الدراويش يجتاحون اقتصاد الظل .. هل نحاسبهم أم نساعدهم؟!

تم النشر في: 2018-03-17 14:35:00

عن جريدة الأيام ـ انطوان بصمه جي

لا يمكنك المرور في شارع البرامكة المكتظ بالطلاب والمراجعين والموظفين، دون أن ترى أو تسمع صوت (أبو ماجد) بائع المشروبات المتجول.

لقد أصبح ذلك الرجل جزءاً من هذا الشارع الطويل الذي لا يهدأ، إنه موجودٌ في كل مكان ترافقه درّاجته الهوائية، «بسطته» المتنقلة أو «اقتصاده الخاص الصغير جداً»، لا تتوقف حركة ذلك البائع الذي يقضي يومه متنقلاً بين المحتشدين على باب فرع الهجرة والجوازات… في البرامكة لاستلام طلبات إصدار وتجديد جوازات ووثائق السفر… بمجرد سماع كلمة «اقتصاد الظل» يتراءى لذهن أي شخص يعرف القليل عنه وجود نوع من الشبهة أو التخفي وراء ذلك المصطلح، لاسيما أنه لا يرى المنعكسات السلبية لذلك النمط الاقتصادي على واقعه، وبالرغم من أن هذه المشاريع الصغيرة قد تبدو عادية وغير مغرية لمن يحظى بـ «دخل جيد»، إلا أنها ملاذ آمن لمن ضاق بهم سوق العمل، ومظلة تحميهم من الفقر والفاقة؛ فهي تقي صاحبها من العوز والجوع وتؤمّن له مصدر رزق «كريماً» بعيداً عن التسول أو السرقة أو حتى اللجوء إلى أعمال غير أخلاقية.

هو اقتصاد ظل لكنه اقتصاد مشروع

ربما ليس بالجديد وجود «أكشاك» أو «بسطات» لمستثمرين صغار على أرصفة شوارع دمشق وباقي المدن السورية، خصوصاً أن هذا الاقتصاد يزيد انتشاره في زمن الأزمات والحروب، بخاصة أن الشارع السوري بات يعاني شحّاً في فرص العمل بالنسبة لعدد كبير من الخريجين، وقلة الموارد المالية، هذه الأمور مجتمعة هيّأت بيئة مناسبة لتنامي «اقتصادات الظل»، فأصبحت كأمواج البحر تفترش الطرقات المزدحمة وتضم أيدي عاملة كثيرة لم تستسلم للبطالة، وقررت التكيف مع ظروفها المادية المتواضعة…. إنها نوع من إثبات الوجود الاقتصادي ومقاومة لظلم الحياة.

عندما يتكلم المال يصمت الصدق، ففي العام 2005 انتقل الاقتصاد السوري من نموذج التخطيط المركزي إلى اقتصاد السوق الاجتماعي بقرار سياسي اقتصادي وذلك ضمن سياسة الانفتاح الاقتصادي.. وقد أعطت تلك السياسة مرونة للقطاع الخاص وشجعته على الاستثمار، ما سمح بانتشار ظاهرة «اقتصاد الظل» لتتعمق في قلب الاقتصاد السوري وتتنامى لتبلغ نسبته في سوريا حوالي 78% من حجم الناتج المحلي خلال فترة الحرب، ذلك الاقتصاد المتعارف عليه في علم الاقتصاد بأنه كل النشاطات الاقتصادية التي يمارسها الأفراد أو المنشآت ولا تدخل في حسابات الدخل القومي، ولا تخضع للنظام الرقابي والضريبي، ولا للرسوم الإدارية أو النظام الإداري والتنظيمي .

لكن، هل يعلم أبو ماجد ورفاقه أنهم عالة على الاقتصاد الوطني، بسبب عدم مساهمتهم في الضرائب المستحقة عليهم من الأعمال التجارية التي يمارسونها، وبأن مكاسبهم المالية لا ترفد الدخل القومي بشيء، لكنهم في المقابل هم عرضة لأن يصبحوا في يوم من الأيام عالة على أنفسهم، فهم مجردون من أبسط حقوق العمل؛ فلا تأمين صحيّاً يشملهم، ولا نقابة تدافع عنهم،. ولا وجود لأي نوع من أنواع الحماية الاجتماعية لهم عند تعرضهم لأي حالة غبن ولا تعويض نهاية الخدمة يضمن لهم شيخوخة كريمة.

الأسباب أصبحت واضحة للجميع، عمالة فائضة، فرص عمل قليلة، غياب مظلة أمان تضمن لهم التأمين في ظل غياب رقابة على هذه المنتجات. بالطبع تجارة مربحة بكل المقاييس، ولا يوجد فيها أي نوع من أنواع المخاطرة أو الخسارة، ولا تحتاج إلى مقر للعمل،

ولكن تجارة المياه ليست التجارة الوحيدة التي غزت أسواقنا فجأة، لكنها الوحيدة التي تثير التساؤلات حول الكسب على حساب صحة المواطن.

اختيار مكان مناسب يساهم بشكل كبير في نجاح أي مشروع اقتصادي، كما أن إدخال عناصر الجذب تعد من المنظومة الأساسية لإنجاح المشروع، لكن (أبو ماجد) لم يخشَ كل هذه التعليمات المتعارف عليها، ولم يعترف بكل مبادئ علم الاقتصاد، طالما يمتلك صوتاً صدّاحاً ومـا دام رأسمالــه «شويّة مي»!


   

اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام