وباء كورونا- مخصصات المواجهة... سورية تحديات كبرى

تم النشر في: 2020-05-29 20:14:56

جميع الدول على المستوى العالمي أمام تحديات اقتصادية وصحية هائلة... ضمنها دول منطقتنا التي قد تتعقد فيها الأمور أكثر من غيرها

هاشتاغ سوريا- عشتار محمود

تشير التقديرات الدولية إلى أن إجراءات الإغلاق والحجر عبر العالم قد طالت حوالي 3 مليار شخص في أكثر مناطق العالم استهلاكاً ونشاطاً اقتصادياً ضمن آسيا وأوروبا والولايات المتحدة... وهذه الإجراءات التي بدأت تتراجع تدريجياً وبنسب متفاوتة لا تزال مفتوحة على احتمال أن تتشدد مجدداً وخصوصاً أن معظم دول العالم لم تتجاوز ذروة الوباء أو حتى لم تبلغها، والجميع على المستوى العالمي أمام تحديات اقتصادية وصحية هائلة... ضمنها دول منطقتنا التي قد تتعقد فيها الأمور أكثر من غيرها.

وباء كورونا... مخصصات المواجهة بين سوريا والإقليم

مع انتشار جائحة كورونا فإن دول المنطقة (المسماة في الأدبيات الدولية الشرق الأوسط وشمال إفريقيا) فرضت جميعها قيوداً على السفر وأغلقت حدودها ومنعت التجمعات، بينما نسبة 90% منها أغلقت المدارس وخفضت ساعات العمل، ونسبة 80% منها تقريباً فرضت إغلاقاً عاماً وأعلنت حالة الطوارئ...

بدأت إجراءات الرفع التدريجي أو المتسارع للحظر في كافة دول المنطقة بدرجات متباينة، وبعض الدول التي خففت القيود مثل لبنان والأردن عادت لتشديدها نسبياً مع ارتفاع نسبة الانتشار، بينما يبدو أن سوريا قد تكون على هذا الطريق أيضاً نظراً للارتفاع الكبير في عدد الإصابات والرفع السريع لكافة القيود تقريباً.

ولكن مواجهة الوباء ليست صحية فقط، بل إن التحدي الأكبر هو في الأزمات الاقتصادية المرتبطة بالوضع الاقتصادي العالمي المضطرب وبتوقف النشاط الاقتصادي المرتبط بكورونا وغيره، التي تهدد دول المنطقة النفطية وغير النفطية بأزمة ركود عميقة ستحتاج لتمويل واسع ليتم إنقاذ الحلقات الاقتصادية المتضررة.

المخصصات الصحية المباشرة

عدا عن إجراءات الإغلاق التي سادت في المنطقة، فإن التعامل مع الوباء أخذ شكل مخصصات دعم من الماليات العامة لمواجهة الوباء من ضمنها زيادة الإنفاق الصحي وتأمين الفحوص والاختبارات وتوسيع المستشفيات وعمليات التعقيم العامة وغيرها. وقد بلغت هذه المخصصات نسباً من الناتج تختلف بين دول المنطقة النفطية وغير النفطية. فبينما خصصت دول المجلس التعاون الخليجي نسبة 3.2% من ناتجها الإجمالي وسطياً، فإن الدول النفطية الأخرى خصصت نسبة أعلى 3.8%، أعلاها في الجزائر بنسبة 8% من الناتج، وفي إيران والبحرين بنسبة 6%، وفي السعودية بنسبة 5% تقريباً. ومجموع المخصصات في الدول النفطية فاق 70 مليار دولار للاستجابة المباشرة للوباء.

أما الدول المستوردة للنفط فإنها بإمكانياتها المالية الأقل لم تستطع أن تخصص مبالغ كبرى، وقد بلغت قرابة 0.4% من الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول ومن بينها مصر وتونس ولبنان وسورية والأردن.

دعم السيولة والتضرر

المخصصات الصحية المذكورة، لم تكن كل شيء... فمعظم الدول اضطرت أن تخصص سيولة لدعم القطاعات المتضررة سواء من التوقف بسبب الوباء أو من الأزمات الأخرى التي تلم بدول المنطقة: أزمة النفط، الصراعات، العقوبات وغيرها.

وهي مخصصات سميت بدعم السيولة وتركزت في دول مجلس التعاون الخليجي، إذ بلغت نسبتها الوسطية 10% من الناتج المحلي الإجمالي، أعلاها نسبة في البحرين التي خصصت لدعم القطاعات وتجاوز الأزمات نسبة 28% من ناتجها المحلي الإجمالي، وفي قطر قرابة 10%.

أما الدول غير النفطية فلم تسجّل مخصصات مستقلة كبيرة لدعم القطاعات، بل تداخلت مخصصات الإنفاق الصحي مع دعم القطاعات والمجتمع والصحة كما في الحالة المصرية.

مصر نموذجاً

لم توضح الحكومة المصرية تفاصيل توزيع المخصصات التفصيلية التي أعلنتها لمواجهة الوباء والتي ستقارب 100 مليار جنيه مصري: أقل من 2% من الناتج المحلي الإجمالي.

من ضمنها توزيعات على العاملين المتعطلين في القطاعات غير المنظمة بمعدل 500 جنيه للعامل خلال 3 أشهر، وصلت الدفعة الأولى منها إلى 1.6 مليون عامل، وحتى الآن تمّ دفع مبلغ: 800 مليون جنيه وفق تصريحات وزير القوى العاملة في تاريخ 25-5. حيث يبدو إن مخصصات تعويض العمال هي رقم قليل من الإجمالي، وقد لا تتجاوز 3 مليار جنيه بمعدل 1500 جنيه موزعة على أكثر من 2 مليون مستفيد. ولكن الملفت بالمقارنة مع توزيع المساعدات السورية النقدية للعمال المهنين المتعطلين أن التوزيع في مصر تمّ بشكل أسرع، إذ تم توزيع الدفعة الأولى عبر مكاتب البريد وفروع بنك التنمية والائتمان الزراعي البالغ عددها 5700 منفذ وفرع، وتم التوزيع أيضاً عبر 600 مدرسة.

ولكن تعويضات العمالة غير المنظمة المذكورة ليست كل شيء، إذ تم إلزام شركات قطاع السياحة المصرية المنظمة بصرف رواتب العمال وإبقائهم، وجزء منها سيتم بين الحكومة والشركات عبر صندوق إعانات الطوارئ ومساعدة شركات التأمين، كما ألزمت الشركات بإعطاء النساء العاملات  الحوامل أو ممن لديهن أطفال دون 12 سنة إجازة استثنائية مدفوعة الأجر.

أما في الإجراءات العامة المتعلقة بقطاع الأعمال فقد فتحت مصر قروضاً سريعة للمشروعات المتضررة بحد أقصى مليون جنيه، وخفضت أسعار الطاقة وأسعار الفوائد، وتحدثت الحكومة عن دعم للمصدرين بعدة مليارات، وكل هذا يندرج ضمن خطة الاستجابة البالغة 100 مليار جنيه كما ذكرنا سابقاً، مع العلم أن الخسائر الاقتصادية من التوقف وصلت حتى الآن إلى 105 مليار جنيه.

سوريا... تحديات كبيرة

لم يكن الإنفاق العام الحكومي قادراً على مواجهة التحديات الاستثنائية للكارثة الإنسانية السورية، حتى قبل أزمة الوباء... وقد ازدادت الصعوبات صعوبة إضافية مع خطر الجائحة. وبينما قدرت الجهات الدولية أن سورية ستحتاج إلى 385 مليون دولار لمواجهة الوباء خلال عام، فإن مخصصات الأمم المتحدة لم تصل إلى 23 مليون دولار حتى الآن، ويبدو أن المواجهة ستعتمد على انتظار المعونات والمساعدات الدولية، مع التقشف المستمر في المالية العامة وضعف الأداء الحكومي.

يتضح حتى الآن أن المخصصات الحكومية تصرف على استيراد مستلزمات الاختبار، التي أتى جزء منها بالمساعدات الدولية أيضاً، ويبدو أن توسيع الاختبارات غير متاح إذ لا يتم إجراءه على نطاق واسع بل بحالات محددة، مثل القادمين من الخارج، وأخذ عينات من المحافظات، أو للحالات المشتبه بها التي تتوجه للمشافي العامة، وفق تقارير منظمة الصحة العالمية. أما في تجهيز مراكز الحجر فيبدو أن الإمكانيات الحكومية أيضاً محدودة وهو ما يظهر من الانتشار السريع للوباء بين القادمين المجمّعين في مراكز حجر وبأعداد كبيرة نسبياً في الغرفة الواحدة ما يشير إلى محدودية تأمين المرافق الكافية لتوزيعهم على مراكز أكثر وتخديمهم بشكل جيد في هذه المراكز.

كما أن الاستجابة الحكومة لدعم المتعطلين ضاقت لتشمل 400 ألف شخص فقط سيحصل كل منهم على مبلغ 100 ألف ليرة لمرة واحدة أي 40 مليار ليرة فقط لدعم الفئات الأكثر تضرراً من العمالة غير المنتظمة وذوي الإعاقة والمسنين، وحتى الآن استفاد قرابة 47 ألف من هذه (المساعدة)!

التحدّي الصحي الأكبر سيكون في قلة التجهيزات الطبية وقلة أعداد أسّرة المشافي للعناية المركزة التي ستظهر في حال توسّع انتشار الوباء... وحتى الآن لم نسمع تصريحات عن زيادة أعداد المنافس أو أعداد المشافي والأسرة بل يتم الحديث عن تخصيص مشافي للعزل ما سيشكل ضغطاً على الحالات الصحية الطارئة الأخرى.

أما في الدعم الاقتصادي للقطاعات فلا يبدو أن لدى الحكومة قدرة أو نيّة، ولذلك فإنها سارعت إلى إلغاء الحظر وإتاحة النشاط الاقتصادي نظراً لعدم قدرتها على تحمّل مزيد من التراجع الاقتصادي، فكورونا لم يكن ولن يكون التحدي الأكبر (حتى الآن) أمام الإنتاج السوري... الذي يواجه مصائب العقوبات وتدهور قيمة الليرة وتوسع المضاربة والقطاع الأسود وغياب دور اقتصادي إنتاجي فعّال للحكومة.

فالسياسات التي لا تستطيع أن تقف في وجه تحدّي الجوع الذي طال 8 مليون سوري، لن تستطيع أن تنتشل عموم القطاع الاقتصادي في ظرف تراجع إقليمي ودولي عام وتشديد العقوبات!