دكاترة بلا شهادات .. وشهادات بلا قيمة

تم النشر في: 2017-05-08 15:11:00

في ضوء تزايد أعداد "الجامعات" الوهمية في العالم التي تمتهن تجارة بيع الشهادات العلمية المزورة، وانتشار المكاتب أو "الدكاكين" التي تقوم بكتابة الرسائل والأطروحات العلمية وبيعها، أصبحت مجتمعات عديدة مهددة، بفعل هذه الانتهاكات الخطيرة لقدسية العلم والشهادة الجامعية في دول عديدة من العالم.

أما في سورية، وعلى الرغم من عدم وجود إحصائية دقيقة لعدد الشهادات العلمية التي تم اكتشاف تزويرها، إلّا أن الوقائع تشير إلى أن تزايد انتشار هذه الظاهرة بدأ قبل نحو 20 عاماً تقريباً، وكان اللافت في عام 2002 صدور قرار بنقل تعادل شهادات العلوم الطبية من وزارة الصحة وبقية العلوم الأخرى من وزارة التربية إلى وزارة التعليم العالي، لتصبح الجهة الوحيدة المسؤولة عن تعادل الشهادات بكافة اختصاصاتها، ولكن مسوغات القرار لم يتم ذكرها آنذاك.

وتكشف الوقائع أن التزايد الكبير لعدد الشهادات الممنوحة للسوريين من دول الاتحاد السوفييتي سابقاً وخاصة في العلوم الطبية، كانت بمثابة دق ناقوس الخطر، الأمر الذي استدعى من وزيري التعليم العالي والصحة آنذاك اتخاذ إجراءات للتقصي عن حقيقة وضع الجامعات المانحة في هذه الدولة، حيث قام وزير التعليم العالي بتكليف لجنة ذات طابع سري لزيارة بعض الجامعات في تلك الدول.

هذه الحادثة لم يتم الإعلان عنها في ذاك الوقت، ولكن وفق ما كشفه وزير التعليم السابق الدكتور محمد عامر المارديني أحد أعضاء هذه اللجنة، عندما كان عميداً لكلية الصيدلة بجامعة دمشق، فإن أعضاء اللجنة زاروا هذه الجامعات في دولتي أرمينيا، أوكرانيا بصفتهم آباء أتوا لتسجيل أبنائهم في هذه الجامعات، ولم يكشفوا عن صفتهم الأكاديمية أو الرسمية.

ويضيف المارديني: تمكنا من الدخول إلى كواليس هذه الجامعات وكم كان مخجلاً ما اكتشفناه فهي تشبه كل شيء إلّا الجامعات، لا وجود لطلاب ولا قاعات دراسية وكل ما هناك مكاتب تمنح وثائق وشهادات لطلاب في الإجازة والماجستير والدكتوراه بكافة الاختصاصات باستثناء العلوم الطبية التي كانت تقتصر على الإجازة فقط، وفي أوكرانيا كانت هناك صفوف لطلاب أجانب منهم سوريون معزولة عن صفوف أبناء البلد، وقد حاول القائمون إيجاد جو استعراضي وجلب أشخاص للجمهرة لتحسين صورة الجامعات أمامنا، إلّا أن الصورة كانت واضحة أمامنا، وقد خرجنا بتقرير شامل عن وضع هذه الجامعات عرض على وزارتي التعليم العالي والصحة.

ويؤكد المارديني أن هذه الحادثة، وما تضمنه التقرير من معلومات ووثائق، شكلا نقطة تحول في موضوع تعادل الشهادات، وأصبحت وزارة التعليم العالي الجهة الوحيدة المسؤولة عن هذه المسألة، حيث تم التشدد في المعايير والشروط الخاصة بالتعادل.

الإشكالية الأساسية في هذه الجامعات، يقول المارديني، أنها كانت تقبل حتى الأميين وبعضها كان يجري للطالب امتحان الثانوية، ولهذا فإن كثيرين من الأشخاص حصلوا على شهادات وهمية في الإجازة والماجستير والدكتوراه وهم لا يتقنوا بالحد الأدنى لغة البلد الذي درسوا به، وعندما وصلوا إلى سورية واجهوا صعوبات في معادلة شهاداتهم أكاديمياً، ووفق المارديني فإن هؤلاء الأشخاص جرت محاصرتهم في حقل التعليم الجامعي إلى حد كبير.

