأخرى المشاركة في دعم المرحلة الانتقالية في سوريا، ولا سيما تركيا والمملكة العربية السعودية.

 

ويشدد: "يتعين على الأوروبيين مواصلة حثّ حكومة دمشق على إدراك أهمية تنفيذ انتقال شامل وفعّال. ويشمل ذلك دعم الحكومة في سعيها نحو ترسيخ الدولة بشكل حقيقي، بما في ذلك توضيح دور البرلمان، وإرساء الشفافية القانونية واستقلال القضاء، وضمان المساءلة في مؤسسات الدولة. كما ينبغي التركيز على تعزيز دور المجتمع المدني مؤسسياً."

 

اقتصادياً، يبيّن أن الأوروبيون لا يستطيعون ولن يقدموا نفس حجم التمويل الذي تقدمه دول الخليج العربي، لكن بإمكانهم، بل ينبغي عليهم، تخصيص المزيد من الأموال التي من شأنها المساعدة في سدّ الثغرات الحرجة. وفيما يتعلق بالمساعدة المباشرة، ينبغي على الحكومات الأوروبية الاستثمار بكثافة في إعادة تأهيل البنية التحتية للكهرباء في البلاد نظراً لضرورتها في إعادة الإعمار على نطاق أوسع، استناداً إلى الخطوات الأخيرة التي اتخذتها إيطاليا والنرويج لدعم إعادة تشغيل محطة دير علي الرئيسية لتوليد الطاقة. 

 

وعلى مستوى أوسع، يمكن للجهود الأوروبية أن تركز على تنشيط القطاع المصرفي لكي يؤتي تخفيف العقوبات ثماره ويجذب الاستثمارات. ويمكن أن يبدأ ذلك بنقل الخبرات الفنية إلى هذا القطاع. كما يمكن أن يشمل تشجيع قنوات المراسلة المصرفية، وربط البنوك الأوروبية مباشرة بالبنك المركزي السوري لتسهيل تدفقات التمويل. ويمكن أن يصاحب ذلك توجيهات حكومية أوروبية أكثر وضوحاً ودعم مباشر للشركات الأوروبية الراغبة في دخول السوق.

 

ولتحسين تنسيق جهود المانحين، ينبغي للعواصم الأوروبية العمل مع دمشق لإنشاء لجنة دائمة لتنظيم تقسيم فعال للعمل، وتقييم الاحتياجات في سوريا بدقة، وتحديد الجهات الخارجية القادرة على تلبيتها. ويمكن أن تشمل هذه العملية أيضاً تطوير إطار مؤسسي أكثر فعالية لتسهيل التواصل المباشر بين المانحين والمجتمعات المحلية.

 

أمنياً، يمثل إعادة هيكلة وتحديث القطاع الأمني ​​في سوريا فرصةً سانحةً لتقديم دعم أوروبي قيّم في مجالاتٍ جوهرية لتحقيق استقرارٍ دائم، وقد يُشكّل هذا الدعم مجالاً رئيسياً للتعاون مع تركيا التي تضطلع بدور ريادي في دعم تحديث القطاع الأمني ​​السوري.

التعليقات

الصنف

سوريا

منشور حديثاً

الأكثر قراءة

تابعنا

مقالات ذات صلة

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026