أميركا ومشروعها: ماذا فعلت في سورية ؟!

تم النشر في: 2017-04-07 12:02:00

تقع الإدارة الأمريكية في خطأ كبير عندما تهمل تنامي العداء لسياساتها في منطقة الشرق الأوسط، ولاسيما بعد أصبحت سمعتها واضحة المعالم تجاه المصير الذي وضعت فيه هذه المنطقة نتيجة السياسة الأمريكية .

فقد انتهت المرحلة الاستعمارية التي سادت في النصف الأول من القرن العشرين مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وفي نهاية هذه المرحلة ، التي اختتمها إيزنهاور بمبدأ سد الفراغ ، كان انهيار النظام الكولونيالي مؤشرا لبداية عصر جديد من الصراع على الهيمنة تتجه عناصره للاستغناء عن الاستعمار المباشر.

ومع انسحاب بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا من المشهد ظهرت أميركا ككقائدة للضفة الأخرى من العالم لمواجهة السرطان الأحمر الذي انطلق بعد انتصار الاتحاد السوفييتي في الحرب.

كان الاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت يراهن على عنصرين أساسيين في لعبة صراع الجبارين كما كانت تعرف في ذلك الوقت : المعسكر الاشتراكي، وتعززه قوة حلف وارسو . إضافة إلى دعم حركات التحرر التي تحمل في ثنايا التمدد التلقائي لثورات المجتمعات المستقلة حديثا والمتخلفة .

كان الاختبار الأول مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي كان منفتحا على أميركا في بداية ثورة يوليو/تموز 1952، ثم ومع معركة السد العالي وانكشاف طبيعة السياسة الأمريكية تخلى الرئيس عبد الناصر عن أميركا وراح يبحث عن صداقة تناسب سياسته فوجد عدم الانحياز قاعدة، وبنى صداقة متينة مع الاتحاد السوفييتي.. وكذلك حصل مع الرئيس الراحل شكري القوتلي في ذلك الوقت فيما يتعلق بالسياسة السورية!

ومع كل محطة من التاريخ العربي الحديث يبرز الدور الأمريكي كمناهض للقضايا العربية، فهو ينحاز لاسرائيل إلى الدرجة التي صار في قناعة العرب قاعدة راسخة أن إسرائيل هي التي ترسم السياسة الأمريكية تحت ضغط اللوبي الصهيوني في أميركا .

هذه المقدمة ضرورية لغهم آليات الموقف الأمريكي تجاه سورية في العقدين الأخيرين، وتحديدا في الحرب التي يعيشها السوريون منذ ست سنوات .

تعود المسألة إلى عام 1973، ويومها خاض العرب حربا مع إسرائيل هي الأولى من نوعها، وكان واضحا أنهم يريدون أن يصلوا إلى مخرج من الصراع العربي الإسرائيلي الذي أتعب عبد الناصر قبل أن يقضي عليه !

في ذلك العام أي في حرب أكتوبر 1973 اختلف الحليفان المصري /أنور السادات، والسوري حافظ الأسد على آليات التعاطي مع نتائج الحرب، فالسادات ذهب بها بعيدا وزار القدس عام 1977 ، والأسد رفض واستمر في الصراع تحت راية تحالف عربي عرف بجبهة الصمود والتصدي، ومع التحولات التي طرأت بعدها، والتطورات التي أدخلتها أميركا على سياستها في الصراع ودخول وزير الخارجية الأميركي على الخط كمحاور ماكر للعرب اتسمت المنطقة بانقسام سياسي عربي في متن هذا الانقسام كانت سورية في الواجهة ، وكان على أميركا أن تصارع الأسد في أدوات الحرب الباردة لأن الأسد ببساطة، وتحديدا بعد زيارة السادات لإسرائيل عقد معاهدة صداقة مع السوفييت، وكان ينبغي لأميركا أن تأخذ ذلك بعين الاعتبار.

وتشهد كتابات هنري كيسنجر((المذكرات)) وكتابات جيمس بيكر ، إضافة إلى الكتب التي ترجمت إلى العربية ككتاب ((عقد من القرارات )) لوليم كوانت على تفاصيل وطبيعة الصراع السياسي والعسكري أحيانا مع سورية والذي تداخلت فيه قضايا أخرى كلبنان وفلسطين .

ارتسمت في ثنايا السياسة الأمريكية قاعدة مهمة تقول يجب تحجيم دور سورية في المنطقة أو إسقاط هذا الدور، وتوقع كثيرون أن تتخلى أميركا عن هذا الدور بعد رحيل الأسد الأب عام 2000 في حزيران، عندما جاءت وزيرة الخارجية الأمريكية للتعزية بالوفاة وطلبت اجتماعا مع الرئيس المتوقع الدكتور بشار الأسد، لكن هذا التوقع خاب، وقد كشف الرئيس بشار الأسد فيما بعد عن مطالب تتزايد لأميركا ما يصعب معها لدولة ذات سيادة أن تستمر في الاستجابة .

وقال الرئيس بشار الأسد يومها : ليس هناك خيار سوى المقاومة ، أي أن نهج الرئيس حافظ أخذ بعدا جديدا، وكان على سورية أن تتوقع نوعا جديدا من العلاقات

في عام 2005 اغتيل رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري بتفجير كبير مأساوي، أعقبته حملة إعلامية كبيرة تتهم سورية والأسد أنهما وراء الاغتيال وتدعو إلى رحيل الجيش السوري من لبنان ، وقد استجاب الرئيس الأسد وانسحب من لبنان ولم يقم أحد بعد بقراءة هذا الموقف علما أن كثيرين أيدوه وقتها .

بعد سنة واحدة فقط وقعت حرب تموز ، وسريعا تلقفت الإدارة الأمريكية حرب إسرائيل على لبنان لضرب المقاومة المدعومة من سورية والتي كان عمودها الفقري حزب الله ، وجاءت وزيرة الخارجية الأمريكية غونداليزا رايس إلى لبنان لتعلن صراحة أن الشرق الأوسط الجديد بدأ مخاضه !

صمدت المقاومة بدعم سوري لوجستي ، وانتصرت في الحرب ، وقبل أن تمر ذكراها شنت إسرائيل حربا على غزة المدعومة من سورية، وتلقفتها أميركا أيضا لكن المقاومة انتصرت في غزة أيضا .

كان ذلك في عام 2007 ، وبين 2007 و2011 سنوات قليلا كانت فيها أميركا تعد العدة لتطبيق نظريتها الجهنمية عما سمته الفوضى الخلاقة التي ستبني فيها شرق أوسط جديدا كما ترغبه هي ، والغريب أن الزمن كان يقترب من ذكرى مرور مئة سنة على اتفاقية سايكس بيكو التي رسمت ملامح الحدود التي يدافع عنها الهرب حاليا، ويبدو أن أميركا كانت تعمل على رسم خارطة جديدة للمنطقة تتوافق مع سياستها في إضعاف الدول وبخاصة تلك المواجهة لإسرائيل!

كانت الاستعدادات تجري لشيء ما يستهدف المنطقة، وقد كشف كثيرون عن خطط جهنمية تعد، إلا أن فكرة (الربيع العربي) لم تكن متوقعة، وهي فكرة ارتدت لبوسها الفوضوي بعد انتحار شاب تونسي اسمه محمد البوعزيزي حرقا، واندلاع اضطرابات في تونس كشف فيما بعد أنها كانت تستهدف الإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي، الذي سقط خلال أيام، وإشعال الحريق في المنطقة تحت مسمى التغيير !

كان التغيير ، عمليا مطلبا حقيقيا للناس، في سورية وتونس ومصر وليبيا واليمن والسودان ، أي أن الاستجابة كانت سريعة لأي تحرك من هذا النوع، وهذا ما ورط شرائح واسعة من السكان ، فتحولوا إلى أدوات لمشروع كبير!

سقط نظام الرئيس المصري محمد حسني مبارك، ثم قتل معمر القذافي رئيس ليبيا بطريقة بشعة، وكذلك أطيح بالرئيس علي عبد الصالح في اليمن ووقف الرئيس السوري بشار الأسد كعقدة المنشار عندما عجزت كل تلك المقدمات عن الإسراع بإسقاطه.

لم يسقط الرئيس بشار الأسد حتى كتابة هذه السطور في أوائل عام 2017، لكن الحقيقة لابد من الاعتراف بها وهي أن سورية لم تعد تلك التي كانت من قبل، فقد دمر الاقتصاد ومزق الجيش وسقط ملايين الناس بين قتلى وجرحى وهاجر سوريون بالملايين في جهات الأرض !

لقد خسرت أميركا ماكانت بنته من سمعة لها على أرضية دعم تحركات السوريين من أجل التغيير الديمقراطي، وهذا يعني أنها خسرت كل شيء في سورية، لكن أهم مايقال عن حرب السنوات الست التي مرت هو أن أميركا هزمت من جديد ، تماما كما هزمت في حرب تموز 2006 وحرب غزة 2007 ، وهزيمتها في الحرب السورية تتبلور في العنوان العريض الذي سعت إليه : إسقاط الدولة السورية!

إن إسقاط الدولة السورية كان يؤسس في المشروع الأمريكي لإعادة رسم الخرائط التي تريدها الإدارة الأمريكية صاحبة الفوضى البناءة، وبقاء الدولة السورية ، ولو كان في مساحة قد لاتصل إلى ثلث المساحة الأصلية يعني تلقائيا توقع ظهور إرادة وطنية يعود السوريون للالتفاف حولها من أجل إعادة السيطرة على المساحات التي استولى عليها الإرهاب، وتناهبتها المجموعات المسلحة التي أظهرت من تبعيتها للجهات الداعمة لها أكثر من تبعيتها للوطن السوري، وهذه ليست تهمة، بل هي حقيقة دامغة، فالمجموعات المسلحة غير قادرة على تمويل حربها دون تمويل خارجي، وقد ابتليت أيضا بنشاط محموم لتنظيم القاعدة والإرهاب أسس لتوسع رقعة الإرهاب ومحاولته تشكيل قواعد انطلاق له في الأماكن التي دبت فيها الفوضى كليبيا واليمن وتونس وسورية ، وإذا كانت الإدارة الأمريكية قد ساهمت في انطلاقته من القمقم للاستفادة منه في مشروعها، فإنه خرج عن سيطرتها، وراح يضرب في كل مكان من العالم .

هل كان مشروعها هو نشر الإرهاب في العالم ؟!

هاقد انتشر وزاد عما كان عليه عند أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001 . لم يوقف الإرهاب في العالم سجن غوانتانامو ولا ضرب أفعانستان وإسقاط بغداد ولا تدمير البنى التحتية كلها في سورية .

لايمكن أن يموت الإرهاب مع الفوضى ، لأنه ينتشي بالفوضى ويكبر .. وهذا يعني أن أمريكا خسرت مرتين :

الأولى ، عندما أرادت أن تضرب الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من أيلول.

والثانية ، بعد ست سنوات من الحرب على سورية أعلن فيها السفير الأمريكي السابق في دمشق روبرت فورد أنه لم يعد ممكنا إسقاط النظام في سورية .. وهو نفسه الذي كسر التقاليد الدبلوماسية وتحرك كمعارض سوري بين دمشق وحماة ليقود الناس إلى الديمقراطية التي ظهر أنها ((الفوضى)) !

على الأمريكيين محاولة استعادة المصداقية عند شعوب المنطقة، لأن تنامي العداء لأمريكا هو في صلب المعاناة التي يكابد منها السوريون والعرب جميعا هذه الأيام!!

عماد نداف _ الأطلسي


مقالة ذات صلة

المصدر العسكري السوري يتحدث عن عدوان صاروخي أمريكي على حمص


اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام