هاشتاغ
بحث

ما بين المنابر الدينية والساحات.. من يقود الشارع وإلى أين؟

08/04/2026

الشارع-السوري

شارك المقال

A
A

هاشتاغ - خاص


شهدت سوريا الأسبوع الماضي موجة احتجاجات شعبية غاضبة ضد قرار الكنيست الإسرائيلي إعدام الأسرى الفلسطينيين، وأخرى أمام السفارة الإماراتية بدمشق للمطالبة بإطلاق سراح قيادي في جيش الإسلام السابق. وبالرغم من تباين أهداف الاحتجاج، إلا أنه كشف عن استمرار المنابر الدينية في تحشيد الشارع، الذي لا يلبث أن يخرج عن السيطرة ويضع السلطات أمام اختبار القدرة والضبط من جهة، والمسؤولية عن التحشيد والفلتان من جهة ثانية.

المنابر كأداة تعبئة: بين التوجيه والهياج

خلال أسبوع واحد، خرجت تظاهرات في عدة محافظات سورية احتجاجاً على قرار الكنيست الإسرائيلي المتعلق بإعدام الأسرى الفلسطينيين، وجاء ذلك في أعقاب خطب دينية موحّدة نسبياً دعت إلى الاحتجاج الغاضب والانتصار لمظلومية الشعب الفلسطيني.


هذا التزامن في مختلف المحافظات السورية يطرح سؤالاً عن مسؤولية المنابر في التدخل في المجال العام السياسي وتأثيراته السلبية محلياً وإقليمياً. إذ لا يمكن فصل الخطاب الديني في سوريا عن الإطار المؤسسي، حيث تخضع المساجد لإشراف وزارة الأوقاف بشكل مباشر، وتخضع خطب الجمعة لتوجيه من الوزارة بشكل رسمي. ومن هنا، فإن هذا النمط من الحشد قد يعكس إما توجهاً رسمياً ضمنياً للسماح بالتعبئة، أو على الأقل قبولاً بحدوثها ضمن سقف معين.


لكن، في المقابل، لا يمكن إغفال أن المنابر كانت تاريخياً أداة تعبئة ذات تأثير واسع، قادرة على تحريك الشارع بسرعة، خاصة في القضايا ذات البعد الديني أو القومي.

استخدام المنابر اليوم في سياق التحشيد السياسي الإقليمي، وإن كان مختلف الأهداف، إلا أنه يعيد تسليط الضوء على مخاطر هذه الأداة في دفع الشارع إلى فوضى قد تخرج عن السيطرة في أي لحظة

من السوابق إلى الحاضر: مخاطر التعبئة الدينية

لا تأتي هذه الظاهرة في فراغ. فقد شهدت سوريا في مراحل سابقة استخداماً مكثفاً للخطاب الديني في التعبئة، سواء خلال سنوات الحرب، أو في لحظات التوتر الداخلي.


في بعض المحطات، استُخدمت المنابر للدعوة إلى القتال أو الجهاد ضد مكونات اجتماعية بعينها، كما حدث في سياقات توتر طائفي في مناطق الساحل (آذار 2025) والسويداء (تموز 2025)، حيث تم توظيف خطاب ديني تعبوي في تأجيج الصراع الذي خرج عن السيطرة، وأدى إلى إزهاق آلاف الأرواح، بحسب ما وثقته تقارير دولية. وتشير تقارير صادرة عن منظمات حقوقية ومتابعات إعلامية مستقلة آنذاك إلى أن المنبر الديني كان أحد أبرز أدوات الحشد، بما يحمله من قدرة على التأثير السريع والعاطفي.


استخدام المنابر اليوم في سياق التحشيد السياسي الإقليمي، وإن كان مختلف الأهداف، إلا أنه يعيد تسليط الضوء على مخاطر هذه الأداة في دفع الشارع إلى فوضى قد تخرج عن السيطرة في أي لحظة، وتحمّل الدولة السورية وقيادتها تبعات سياسية وكلفاً قد يصعب تجاوزها أو معالجتها.

الجنوب السوري: حين يقترب الشارع من خطوط التماس


بلغت الاحتجاجات مستوى أكثر حساسية في الجنوب السوري، خاصة في درعا والقنيطرة، حيث تحركت مجموعات غاضبة باتجاه خط الفصل مع الجولان السوري المحتل، ما أدى إلى استنفار أمني إسرائيلي وتطورات ميدانية انتهت بإطلاق نار ومقتل شاب سوري.


لا تعكس هذه الحادثة هشاشة التوازن في تلك المنطقة وحساسيتها السياسية والأمنية فحسب، بل تظهر مخاطر استخدام الشارع في بيئة مضطربة وتحولها بسرعة إلى احتكاك مباشر مع طرف إقليمي قد يتفاقم ويخرج عن السيطرة. وفي هذا السياق، يبدو أن الفجوة بين خطاب التعبئة وضبط السلوك الميداني قد تتسع بشكل يصعب التحكم به.

من إسرائيل إلى الإمارات.. تداعيات فوضى الشارع


لم يتوقف الاحتجاج الشعبي ضد إسرائيل، بل شهدت العاصمة دمشق حشداً غاضباً توجه إلى السفارة الإماراتية وسط العاصمة للمطالبة بإطلاق سراح القيادي عصام بويضاني في جيش الإسلام السابق، الموقوف في الإمارات بتهمة الانتماء إلى جبهة النصرة المدرجة على قوائم الإرهاب الإماراتية.


الاحتجاج أمام السفارة سرعان ما تحول إلى اعتداء على المبنى، وإنزال العلم وتكسير محتوياته، الأمر الذي يُظهر ليس فقط مخاطر فوضى تحشيد الشارع، بل افتعال أزمة دبلوماسية بين دمشق وإحدى الدول التي وقفت إلى جانب الشعب السوري في محنته، سواء في الحرب أم في مواجهة تداعيات زلزال عام 2023.

الأزمة الدبلوماسية: رسائل أبوظبي ورد دمشق


هذا الاعتداء أثار غضب السلطات في أبوظبي، التي عبّرت، عبر المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات أنور قرقاش، عن سخطها للتحرك المرفوض. وقال قرقاش في تدوينة على منصة "إكس" إن: "ما تقوم به مجموعة متطرفة تتحرك ضمن أجندة مرفوضة يأتي في ظل استضافة الإمارات جالية سورية عريضة تعيش وتعمل بأمان وطمأنينة."


وأكد المستشار الرئاسي أن "الاعتداء على السفارات والبعثات الدبلوماسية ليس فقط انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، بل يعكس خللاً في البيئة الأمنية للدول التي تقع فيها هذه الاعتداءات." وتحمل هذه الرسالة دلالات تتجاوز الإدانة، إذ تضع المسؤولية على الدولة المضيفة بشكل غير مباشر.


في المقابل، سعت دمشق إلى احتواء الموقف عبر بيانات رسمية شددت على رفض الاعتداءات، مع التأكيد في الوقت نفسه على حق التظاهر السلمي. كما أجرى الرئيس السوري أحمد الشرع اتصالاً هاتفياً مع رئيس دولة الإمارات للتأكيد على متانة العلاقات مع الإمارات، وأن ما حدث "لا يمثل الشعب السوري".


لكن هذا الخطاب الذي يدين الاعتداء من جهة، ويؤكد حق التظاهر السلمي من جهة ثانية، يعكس ارتباكاً واضحاً في إدارة التناقض بين احتواء الغضب الشعبي والحفاظ على العلاقات الإقليمية.

تظهر هذه الأحداث أن العلاقة بين المنابر والساحات ليست خطية. فبينما قد تسهم المنابر في إطلاق شرارة الحراك، فإن مساره اللاحق لا يبقى بالضرورة تحت السيطرة.

إشكالية السيطرة: من يقود فعلياً؟


تُظهر هذه الأحداث أن العلاقة بين المنابر والساحات ليست خطية. فبينما قد تسهم المنابر في إطلاق شرارة الحراك، فإن مساره اللاحق لا يبقى بالضرورة تحت السيطرة.


تصريحات بعض المسؤولين، التي نسبت الاعتداءات إلى جهات من فلول النظام السابق، أثارت جدلاً، خاصة في ظل معطيات ميدانية تشير إلى هوية مختلفة للمحتجين. هذا التباين يعكس إشكالية أعمق، حيث إن تعدد الروايات الرسمية قد يكون مؤشراً على صعوبة ضبط السردية، كما هو الحال في ضبط الشارع نفسه.


تكشف هذه الأحداث مخاطر استخدام المنابر الدينية في تحشيد الشارع في بيئة هشة سياسياً واجتماعياً وحساسة للغاية، في بلد خرج من حرب طويلة لم تندمل جروحها بعد، ما يطرح الحاجة إلى إعادة ضبط دور المنابر، بحيث تتحول من أداة تعبئة للفوضى إلى أداة تعزز الاستقرار، في بيئة لا تحتمل مزيداً من الاستقطاب.

التعليقات

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026