قراءة في دستورية وقانونية الإجراءات الحكومية المتخذة لمكافحة جائحة كورونا

تم النشر في: 2020-04-09 01:05:09

هاشتاغ سوريا- د.عصام التكروري

مقدمة لابد منها:

ليست جائحة كورونا شأنا صحيا صرفا، فالإجراءات التي تتخذها الدول في مواجهتها تتنوع ما بين الإجراءات الطبية،الاقتصادية،الاجتماعية،السياسية و القانونية، جميع هذه الإجراءات تشهد اليوم نقاشات عميقة في العالم اجمع، و جميعها تصب بهدف واحد: كيفية مواجهة هذه الجائحة و التخلص منها بأقل قدر من الخسائر.

سوريا ليست استثناءا من تلك النقاشات، لكن ـ وخلافا لما هو قائم في كل دول العالم ـ من لم يحظَ النقاش القانوني بالأهمية التي يستحقها، لذا ـ من هذا المنطلق ـ رأينا تسليط الضوء على الأسس القانونية المتخذة في سوريا لمواجهة جائحة كورونا وذلك عبر سلسلة من الحلقات نتناول فيها السلامة القانونية للإجراءات الحكومية المُتخذة، لكن ـ وقبل الخوض بذلك ـ لابد من التنويه على أن مجهودنا قائم على قناعتنا بأن الحلول السليمة تسند إلى أسس قانونية سليمة، من هنا نذكّر ـ وبإصرار ـ أن ما قد نتوصل إليه من نتائج قد تبين عدم تطابق الإجراءات الحكومية مع الدستور أو القانون لا يعني إطلاقا أن الإجراءات الحكومية أولى بعدم الإتباع لكن القضاء وحده ـ وعملا بالدستور ـ هو صاحب الصلاحية في تقرير ذلك من عدمه أصولا، وحتى ذلك الحين فإن جميع الإجراءات المتخذة والتي سيتم اتخاذها هي واجبة التطبيق من قبلنا جميعا لأننا وحكومتنا الموقرة على ذات المركب .

بتاريخ 24 آذار 2020 صدر عن السيد رئيس الوزراء القرار رقم 20 و القاضي بفرض حظر تجول في الجمهورية العربية السورية و ذلك بناءً على: 1. أحكام الدستور. 2. المادتين 22 و 38 من الدستور. 3. أحكام المرسوم التشريعي رقم 20 لعام 2017 المتضمن النظام الداخلي لمجلس الوزراء. 4. المرسوم رقم 203 لعام 2016 المتعلق بتشكيل الحكومة الحالية. 5. بتاريخ 25/03/2020 أعلن المحامي العام بريف دمشق أن عقوبة من يكسر حظر التجوال الجزئي التي فرضته الحكومة من الممكن أن تصل إلى ١٠ أيام حبس في السجن أو غرامة تصل إلى ألفي ليرة باعتبار أنها مخالفات أوامر إدارية عملا بأحكام المادة 756من قانون العقوبات المعدّلة. 6. بتاريخ 26/03/2020 أعلن السيد معاون وزير العدل أن عقوبة من يكسر حظر التجول هي بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبالغرامة من خمسين ألف ليرة سورية إلى خمسمائة ألف ليرة سورية عملا بأحكام المادة 13 من المرسوم التشريعي رقم /7/ ‏لعام 2007 المتعلق بقانون الوقاية من الأمراض السارية والإبلاغ عنها ومكافحتها.

ماذا يعني حظر التجول، وما مدى دستورية إعلانه بقرار عن مجلس الوزراء؟

ما مدى انسجام حظر التجول الصادر بقرار عن مجلس الوزراء مع الدستور؟

ما مدى انسجام حظر التجول الصادر بقرار عن مجلس الوزراء مع المادتين 22 و 38 من الدستور؟

ما مدى انسجام حظر التجول الصادر بقرار عن مجلس الوزراء مع أحكام المرسوم التشريعي رقم 20 لعام 2017 المتضمن النظام الداخلي لمجلس الوزراء؟

ما مدى انسجام حظر التجول الصادر بقرار عن مجلس الوزراء مع المرسوم رقم 203 لعام 2016 المتعلق بتشكيل الحكومة الحالية؟

ما مدى صلاحية المادة 756من قانون العقوبات (المعدّلة) للمعاقبة على كسر حظر التجول الصادر بقرار عن مجلس الوزراء؟

 

ما مدى صلاحية المرسوم التشريعي رقم /7/ ‏لعام 2007 المتعلق بقانون الوقاية من الأمراض السارية والإبلاغ عنها ومكافحتها بالمعاقبة على كسر حظر التجول الصادر بقرار عن مجلس الوزراء؟

لماذا يُعتبر إعلان حالة الطوارئ الصحية واجبا دستوريا وقانونيا لمكافحة جائحة كورونا؟

 

الحلقة الأولى

أسئلة سنتولى الإجابة عليها على حلقات خلال الأيام القادمة

ماذا يعني حظر التجول، وما مدى دستورية إعلانه بقرار عن مجلس الوزراء؟

حظر التجول le couvre-feu هو إجراء تلجأ إليه الدول في إطار إعلان حالة الطوارئ l'état d'urgence وفقاُ للأسس التي نصّت عليها دساتيرها، وللقواعد التي حددتها قوانين الطوارئ النافذة في كل منها، والتي تحدد قواعد إعلان حالة الطوارئ و رفعها،والواجبات التي تقع على عاتق سلطات الدولة الثلاث (وخصوصا السلطة التنفيذية) لمواجهة الظروف الاستثنائية، إضافة إلى الحقوق و الحريات التي يتم تعليقها بموجب إعلان حالة الطوارئ، والمؤيدات التي يتم فرضها بحق المخالفين, مما تقدم يتضح جليا الخطورة التي يشكلها تدبير حظر التجول على جملة من الحقوق و الحريات التي كفلها الدستور للمواطنين، لكن الخطورة الأكبر في تقديرنا تكمن في المثابرة على العمل فيها لأنَّ ذلك يتضمن عرقلة للجهود المبذولة لمواجهة الظروف الاستثنائية التي تشكل خطر حالا و محدقا على تلك الحقوق والحريات كالخطر الناجم عن حالات الحروب والاضطرابات الأمنية و الكوارث الطبيعية والتي تندرج ضمنها انتشار الأوبئة و الجائحات.

لم يغفل المشرع الدستوري في كل دول العالم عن حقيقة أن تلك الظروف الاستثنائية بحاجة إلى قوانين استثنائية لمواجهتها فكان " قانون الطوارئ" الذي يمكن الدولة من اتخاذ تدابير استثنائية لمواجهة تلك الظروف الاستثنائية، لذلك وجدنا اليوم أن جميع دول المعمورة التي تكافح كورونا لجأت إلى إعلان "حالة الطوارئ الصحية" كجزء لا يتجزأ من " خارطة الطريق العالمية" لمواجهة الجائحة، جميع الدول باستثناء الجمهورية العربية السورية. في سوريا، وضع دستور 2012 أساس إعلان حالة الطوارئ وفقا للمادة 103 التي نصت على أنه "يُعلن رئيس الجمهورية حالة الطوارئ ويُلغيها بمرسوم يُتخذ في مجلس الوزراء المنعقد برئاسته وبأكثرية ثلثي أعضائه، على أن يُعرض على مجلس الشعب في أول اجتماع له، ويبين القانون الأحكام الخاصة بذلك".

الأحكام الخاصة بقانون الطوارئ جرى توضيحها في المرسوم التشريعي رقم 51 الصادر في 22 كانون الأول 1962 حيث نصّت المادة الأولى منه على أنه " يجوز إعلان حالة الطوارئ في حالة الحرب أو قيام حالة تهدد بوقوعها أو في حالة تعرض الأمن أو النظام العام في أراضي الجمهورية أو في جزء منها للخطر، بسبب وقوع اضطرابات داخلية أو وقوع كوارث عامة". أما المادة الثانية فقد نصت على إعلان حالة الطوارئ بمرسوم يُتخذ في مجلس الوزراء المُنعقد برئاسة رئيس الجمهورية وبموافقة بأكثرية ثلثي أعضائه، على أن يعرض على مجلس النواب في أول اجتماع له، المادة الثالثة من قانون الطوارئ نصت على أنه عند إعلان حالة الطوارئ يُسمى رئيس مجلس الوزراء حاكما عرفيا، وتوضع تحت تصرفه جميع قوى الأمن الداخلي والخارجي، و يكون له الحق في تعيين نائب أو أكثر له مرتبطين به، و يمارسون الاختصاصات التي يفوضهم بها ضمن المناطق التي يحددها لهم بمرسوم، ومنحت المادة الرابعة الحاكم العرفي أو نائبه سلطة إصدار أوامر كتابية باتخاذ جميع القيود أو التدابير الواردة فيها ويأتي من ضمنها حظر التجول و إغلاق الأماكن و المحال وإخلاء بعض المناطق أو عزلها وتنظيم وسائل النقل وحصر المواصلات وتحديدها بين المناطق المختلفة.

و قد جعل القانون للحاكم العرفي أو نائبه الحق بأن يصدر أوامر كتابية باتخاذ جميع القيود أو التدابير الآتية أو بعضها، وأن يحيل مخالفيها إلى المحاكم العسكرية ، كذلك منحه صلاحية تحديد العقوبات التي تفرض على مخالفة هذه الأوامر على أن لا تزيد على الحبس مدة ثلاث سنوات وعلى الغرامة حتى ثلاثة آلاف ليرة سورية أو إحداهما، مبيناٌ أنّه إذا لم تحدد الأوامر العرفية عقوبات محددة على مخالفة أحكامها فيُعاقب على مخالفتها بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر وبغرامة لا تزيد على خمسمائة ليرة سورية، أو بإحدى هاتين العقوبتين،كل ذلك مع عدم الإخلال بالعقوبات الأشد المنصوص عليها في القوانين الأخرى.

و الجدير بالذكر أن المادة الخامسة المرسوم التشريعي رقم 51 لعام 1962 أجازت لمجلس الوزراء المنعقد برئاسة رئيس الجمهورية توسيع أو تضييق دائرة القيود و التدابير الواردة في المادة الرابعة أعلاه بمرسوم يعرض على مجلس النواب في أول اجتماع له، التأكيد على صلاحية المجلس بتضييق دائرة القيود والتدابير يكون "بحسب الحالة التي استدعت إعلان حالة الطوارئ"، بمعنى أن القيود والتدابير المتخذة لدى إعلان حالة الطوارئ بسبب الكوارث الطبيعية أو الأوبئة والجائحات تختلف عن تلك التي يتم تبنيها لمواجهة العدوان الخارجي أو الاضطرابات الداخلية، فضلا عن إمكانية التضييق كلما ضعف وجود الخطر الذي استدعى إعلان حالة الطوارئ وصولا إلى رفعها لدى تلاشيه بكل ما يعنيه ذلك من عودة لممارسة الحقوق الدستورية بدون قيود باستثناء تلك المفروضة في القوانين العادية و التي يُفترض أنها لا تتعارض مع الدستور.

المادة السادسة من قانون الطوارئ حددت على سبيل الحصر الجرائم الواجب إحالتها إلى المحاكم العسكرية، مع الأخذ بالاعتبار إمكانية قيام الحاكم العرفي باستثناء بعضاٌ منها من بحسب المادة السابعة. مما تقدم نسجل من حيث المبدأ الملاحظات التالية: أولاً: حظر التجول هو تدبير استثنائي لمواجهة ظروف استثنائية نص عليه قانون الطوارئ الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 51 الصادر في 22 كانون الأول 1962، وحدد شروط فرضه والعقوبات المتخذة على كسره، وبالتالي يكون فرضه بقرار عن مجلس الوزراء إجراء غير دستوري، كما ويخضع لرقابة مجلس الدولة السوري لمخالفته مبدأ المشروعية. ثانياً: أن قانون الطوارئ المعمول به في سوريا بحاجة إلى تعديلات جوهرية لأسباب كثيرة يصعب شرحها هنا، لكن أهمها

ثانياً: أن قانون الطوارئ المعمول به في سوريا بحاجة إلى تعديلات جوهرية لأسباب كثيرة يصعب شرحها هنا، لكن أهمها على الإطلاق هو ضرورة منح موقع رئيس الجمهورية الأهمية التي منحه إياها الدستور باعتبار سوريا تتبنى النظام شبه الرئاسي، فقانون الطوارئ الحالي تم وضعه لينسجم مع متطلبات النظام البرلماني الذي عرفته سوريا لفترات طويلة بدءا من عام 1918 حتى 1962، و كان الناظم الحقيقي للعمل به دستور 1930 الذي ظل معمولا به حتى تاريخ انقلاب حسني الزعيم على الرئيس شكري القوتلي في 30 آذار 1949 (مع تعديلات عديدة طرأت عليه)، إضافة إلى دستور1950 ،ذلك الدستور العابر للانقلابات التي عرفتها سوريا في الفترة الواقعة ما بين تاريخ انقلاب سامي الحناوي على حسني الزعيم (13 آب 1949) و تاريخ الانقلاب الأول لأديب الشيشكلي (30 تشرين الثاني 1951) الذي علّق العمل بدستور 1950 حتى 11 تموز 1953 وذلك عندما انتهى من وضع دستور 1953 والذي أقام نظام حكم رئاسي ظل سارياً حتى سقوطه في انقلاب 25 شباط 1954 ، لنشهد بعد ذلك عودة نظام الحكم البرلماني بموجب دستور 1950 و عودة الرئيس هاشم الأتاسي للرئاسة، واستمراره رئيسا حتى 6 أيلول 1955 ، ليخلفه بعد ذلك ـ في 15 آب 1955 ـ الرئيس شكري القوتلي الذي بقي رئيسا بموجب دستور 1950 حتى الأول من شباط 1958 تاريخ توقيع الاتفاق السوري ـ المصري والذي تضمن إعلان الوحدة بين البلدين، و ليتم الإعلان عن انتهاء العمل بدستور 1950 واستبداله بالدستور المؤقت في 5/3/1958 الذي أقام نظاماً رئاسياً منح فيه الرئيس جمال عبد الناصر صلاحيات كبيرة، وليستمر حتى تاريخ الانفصال في 28 أيلول 1961، ضمن هذا المنظور ظهر قانون الطوارئ الصادر المرسوم التشريعي رقم 51 الصادر في 22 كانون الأول 1962، منظور يكرس فلسفة النظام البرلماني حيث الصلاحيات المحدودة لرئيس الجمهورية مقابل سلطة رئيس الوزراء، ما تقدم يُشكل بتقديري واحدا من أهم الأسباب التي توجب تعديل قانون الطوارئ النافذ على ضوء الصلاحيات التي تنسجم مع النظام شبه الرئاسي التي منحها دستور 2012 ( و من قبله دستور 1973) لرئيس الجمهورية في الظروف الاستثنائية ( كما سنرى لاحقا)

*د.عصام التكروري: رئيس قسم القانون العام في كلية الحقوق-جامعة دمشق