إلى والدة مصطفى المصطفى... في الريف الأسمر المنسي!

تم النشر في: 2020-08-19 11:34:18


هاشتاغ سوريا- وسام كنعان 
قرابة الصيف الماضي كان علينا أن ندخل أحد مقاهي الشعلان على رؤوس أصابعنا، لنعرف من تلك المرأة الريفية السمراء البسيطة التي تجلس مع النجم الشاب مصطفى المصطفى. ربما لأننا لم نعتد أمّاً بهذا الزي المطرّز بالطيبة المفرطة والابتسامة العالية، كأنها وجه الله في لحظة صفاء آسرة، وهي تجالس ابنها وحيدين في الازدحام العامر! لم يحتج الموضوع إلا بضع دقائق لنعرف بأن السيدة المسيجة بالرضا عن كل شيئ، هي أمّه القادمة من المنفى. جرابلس! المكان البعيد حتى التعب. مسقط رأس الممثل الأسمر، ومرتع ذكرياته. تراكم سنوات دبيبه عندما ولدته تلك المرأة المكلومة مثل كلّ أم سورية اليوم. خزّان التفاصيل التي شكّلت لاوعيه، والمنطق التأسيسي للإنطلاق إلى العاصمة. كأنها مدينة من حلم، أو مزيج من ضباب وألوان زاهية معاً. جرابلس المنكوبة بفيض من المسلّحين، وأطماع لصّ حلب والعثماني الصغير. جرابلس العتم الذي طوّق غالبية أهلها البسطاء. ترى ماذا يعني اسم هذه المدينة؟! من المؤكد بأنها مثل كل البقع الجغرافية السورية الموغلة في القدم والحضارات المتعاقبة، لكّنها بلغة الحرب السورية تعني أن يموت شقيق مصطفى الوحيد ولا يستطيع وداعه! أن يقبع في الشام ليغسل جسد أخيه بدموعه. يعني أن تشيّعه تلك الأم المفجوعة، وحيدة دون أن تتمّكن من عناق ابنها الآخر. أن تزف الأمهات أبناءهن إلى القبور، يعني أن الحياة سارت عكس قوانينها، والضرب مبرح بدون شفقة، وتحت الحزام مباشرة. لكن أن تحرم أم من عناق ابنها، وهما في بلد واحد يتآكل مترنّحاً من شدّة الحرب، لا يعني شيئ سوى أن تسألوا من دفن أخوته صامتاً، وعانقته أمه علّها تستعيد رائحة أخوته الميّتين! يعني أن تمضي تلك الأم آخر تسع سنوات دون أن تتمكن، من رؤية ابنها، إلا مرّة واحدة هي تلك التي كنّا نمشي على رؤوس أصابعنا في المقهى الزجاجي الذي يخبّئه مع والدته خلف نوافذه. وعلى نول هذه الحالة الإنسانية، التي تحرث القلب، يمكن أن ينسج آلاف القصص المشابهة. لن يتاح لنا معرفتها، لأن بطلها لم يكن سوى شخص بسيط سيطويه النسيان دون أن يلمح ذكراه أحد! 
مناسبة الحديث هو أن يتعرض الممثل الشاب خلال أسبوع واحد لحادثتين منحدرتين وتعد صريح بالمعنى الدقيق للكلمة. الأولى لم يسمع بها أحد سوى بعض الأشخاص الذين صودف تواجده معهم، أثناء اتصال تلقاه من إحدى الدخيلات على كواليس الفنيين، انتهى بشتيمته بطريقة منحدرة لأنه طلب الالتزام ببديهيات المهنة ، والثانية جرت على الملأ، بعدما أجرى المخرج محمد عبد العزيز مقابلة مع برنامج et بالعربي فسألوه عند مشهد تقاسمه مصطفى مع أمل عرفة، في مسلسله «شارع شيكاغو» والذي يلعب فيه خريج «المعهد العالي للفنون المسرحية» دور «خزمتجي» لمغنية كباريهات تمنحه مالاً كي يحوله لأمه، فيقبل قدميها أثناء تغسيلهما؟! ما الغريب في ذلك، وأين خدش الحياء! طيب، ماذا بخصوص كل هذا العهر الفكري، والفساد المؤسساتي، والبرلمانيين المغيبين، والوزراء الأصنام، والتهاوي المريع الذي نعيشه يومياً وعلى كل الأصعدة؟ ألم يستفز أو يخدش حياء صبية الفايسبوك، الذين التقطوا المشهد، وشنّوا ضدّ المصطفى حرباً كلامية طاحنة، لا طائل منها كونها ساذجة، أمية، لا تبني رأيا منطقياً واحداً يعتمد الانفتاح، أو السوية النقدية المحكمة، ولو بحدودها الدنيا! طبعاً لم يمر أي شخص مؤثر، أو مكرس في قائمة الشاتمين. المحزن بأن بعض الرعاع طالت ألسنتهم تلك الأم البهية السمراء التي أسلفنا الحديث عنها! هي حتماً لا تملك حساباً على فيسبوك، ربما يكون هناك من أخبرها بأن ابنها يُشتم، لأنه خلع ثوبه، وجرب ارتداء مفرادت الشخصية التي يؤديها، ويمتثل سلوكياتها. هذا احتراف بعلم التمثيل، لكنّه انحدار بمنطق الرجعية السائدة على السوشال ميديا المحلية! على أية حال، قد يكون عناها أن ولدها أدى بصدق، وتمكّن من انتزاع ضحكها بلغته. 
لم يجد الممثل الشاب من يتضامن معه، كما حصل من حملة مصنوعة عند طرح بوستر العمل نفسه، لكنّ يحق له الاحتفال بإعجاب والدته وسحر أمومتها الهادر ولو من بعيد!