هاشتاغ
أعلنت وزارة الدفاع السورية إرسال تعزيزات عسكرية إلى الحدود مع لبنان والعراق، في خطوة وصفتها دمشق بأنها إجراءات دفاعية احترازية تهدف إلى ضبط الحدود وتعزيز الأمن. غير أن توقيت الانتشار وحجمه أثارا تساؤلات في الأوساط السياسية والإعلامية إن كانت هذه التحركات مجرد تدابير أمنية داخلية، أم أنها تظهر تموضعاً عسكرياً ذا أبعاد إقليمية في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بالمواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران وتداعياتها على المنطقة.
وعلى الرغم من أن الوزارة أوضحت أن التعزيزات شملت الشريط الحدودي مع كل من العراق ولبنان، فإن التحركات العسكرية على الجبهة اللبنانية حظيت باهتمام إعلامي عربي وغربي أكبر، وسط تقارير تحدثت عن احتمال تكليف دمشق بمهام تتجاوز مجرد ضبط الحدود، في سياق المواجهة العسكرية المتصاعدة بين إسرائيل وحزب الله والضغوط التي يواجهها الحزب داخل لبنان.
وأمام هذه التقارير، أكدت دمشق في بيان نشرته وكالة الأنباء الرسمية "سانا" أن انتشار وحدات من الجيش السوري عند الحدود مع لبنان والعراق يأتي في إطار "إجراءات دفاعية احترازية تهدف إلى ضبط الحدود وتعزيز الأمن"، مؤكدة أنها غير موجهة ضد أي دولة أو جهة. لكن هذه التوضيحات لم تكن كافية لإسكات التساؤلات عن طبيعة التحركات العسكرية وأهدافها.
دمشق.. حماية الحدود أم مهام خارجية؟
أكدت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية أن هذا الانتشار يأتي ضمن "المهام السيادية للجيش في حماية الحدود السورية ومنع أي أنشطة غير قانونية قد تستغل الطبيعة جغرافيا المناطق الحدودية"، مشددة على أن الخطوة ذات طابع "دفاعي وتنظيمي ولا تستهدف أي دولة أو جهة".
ولم تكتفِ الوزارة بالبيان الرسمي؛ إذ أعادت وكالة "سانا" نشر تقارير إضافية على مدى يومين ركزت على أهمية انتشار القوات في رصد أي نشاطات مشبوهة قد تشكل تهديداً أمنياً قبل تفاقمها، مؤكدة أن هذه الإجراءات "تدعم الاستقرار الوطني والإقليمي".
بيروت تترقب دوافع الانتشار السوري
جاءت هذه التأكيدات الرسمية بعد تقارير ميدانية تحدثت عن نشر الجيش السوري قاذفات صواريخ قريبة المدى ومدفعية ثقيلة في مناطق قريبة من الحدود اللبنانية. ويشير خبراء عسكريون إلى أن مثل هذه المنظومات تُستخدم عادة في دعم العمليات القتالية أو الاستعداد لسيناريوهات اشتباك محدودة، أكثر مما تُستخدم في مهام مراقبة الحدود أو مكافحة التهريب التي تعتمد غالباً على وحدات خفيفة وقوات حرس حدود.
وفي بيروت، تحدثت مصادر مطلعة عن حالة من القلق الشعبي والرسمي إزاء طبيعة الانتشار السوري وتوقيته، خصوصاً مع تقديرات غير رسمية تشير إلى أن حجم القوات المنتشرة قد يصل إلى نحو 40 ألف جندي.
ودفع ذلك المسؤولين اللبنانيين إلى التواصل مع دمشق للاستفسار عن طبيعة هذه التحركات. ونُقل عن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام قوله في جلسة لمجلس الوزراء إن اتصالاً تم مع وزير الخارجية السوري؛ إذ تم التأكيد بأن الانتشار لا يتعدى كونه "إجراءً احترازياً واستباقياً لضبط الحدود والحفاظ على الأمن الداخلي في سوريا"، ولا يختلف عن انتشار الجيش السوري عند الحدود
مع العراق.
تحليلات تربط الانتشار بالحرب ضد حزب الله
على الرغم من هذه التطمينات الرسمية من دمشق وبيروت، لم تتراجع التساؤلات عن الأهداف الفعلية لهذه التعزيزات العسكرية، خصوصاً في ظل تقارير إعلامية غربية ربطت التحركات السورية بالتطورات العسكرية المتصاعدة في المنطقة، ولا سيما عند الحدود الجنوبية للبنان.
فإسرائيل تتحدث عن احتمال تنفيذ عمليات عسكرية أوسع ضد حزب الله، وسط تقديرات عسكرية بأن تل أبيب قد تسعى إلى استغلال الظروف الدولية المتوترة لتقليص القدرات العسكرية للحزب، الذي تعرض في الحرب السابقة عام 2023 لضربة قاسية باغتيال أمينه العام حسن نصر الله وعدد من كبار قادته العسكريين.
وترافقت هذه التقديرات مع قرار الحكومة اللبنانية الأسبوع الماضي حظر نشاطات الحزب العسكرية والأمنية، وتكليف الجيش اللبناني بتنفيذ سياسة حصر السلاح بيد الدولة.
في هذا السياق، يرى محللون عسكريون أن التحركات السورية قد تتجاوز مسألة ضبط الحدود، لتندرج ضمن حسابات إقليمية أوسع مرتبطة بتطورات المواجهة بين إسرائيل وحزب الله واحتمالات توسعها.
وذهبت بعض التحليلات أبعد من ذلك؛ إذ تحدثت عن احتمال وجود ضغوط أو تفاهمات دولية تدفع دمشق إلى الاستعداد لاحتواء أي تداعيات عسكرية قد تمتد إلى الأراضي السورية أو إلى المناطق الحدودية المشتركة مع لبنان.
كما ذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن القيادة السورية قد تكون مهتمة بتوجيه ضربات لمواقع حزب الله على طول الحدود في منطقة سهل البقاع، في إطار توترات سابقة بين الطرفين تعود إلى سنوات الحرب السورية.
القصير والبقاع.. سوابق توتر واشتباك
شهدت الحدود السورية اللبنانية، وخصوصاً في منطقة القصير القريبة من البقاع اللبناني، اشتباكات عنيفة في الأشهر الماضية بين قوات الحكومة السورية الجديدة وعناصر من حزب الله؛ إذ تبادل الطرفان القصف في تلك المنطقة.
وامتدت العمليات آنذاك لتطال مواقع للجيش اللبناني، قبل أن يتدخل الأخير لوقف الاشتباكات عبر قنوات اتصال مباشرة بين قيادتي الجيش في البلدين.
وتظهر هذه الحوادث حساسية الوضع العسكري عند الحدود المشتركة؛ إذ تتداخل الاعتبارات الأمنية المحلية مع التوازنات السياسية والعسكرية الإقليمية.
انتشار دفاعي أم تموضع لمرحلة إقليمية جديدة؟
وعلى الرغم من أن القيادة السورية الجديدة أكدت مراراً أنها لا تسعى للدخول في حروب خارج أراضيها، وأن أولويتها تتركز على استعادة الاستقرار الداخلي وتهيئة الظروف لبدء عملية إعادة الإعمار، فإن التطورات الإقليمية المتسارعة قد تفرض معادلات أمنية أكثر تعقيداً عند الحدود السورية اللبنانية.
فيما يخص دمشق، قد يحقق هذا الانتشار أهدافاً عدة في وقت واحد، من بينها تشديد السيطرة على المناطق الحدودية الحساسة، ومنع أي انتقال محتمل للتصعيد العسكري إلى داخل الأراضي السورية، إضافة إلى توجيه رسالة إلى الأطراف الإقليمية بأنها قادرة على ضبط حدودها في مرحلة تشهد تصاعداً في التوترات الإقليمية.
وفي المحصلة، يصعب الجزم بطبيعة الأهداف النهائية لهذه التعزيزات. فهي قد تكون بالفعل إجراءات دفاعية لضبط الحدود في لحظة إقليمية مضطربة، لكنها في الوقت نفسه قد تظهر محاولة سورية لإعادة تموضع عسكري عند حدود حساسة قد تتحول سريعاً إلى إحدى نقاط التفاعل بين الصراعات الإقليمية المتشابكة.


