«النقد غير الموضوعي» والفساد الثقافي؟

تم النشر في: 2017-09-07 15:12:00

أن يطلق الأعم الأغلب من المبدعين في مرحلة الشباب أحكاماً سريعة، مختصرة وغير موضوعية، بحق أي عمل إبداعي، لا تنصفه، قد نعزوه إلى قلّة خبرتهم وثقافتهم، لكن أن نجد نسبة عالية بين المبدعين بعد تقدمهم في العمر والتجربة، يقدّمون أحكامهم بالطريقة ذاتها! مسألة تحتاج إلى البحث عن الأسباب، لعلنا نجد طريقاً للتقويم.

فإلى ماذا يمكن أن نعزو تلك المسألة؟ سؤال توجّهنا به إلى مبدعين ناقدين في مجالي الأدب، والموسيقا، فكانت مساهمتهما على النحو الآتي:

عميقاً في التراث

يستهل الشاعر والناقد الأستاذ في كلية آداب جامعة حلب د. سعد الدين كليب مساهمته في الإجابة بالقول: «لعلّ أسوأ الأماسي الشعرية، من حيث التفاعل، هي التي حضرها الشعراء فقط، وأسوأ المعارض الفنية هي تلك التي لا يحضرها إلا الفنانون. وربما أسوأها على الإطلاق تلك التي يكون فيها المرسل والمتلقي من جيل إبداعي واحد؛ إذ إنّ هذه الأنشطة أشبه ما تكون بالامتحانات الفنية». يضيف كليب: «قد يبدو هذا غريباً جداً، لكنه حقيقي.

وهو لا يتعلّق بهذه المرحلة أو تلك. إنه يمتدّ عميقاً في التراث الإنساني عامة. أما السبب الأساسي في ذلك فيعود إلى أنّ الشاعر أو الفنان حين يتلقّى إبداعاً لسواه، غالباً ما يحاكمه من منظوره الفني وخبرته التقنية ومثاله الجمالي الأعلى الخاص به؛ أي أنه يضعه على المشرحة، ويُعمِل فيه مشارطه الفنية، محاكماً إياه وفق منهجه الذوقي في الكتابة الأدبية» وهذا الاتجاه في نظر كليب ليس موجوداً لدى المتلقي العادي أو المتابع والمهتمّ أو حتى الناقد. فهؤلاء، باختلاف أذواقهم ومعارفهم، يتلقّون ما بين أيديهم من دون مشارط أو مقارنات ترتبط بالمهارة الفنية- الشخصية.

فساد ثقافي

ويؤكد كليب على «أنّ ما يحكم آراء الأدباء ببعضهم هو النموذج المثالي الذي يتبناه كلٌّ منهم على حدة، سواء أكان ذلك في التلقي أم في الإبداع. وبما أنّ النماذج المثالية متباينة ومختلفة جداً، فإنه قلما نجد أديباً يروق له أسلوب سواه أو منحاه الرؤيوي بشكل كلّي، فدائماً لدى الأديب ملاحظات نقدية على أساليب الأدباء الآخرين، مثلما له ملاحظات أيضاً على أسلوبه السابق أو الذي تجاوزه تحديداً.

في ضوء ذلك يرى د. كليب أن أقسى النقد وأكثره ذوقية ومزاجية، في الوقت نفسه، هو ما يوجّهه الأدباء إلى بعضهم. ولا يعود هذا إلى النرجسية وحسب، كما قد يُظنّ لأول وهلة، وإنما يعود، في الدرجة الأولى، إلى التباين والاختلاف في الخبرة التقنية والنموذج المثالي المعتمد واستراتيجيات الخطاب الجمالي والثقافي عامة». وحتى لا يُفهم الكلام على نحو خطأ يشير الدكتور سعد إلى أنه يتحدث عن المسألة بصرف النظر عن العداوات والخصومات و«المماحكات» الشخصية بين الأدباء، وبصرف النظر أيضاً عن المدارس والتيارات الأدبية والفكرية التي ينتمي إليها هذا أو ذاك منهم. كما يوضح أنه لم يتعرض لمخرجات الفساد الثقافي العام الذي قد يصدّر إلى الواجهة من لا يستحقّ حتى العتبة، وفي هذا ما فيه من فوضى ومزاجية وانحطاط، لا في الأحكام والآراء وحسب، وإنما في الممارسات أيضاً». ويختتم بالقول: في استبعادنا لمخرجات الفساد الثقافي يكمن السبيل لتقويم المسألة.

ثرثرة أدبية

ويشير أولاً الفنان الموسيقي أمين رومية- رئيس المكتب الفرعي لنقابة الفنانين في حمص إلى أن «النقد يجب أن يكون من خلال المصطلح الموسيقي لا من خلال كلام إنشائي سطحي أو شاعري لا يتجاوز حدود الثرثرة الأدبية التي لا تحمل أي معنى موسيقي».

ويمضي رومية بمصارحة جريئة فيضيف: «أكاد أجزم بأنه ليس بالضرورة أن يكون المبدع ناقداً جيداً. ففي عالمنا العربي الثقافة الموسيقية ليست من أولويات الموسيقي ذاته وتالياً لن يكون هذا الموسيقي مؤهلاً لخوض غمار النقد الموسيقي، وإن كان مبدعاً، في حين أننا نرى بعضاً من كبار النقاد هم ليسوا من أصحاب الاختصاص في الموسيقا ولكنهم قدموا دراسات نقدية للكثير من الأعمال وكانت على درجة كبيرة من الأهمية، والمراحل العمرية المتأخرة بالنسبة للمبدعين قد لا تعني بالضرورة نضوج الأفكار النقدية لديهم لكونهم يفتقدون المقومات الأساسية للعملية النقدية التي ذكرتها آنفاً».

مقومات الناقد

ولأن إطلاق الأحكام في مجال الإبداع الموسيقي – في نظر رومية- أكثر صعوبة (باستثناء الغناء) قياساً إلى الفنون الأخرى، والموسيقا هي حركة الصوت في الزمن، فهي فن تجريدي بالمطلق، ولذلك يعتقد أن «الناقد الذي يتصدى للأعمال الموسيقية أو الغنائية لابد من أن يمتلك مقومات الناقد الحقيقي الحصيف الذي أغنى ذاكرته بالاستماع إلى الكثير من الأعمال الموسيقية الرفيعة والريادية وامتلك ثقافة شمولية تتجاوز حدود الموسيقا إلى التاريخ وعلم الجمال، والقدرة على استحضارها والاهتداء بها عندما يُعمل مبضع النقد في جسد العمل الفني ليستنبط الملامح الجمالية والأفكار الاستشرافية التي قد يتضمنها العمل الفني والتي يمكن لها أن تكون نواة جنينية قد تشكل إرهاصاً لأعمال أكثر قيمة وتأثيراً في المستقبل يعمل على عرضها وإبرازها للمتلقي، مع الإشارة إلى نقاط الضعف والخلل إن وجدت». ولأن مهمة الناقد لا تنتهي عند تقديم رأي انطباعي توصيفي للعمل الفني، يمعن رومية في التوضيح «لابد من أن يكون النقد تحليلياً من خلال الولوج في البناء الموسيقي وتفكيكه ومن ثم الخوض في الخلايا اللحنية ودراسة البنية المقامية والإيقاعية والوقوف على التفاصيل التقنية والعلاقة النغمية بين مكونات الفرقة الموسيقية التي نفذت العمل الفني والإشارة إلى الإضافات التي يمكن تطويرها ولاسيما بالنسبة للأعمال الجديدة التي لابد من التعاطي معها باهتمام واحترام، إن كانت تستحق ذلك، مع الأخذ في الحسبان الواقع الاجتماعي والثقافي الذي أنتج فيه العمل الفني والمرحلة الزمنية التي ينتمي إليها». من الواضح أن المشهد النقدي يعاني العثرات المتنوعة ما تسبب في غياب الموضوعية وانتشار الاستسهال في أكثر من تجربة نقدية، وانسجاماً مع مقولة إن النقد هو إبداع على الإبداع، فإن ما ينتظر من العملية النقدية الإضاءة والتفكيك السليم من أجل كشف مكامن الجمال في العمل الإبداعي، وليس تضييع البوصلة وتشتيت القارئ خارج تلك الجماليات. " تشرين  "

مقالة ذات صلة :

اتحاد الكتاب يفتح سجالا حول الصحافة والثقافة !


 

اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام