إلى بيروت الدامية ... شرفة مطلّة على البهاء!

تم النشر في: 2020-08-05 18:30:47

هاشتاغ سوريا- وسام كنعان
كانت دمشق تمطر دماً! أواخر سنة 2012 في الشتاء الموحل الذي سبقه مطر أسود لم يعن أصحابه أن تذهب البلاد إلى بحر من خراب؟! تلته سنوات عجاف مطليّة باللحم البشري المشوي، والدماء المتساقطة من كلّ صوب. العيون عند إشارات المرور كانت تشرد في رحلة عدّ تنازلي نحو الرحيل المفاجئ، وهو يتربّص بنا من كلّ حدب! لم يعد للطريق أي معنى سوى الموت. التشييع يجرّه تشييع، والسيارات المفخخة والانتحاريون ينزعون فتيل قلوبهم التي أصبحت قنابل موقوتة تتوعدنا بحتف محتوم، نحن وعائلاتنا، وأماكننا، وذكرياتنا، وكلّ ما نحب، فقط لأننا لا نريد أن تولع الحرب أكثر،  أو لأننا نعيش في مناطق سيطرة الدولة السورية! 
في تلك الأثناء كانت «جريدة الأخبار اللبنانية» تعيد ترتيب البيت الداخلي، وكان عليّ أن أوضب حقائبي، وأقصد مكاتبها في «الكونكورد سنتر» منطقة «الفيردان» على كتف الحمرا. دون أي مزايا إضافية سوى علاوة في الراتب، وقلوب أصدقاء معدة لدعمنا بكل ما أوتيت من نبض! قطعت سيارة الأجرة الحواجز والبوابة الحدودية، والمسافة القصيرة نسبياً بين الشام وبيروت، وارتميت في الليلة الأولى على فراش قذر في «الزيكو هاوس» ليلتها أتاني اتصال من صديقة لبنانية افتراضية قدّمت كلّ ما تمكّنت تقديمه من دعم معنوي، قبل أن تسأل إن كان بإمكانها أكثر! مرّ الوقت بطيئاً كغشاوة على عيني مصاب بجلطة دماغية، لكن سريعاً عثرت على شقة في بناء قديم في شارع الحمرا الرئيسي! البناء الذي أعدت تموضعي فيه مرّات عديدة، كان بمثابة موطئ قدم لكل سوري عابر لا يعرف هداية أو دليل! إلى أن صار جزءاً من ذاكرتي، وسنوات انهيار بلادي وسقوطها الحر نحو القاع. خلافاً لآلاف السوريين الذين نالهم نصيب من عنصرية، ومعاملة سيئة، وغير ذلك، من قبل أصوات نشاز لا تخلو منها أي بلد! كنّا معززين مكرّمين بطريقة استثنائية! أذكر تماماً ذلك اليوم الذي اقتحم فيه رئيس التحرير ابراهيم الأمين اجتماعاً ليقول بأنني أهل القضية، ويحق لي في الشأن السوري ما لا يحق لغيري! كما يخطر في بالي الآن مئات الاتصالات التي كان يجريها زملائي، لحل مسائل السوريين العالقة، وبعضهم نجوم ومشاهير، منهم من كان يحسب نفسه على «المعارضة» في لحظة ما، لكنّه سوري مغلوب على أمره! أذكر تماماً كيف تعثّر قريب لي دمّرت منطقته بالكامل في سوريا، في الكلام أمام عنصر الأمن العام اللبناني أثناء تجديده أوراق إقامته، فختم له بوجوب مغادرة البلاد خلال 15 يوماً، ولم يكن ممكناً طيّ القرار الجائر، إلا بموافقة مدير إدارة الأمن العام اللبناني اللواء عباس إبراهيم شخصياً، والرجل السوري لا يملك مكاناً آخراً يقصده، حينها هرع أحد الزملاء حاملا الملف على عاتقه، حتى انتزع الموافقة، ومازال الرجل يعيش ويترزق في لبنان حتى تاريخنا الحاضر! أذكر كيف همهم موظف المحاسبة في أحد المجمّعات التجارية بكلام عنصري ضد السوريين، فغسلت قدره زميلة لبنانية كانت ترافقني قبل أن ألتقط فرصة الامتعاض لما حدث حتى!
لكن أكثر ما أتذكرّه أنه بعد وصولي بأيام قليلة مرّت ليلة رأس السنة. وقد احتضنني أحد بيوت بيروت المطلّة على المرفأ المكلوم اليوم، حتى ساعات الصباح الأولى. كما فعلت بيوت عامرة بالحب في أعياد لاحقة في: بيروت، وصيدا، وصور، والنبطية، والجاهلية، وأنطلياس، والبترون ، والشمال ومختلف أنحاء لبنان الجريح منذ استقلاله! خطر على بالي مقال الزميل بيار أبي صعب يوم اشتدت العنصرية ضد السوريين فختمه بالقول: «السوريون اليوم بين أهلهم وناسهم إلى أن تشعّ دمشق على الوطن العربي والعالم» وتذكّرت  المغني الملفت ربيع الزهر الذي كان يقول للسوريين في «البارو متر» وهو صاحبه: «ادفع ما تقدر عليه وإن كنت لا تقدر على الدفع فأنت على حسابي»
تذكرت ليلة وفاة الفنان التشكيلي السوري نذير نبعة، وكيف قلبنا صفحاتنا في الجريدة عند العاشرة ليلاً، وما انتهينا حتى الثانية فجراً بإشراف زميلتنا مسؤولة قسم الثقافة والناس أمل الأندري.. وكيف صحوت على هاتف في اليوم التالي يفيد برحيل شقيقي في دمشق، بعدما سبق لي أن ودّعت شقيق آخر بنفس الطريقة سنة 2011 أي  إسفلت الشارع وحديد السيارات! كنا في ذاك اليوم شبه إجازة بسبب الجهد الكبير الذي بذلناه. سريعاً قطعت أمل إزدحام بيروت من الأشرفية إلى الحمرا! حملتني بسيارتها الصغيرة وأمضت بضع ساعات في تهدئتي ومحاولة إقناعي بأن أكف عن قرار المغادرة نحو الشام دون جدوى. تناولت حبتي مهدئ لتتمكّن من تهدئتي! أتذكر الشرفة التي بكيت عليها وأنا أهاتف أمي وهي تقول لي : تعال لأخوك إن كنت تستطيع! هي الشرفة ذاتها التي سحقها الانفجار يوم أمس، وبقينا ساعة كاملة نحاول التقاط صوت صاحبتها المرتجف!

كلّ تلك الذكريات وغيرها الكثير من أوقات التيه المطلق، في رمال القلق، والخوف، وترقّب المصائب، هجمت دفعة واحدة، بينما كانت بيروت تصمّ أذنيها من شدّة الصوت المدوّي. كل تلك السنوات المتلاحقة بالوجع والصراخ، مرّت بومضة، فيما الجثث تتعالي في الهواء، لا تجد مستقر لها وكأنه يوم حشر من نوع الوعيد المنتظر. فيما بقايا الجدران المهشمة تصطبغ بالأحمر القاني. بيروت المدمّرة نامت ليلة الأمس عارية مثقلة بجراحها! شارع الحمرا الذي لم شتاتنا نحن السوريون لسنوات طويلة كنا سلاطينه كما لا يجرؤ غريب في بلد آخر، غفى على لهيب نزيفه. واجهة البلاد البحرية أبيدت. المرفأ دخل في ماض غابر. مستودعات من الأدوية للأمراض المستعصية وأطنان من القمح وغيرها من المؤمن دثّرها الرماد. مشاف كاملة خرجت عن الخدمة ورفعت الراية البيضاء. كل ذلك بكوم ومشهد الرجل الذي يحاول أن يحمي ابنه بمنتهى العجر ومن ثم يضعه تحت طاولة بكوم آخر. مطارح المدينة المهدمة والمكلومة أكثر من بيوتها السليمة! صاحبة الجرح كانت ست الدنيا وستبقى. وما علينا سوى أن ندثّرها بالحب ما حيينا. منها الوجع وعلينا الأنين، والعار سيلاحق كلّ وضيع ساءه التضامن السوري الواسع، والذل سيطفح من الوجوه الشامتة القذرة! 
بيروت: انهضي من تحت الركام يا تفاحة هذا الشرق، ولؤلؤته المتباهية على واجهة البلاد! كما خبأتني في روحك سنوات، سأمضي بقية عمري أخبؤك في قلبي، واحتفظ بصورتك المتوهجة يا أم العواصم بعد الشقيقة الكبرى دمشق!