أما خارج حقل التعليم فهي لا تعدو كونها عملية استعراض، والكثيرون هدفهم من لقب الدكتوراه الوجاهة الاجتماعية وهي موجودة في كل دول العالم بنسب متفاوتة، وبرأيه فإن وجودها في المجتمع السوري يعد حالات فردية.

لا أحد يستطيع منح لقب دكتوراه لنفسه من دون وثائق تثبت ذلك، وهنا يشير المارديني إلى وجود تعميم سابق من وزارة التعليم العالي يشدد على عدم جواز استخدام هذه الصفة من أشخاص لا يملكون وثائق رسمية مصدقة تحت طائلة الملاحقة القانونية، وبرأيه يجب الادعاء على أي شخص يستخدم هذه الصفة من دون التصريح بالوثائق التي تثبت حصوله على المؤهل العلمي ومحاسبته ولاسيما عندما يكون هناك ضحايا نتيجة التزوير أو كان هذا الشخص يعمل في قطاع له علاقة بحياة الناس مثل القطاع الطبي.

تكمن المشكلة في الأشخاص الذين يعملون في القطاع الخاص الذي لا يحتاج تراخيص مهنة مزاولتهم العمل إجراء معادلة لشهاداتهم أو وثائقهم التي يدعونها وفي أغلب الأحيان يكونون هم أصحاب المؤسسات التي يشغلونها، وهنا يؤكد المارديني أن هذا الأمر يتطلب من النقابات والجهات المعنية إعادة النظر في الشهادات التي يحملها العاملون في هذه الجهات، وبخاصة تلك التي لا تصدّق في وزارة التعليم العالي.وكذلك التدقيق في مضمون اللوحات التي يضعها بعض الأشخاص بناء على وثائق وبيانات صحيحة.

شهادات الدكتوراه المزورة التي اكتشفت لدى خضوعها لعملية التعادل في وزارة التعليم العالي قليلة، ووفق ما أكدته مديرة تعادل الشهادات في الوزارة ريما الفار، فإنه خلال ثلاث سنوات ماضية لم يتم اكتشاف سوى حالة واحدة، وبرأيها هذا أمر طبيعي لأن الشخص الذي يأتي لمعادلة شهادته يعلم أن مآل شهادته ووثائقه مجلس التعليم العالي، وقد وضع نصب عينيه التدريس في الجامعة، ولهذا فإن إقدامه على هذه الخطوة إذا لم يكن واثقاً من نفسه يعد مخاطرة كبيرة.

وتشير الفار إلى وجود حالات رفض لشهادات ماجستير ودكتوراه ليس بسبب التزوير ولكن بسبب إخلالها ببعض الشروط، لأن مفهوم التعادل بحد ذاته إيجاد مكافئ وطني للشهادة، حسب موجبات القبول في الجامعات المحلية، وشروط منح الدرجة من الجامعة المانحة. وتقدم الفار أمثلة على بعض حالات رفض لمعادلة شهادة الدكتوراه، كوجود أشخاص يعملون في دوائر الدولة، يسجلون في جامعات خارجية للحصول على شهادة دكتوراه، من دون أخذ إجازة من عملهم بهدف الحفاظ على مناصبهم في هذه الدوائر، وبالتالي فإن دوامهم في هذه الجامعات غير منتظم وهذا إخلال بشروط تعادل الشهادة، ومن المعلوم أن الدكتوراه قائمة على البحث العلمي، وبالتالي يفترض بالشخص الذي يلهث وراء الشهادة البحثية أن يكون تفكيره مختلفاً عن العمل الإداري ناهيك عن أن أطروحة الدكتوراه يجب أن تكون سويتها العلمية تتوافق مع قواعد وشروط نيل الشهادة، وألّا تقل الحدود الدنيا لمدة منح الدكتوراه عن المدة الواردة في الشروط المحلية وألّا تقل أيضاً عن شروط الجامعات المانحة.

تزوير الشهادات، وبخاصة الدكتوراه، تعد قضية وطنية تحتاج إلى إرادة جدية لردعها وإجراء مراجعة حقيقية لعملية الكشف عن هذه الشهادات المزورة والتشدد بالعقوبات الرادعة بحق هؤلاء الأشخاص.

"صحيفة الأيام"


مقالة ذات صلة :

لا معادلة لشهادات الطلاب الذين غادروا البلاد بطرق غير شرعية!!


اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام