هيهات يا ام الزلف.. أنا الأول من نيسان (اكيتو) هل تعرفونني أيها السوريون.. وهل تعرفون كيف حولني الرومان من يوم لفرحكم إلى عيد للكذب

تم النشر في: 2020-04-02 11:24:02

هيهات يا ام الزلف..

أنا ام الزلف وهذي قصتي..

قبل البداية لا أعرف لماذا يغيب أقدم تاريخ مسجل في الحضارة الإنسانية عن روزنامتكم أيها السوريون.

 

هاشتاغ سوريا - خاص - مالك معتوق

 

في سوريا القديمة كان كبير الآلهة هو الإله (بعل), وكان يسمى أيضاً حدد و"ادد" وكان إلهاً للخير والمطر والخصب.

في نهاية الصيف وعندما كان يأتي الخريف وتسقط أوراق الأشجار وتختفي الثمار وييبس العشب كان أجدادنا السوريين يقولون: ان الإله بعل قد دخل في صراع مع إله الشر وكان اسمه (موت) أي الشيطان في زماننا هذا، ومن هنا أتت كلمة (موت).

وكانوا يقولون: إن إله الشر (موت) قد هزم الإله بعل وقتله لذلك تعرت الأشجار واختفت خضرتها، وكانوا يحزنون لموته ويغنون له أغاني "العتابا" وهي كلمة تعني بالآرامية السريانية القديمة (الحزن والعتب) لأنه تركهم.

وكانت حبيبة الإله بعل هي إلهة الخير والحب والجمال "عشتار"، و"عشتار" الربة الأم الأولى مُنجبة الحياة، ونجمة الصباح والمساء في آن معاً، الربة التي تقول عنها النصوص القديمة بأن "في فمها يكمن سرُ الحياة".

عشتار التي تلقب بالأسطورة "أم الزلف", هي نفسها أم الزلف التي مازال الناس يغنون لها في أرياف سورية: "هيهات يم الزلف عيني يا موليا", يغني السوريون لعشتار دون أن يدركوا ذلك، فكلمة "زلف" تعني بالسريانية الآرامية أشياء كثيرها أولها: "الثوب الموشّى او المطرّز، والزينة، والجمال.. أما كلمة "موليا" فتعني: "الخصب، والمطر أو الماء وكانت هذه صلاة يصليها السوريون لأم الزلف عشتار لتبعث لهم المطر والخير.

في 21 آذار "وهو موعد الانقلاب الربيعي، كانت الأرض تلبس حلّة خضراء وتبدأ دورة الحياة الزراعية", كان السوريون يقولون: إن الأم السورية عشتار "آلهة الحب والجمال" تستعد لاستقبال حبيبها الإله بعل الذي سيقوم من بين الأموات وسيعود (ومن هنا أتى احتفال السوريين في 21 آذار بعيد الام).

كانت احتفالات رأس السنة السورية تبدأ في الحادي والعشرين من آذار, وكان الناس ابتهاجاً يغنون اغاني (الميجانا) وهي كلمة آرامية معناها (الفرح) وكانت تُشرب الأنخاب لعودة الإله بعل, ولتاريخ اليوم فإن السوري عندما يشرب نخب أحدهم يقول: (وهاي مجّة شراب) وعندما يريد أن يُقبّل طفلا صغير يقول (اعطيني مجة) وكلها كلمات تحمل نفس معنى الميجانا.

وكانت الاحتفالات تبلغ ذروتها في عيد رأس السنة السورية في الأول من نيسان، وكان اسمه (اكيتو) وتستمر حتى العاشر منه، وخلال كل هذه المدة كان من المحرم على الناس تأنيب الأطفال ومعاقبة العبيد أو القيام بالأعمال اليومية أو انعقاد المحاكم.

 رأس السنة السورية أو ما يعرف بـ "الآكيتو"، هو أحد أهم عناصر التراث اللامادي لشعوب المنطقة، مناسبة لا تعلمها النسبة العظمى من سكان سوريا.

ويصادف اليوم الأول من نيسان 2020 بداية العام 6770 في التقويم السوري.

في اﻷلف الخامس والرابع ق.م، أجدادنا الكلدانيون اﻷوائل والسومريون الذين سكنوا وسط وجنوب العراق القديم (5300ق.م)، كانوا يحتفلوا برأس السنة مرتين:

اﻷُولى: نهاية النهاية (خاص بالعالم اﻷسفل) من تشريتو (تشرين) حتى آدارو (آذار)، وهو ما يُطلق عليه في سوريا عيد القوزلّه (القوزلّي)، وهو عيد الاعتدال الخريفي وبذر الشعير والحنطة بعد أول مطره.

الثانية: بداية البداية (خاص بعالم الحياة) من نيسانو (نيسان) حتى إلولو (أيلول)، وهو عيد الاعتدال الربيعي واحتفال ببدء وعودة الحياة للطبيعة، وبعد فترة صار الاحتفال مرة واحدة بالسنة وهو آكيتو.

وآكيتو عند السومريين تعني الحياة، وعند الأكاديين تعني الفرح، وبالسريانية اﻵرامية كانت تلفظ (حج) وتعني الاحتفال والفرح، وبالبابلية (ريش شاتيم) أي رأس السنة.

يرمز الآكيتو للبداية الحقيقية للحياة، ويرتبط بنهاية موسم المطر والبرد وبدء الخصب ونمو الزرع والزهر، خصب الأرض المتمثلة (بشعائر الجنس والزواج المقدس).

وكما أخبرتكم يبدأ الآكيتو في 21 آذار وينتهي في الأول من نيسان عيد رأس السنة، حيث تقدم القرابين والنذور والأضاحي وتُسيّر مواكب احتفالية كبيرة، وتقام الألعاب الرياضية والرقصات، وكانت الاحتفالات تستمر من 11 إلى 12 يوم وفي منتصف المدة كانوا يقيمون أفراحهم وأعراسهم ويقوموا بطقوس الزواج المقدس.

كانت الأيام الثلاثة اﻷولى مخصصة لطقوس الحزن والطهارة والعمادة، واليومان الرابع والخامس أيام التكفير وطلب الغفران وتقديم الأضاحي للآلهة، واليومان السادس والسابع للأمل والرجاء، وهذان اليومان أهم أيام الآكيتو، حيث تحدث فيهما تغييرات سياسية وقانونية أي تجديد السلطة والانتخابات، ويقدم الملك تقريرا عن أعماله خلاله السنة، ويطلب من الإله الغفران وتجديد السلطان.

واليوم الثامن هو يوم القيامة، وهو من أكثر أيام الآكيتو فرحاً، وفيه تمشي مواكب الكهنة وموكب عشتار آلهة الحب والخصب والجنس، وهو إعلان عن بدء طقوس الزواج المقدس وإظهار أهمية الخصوبة والوفرة والإنجاب.

التاسع والعاشر يسير موكب النصر، وتقوم النساء ب جمع باقات الورود وسنابل القمح الأخضر وتعليقها في مداخل البيوت ليرحبوا بنيسان الخير.

وفي اليومين الأخيرين 11- 12 يكون الختام والذروة باحتفال أعياد الربيع وفيه تتقرر مصائر البشر والمدينة"... وكانت الناس تذهب فيهما إلى أشجار الصنوبر وتزينها بالاقمشة الملونة احتفالا بالعيد (ومن هنا أتت عادة تزيين شجر الصنوبر في أيام أعياد الميلاد وراس السنة).

إن عيد الآكيتو الذي اخترعه السوريون يرتكز على فكرة جوهرية وهي: "من الموت تولد الحياة، والحياة تنتهي بالموت ضمن دائرة كونية ﻻ منتهية تعرف بالمانداﻻ السورية".

وماتزال أسماء الأشهر السورية على حالها منذ القدم وهي متصلة بدورة الطبيعة والزراعة فمثلا:

نيسان الذي تبدأ به السنة السورية معناه الربيع, وأيار هو النور, وحزيران حصاد الحنطة, أما تموز ففقدان المُخَصِّب حبيب عشتار, وآب هو العَدَاء بسبب الحر الشديد (آب اللهاب) وأيلول "أولولو" شهر الولولة على "تموز" لزوال خصبه, وتشرين الأول معناه السابق, تشرين الثاني معناها اللاحق, أما الكانونين الأول والثاني فمشتقان من جذر "كن" الأكادي والآرامي ومعناه الاستقرار والثبات لأن الناس كانوا ينقطعون فيه عن العمل و يكنون في بيوتهم, وشباط ورد بلفظ إشبط الأكادي والسرياني بمعنى الضرب والجلد وبالعربي (سوط) لكثرة الرياح فيه, بينما آذار فمشتق من (هَدَر) وذلك لما يقع فيه من عواصف وسيول وهدير والناس يسمونه آذار الهدّار.

وقد حاول أباطرة روما عندما حكموا سوريا فرض أسمائهم على تقويمها مثل يوليوس وأغسطس، لكنها زالت بزوالهم.

وقد أمر "شارل" التاسع ملك فرنسا قبل أربعمئة وخمسين عاماً اعتماد التقويم الغريغوري ونقل رأس السنة من أول نيسان إلى أول كانون الثاني، وأطلق على رأس السنة السورية اسم April fool أي أحمق (غبي) نيسان، وهي عبارة كانت تطلق على أي شخص ينسى أن رأس السنة قد تم نقله من واحد نيسان إلى 1 كانون الثاني. وما يُحزن هو أن السوريين، لغفلتهم، جاروا خصوهم في الاستهزاء بتاريخهم فاعتمدوا الأول من نيسان عيداً للكذب، غير مدركين وجاهلين أنهم ضيعوا عيداً سوريا من أجمل الأعياد.