غيّبهم كورونا مخلصين لا مهملين.. يحيا جيشنا الأبيض

تم النشر في: 2020-09-12 11:52:19

هاشتاغ سوريا - مالك معتوق


25 أسبوعاً مرت على السوريين منذ تسجيل الحالة رقم صفر بكورونا في 23 آذار الماضي.

شكّل الفيروس تحدياً غير مسبوق للسوريين بحكم الظروف الصعبة، التي فرضتها سني الحرب الطويلة. قد يقول قائل إن الشعب السوري بعد تسع سنوات أو تزيد من الحرب والحصار ما عاد يعرف الخوف. ولكن عندما هاجم كورونا أطباء سورية باعتبارهم خط الدفاع الأول، وبأعداد وزمن يفوق ما هو متوقع، بدأ الخوف ربما، يتسلل إلى قلوب السوريين، واستشعروا الخطر.

ورغم أن الأيام القليلة الماضية شهدت تصريحات عدة متطابقة من مصادر طبية مختلفة، تبشّر السوريين بانحسار الفيروس، واستقرار منحناه، إلا أن مقياس الخوف من كورونا ظل مرتبطاً بما يغيّبه من ضحايا في صفوف الكادر الطبي. تماماً كما أن الأمل في عدم عودته مرتداً في موجة ثانية مرتبط بالكادر الطبي الذي يواجهه، والذي يدين له الجميع في هذه الأوقات بشكل خاص بالفضل والامتنان، لقلة وسائل الحماية التي يمتلكها في هذه المواجهة مع فيروس أرهق الأنظمة الصحية في أكثر الدول تقدماً، فما بالك ببلد كسورية أنهكت الحرب والحصار قطاعها الصحي، حتى قبل أن يظهر كورونا في ووهان، ويمارس نشاطه في التطور الجيني وصولاً إليها؟! 

ظنّ البعض -وبعض الظن إثم- أن كورونا "قدر" رفع يديه عن كادر سورية الطبي منذ ال25 من آب الماضي، حيث لم تسجل -على حد علمنا- حالات وفاة لأطباء بالفيروس، قبل أن يعود في 2 و3 أيلول الجاري بهجمة جديدة، ملتقطاً الأنفاس الأخيرة للطبيبن شوقي نظام اختصاصي الجراحة العظمية، والدكتور أديب يونس محمود المدير العام السابق لمشفى المجتهد، جراء تدهور حالتيهما الصحية بعد إصابتهما بالفيروس.

أيام قليلة قبل ذلك في 25 آب الماضي رحل الدكتور أحمد أكرم كامل الحرش مدير بنـك الدم بدمشق سابقاً.

وفي يوم واحد، 19 آب، فقدت اللاذقية الطبيب أسامة هارون، الذي يعتبر بالنسبة لأهالي المحافظة قامة علمية كبيرة. كما ودعت حلب الطبيبة منى جرجس فتال. 

حلب التي كانت شهدت، وقبل أيام من إلقاء نظرات الوداع الأخيرة على الدكتورة منى، وفاة خمسة من أطبائها في يوم واحد متأثرين بإصابتهم هم جاني حداد،  مكرم خوري، شارل توتل، أنمار حافظ، وعبد الخالق الهاشمي.

ورحل مع الراحلين في 16 آب، الدكتور مروان الصيدلي، مدير مستشفى العربي الجديد، بدمشق. والأستاذ الدكتور تمام الأشقر المدرس في كلية الطب بجامعة دمشق.

سبقهما ب 24 ساعة، رحيل الطبيب الشاب محمد هشام التقي، أخصائي الجراحة التجميلية في مستشفى المجتهد بدمشق، بعد معاناته من فيروس كورونا، ويعتبر الدكتور “التقي” أصغر الأطباء المتوفين سناً حتى الآن، ويبلغ من العمر 33 عاماً.

وكأنّ الموت، الذي يقول المثل الدنماركي "إنه يختار الأدسم بين ضحاياه" كان على موعد في 4 آب مع الطبيب رياض عجوز في دمشق، بعد تردي حالته الصحية، عقب إصابته بأيام.

وفي نفس اليوم، قضى الأستاذ الدكتور مجيب ملحم أستاذ طب الأطفال والأمراض الإنتانية بكلية الطب بجامعة دمشق نحبه متأثراً بإصابته.

ساعات قبل ذلك، غيّب كورونا الطبيب الجراح نبيل الصفـدي بريف دمشق، وفي ذات الصباح الحزين رحل طبيب الأطفال سهيل جزارة، أعقبه وفاة الطبيب محمود غبور.

24 ساعة قبل ذلك، وتحديداً في 3 آب، توفي الأستاذ الدكتور محمود عمر سبسوب. أسبوع قبل ذلك التاريخ كان الطبيب عزمي فريد على موعد مع دقائقه الأخيرة.

وكفعل المتوالية الحسابية فعل الموت بأطباء سورية، طليعة جيشها الأبيض، إذ عادت نقابة الأطباء ونعت الدكتور قاسم محمد عمار، والدكتور ابراهيم حبي، والدكتورة هيام شهاب، والدكتور فارس العكل، والدكتور ابراهيم الزعبي.

سبقهم إلى الغياب الدكتورة أروى بيسكي المشرفـة في قسم التعويضات الثابتـة في جامعة دمشـق، وذلك بعد أيام من وفاة الطبيب الجراح خلدون عزت الصيرفي أخصائي الجراحة العامة في مشفى الهلال الأحمر بدمشق.

وتطول القائمة وتطول لتفقد سورية ثلة من خيرة أطبائها بسبب جائحة كورونا خلال الأسابيع القليلة الماضية.. أطباء جمعهم الطب و"كوفيد19".. رحلوا بصمت بعد أن تركوا خلفهم سيرة مهنية. 

هؤلاء كانوا بضعاً من مئات الأطباء والعاملين في الكادر الطبي، الذين يقفون في الخطوط الأمامية للمواجهة. أصيبوا لا لأنهم أهملوا، بل كانوا في عياداتهم الخاصة والمستشفيات، وبوسائل وقاية بسيطة، على تماس في كل لحظة عمل، مع إمكانية تلقي العدوى بفيروس مستجد، لا يعرف العالم عنه الكثير. وكل ما يرشح عنه من معلومات لم تتعد طرق العدوى به، والوقاية منه. وكل الدراسات لم تنجح بعد في اختراع لقاح لهذا "القاتل" الذي دفع بأكثر من نصف سكان الأرض إلى الجلوس في منازلهم مرغمين.  

والراحلون من جيش سورية الأبيض منذ بدء الجائحة إضافة إلى من سبق ذكرهم هم الأطباء: رياض عجوز (داخلية)، محمود سبسوب (نسائية)، مجيب ملحم، سهيل جزارة، محمود غبور  (اختصاصيي طب أطفال)،  محمد فريز الإمام (قلبية)، نبيل الصفدي (جراحة)، محمد خير حمود (داخلية)، محمد يوسف سعيد (داخلية)، هيام شهاب (صيدلانية)، ابراهيم زيتوني (داخلية)،  عزمي فريد (داخلية)، ريتا كشيشان (مخبرية)،  قصي بيرقدار (داخلية)،  أروى بيسكي (أسنان)،  باسم عمران (نسائية)، خلدون صيرفي (جراحة)، باسل شماص (داخلية)، ادوار لويسة (صيدلاني)،  هشام مهايني (داخلية)، غسان تكلة (صدرية)،  نبيل الشريف (صيدلة)، يحيى الخراط (داخلية)،  سميرة بلال (داخلية)، قاسم محمد عمار  (داخلية)، ابرهيم حبي (أسنان)، فارس العكل، ابراهيم الزعبي (داخلية)، جاني حداد،  مكرم خوري، شارل توتل، أنمار حافظ، وعبد الخالق الهاشمي.

نعتذر عن الإطالة بذكر الأسماء، أو إن قصّرنا -سهواً- في ذكر جميع الراحلين، ولكن من الصعب جداً، وغير المقبول، تحويل من امتهنوا الإنسانية إلى مجرد أرقام.

هي أسماء لأطباء، مخلصين لا مهملين، قد تضيع وسط آلاف المصابين والمتوفين بفيروس كورونا في سورية، لكنها ستبقى رمزاً لما كانت عليه سورية ذات يوم. ستبقى قيمة روحية لما يعنيه أن تنسى نفسك كإنسان وتعيش حياتك كطبيب من أجل إنقاذ أرواح أشخاص لم تلتقيهم في حياتك.

بقي أن نقول، من حقنا أن نخاف مما نجهل. كل إنسان في سورية اليوم من حقه أن يخاف هذا الوباء الذي نجهل طفراته وكيفية علاجه. ولكن لقد عاش الحب في زمن الكوليرا، في رواية الأديب الكولومبي الشهير غابرييل غارسيا ماركيز، فهل ستعيش سورية وكادرها الطبي في زمن الكورونا رغم قلة الإمكانات المتاحة لمواجهته؟ سؤال يبقى برسم التزام الناس وإجراءات الحكومة ووزارة الصحة السورية في التصدي للفيروس.. وقبل كل هذا وذاك يحيا جيشنا الأبيض.