"بورتريه" يعيد الاعتبار للدراما السورية

تم النشر في: 2020-10-21 20:34:15


هاشتاغ سوريا - أحمد محمد السّح
  
وسط الِّزحام التنافسي لشركات الإنتاج بهدف تغيير توجهات الصناعة الدرامية في المنطقة العربية ككل، وفي سورية بشكلٍ خاص، وتغيير شروط هذه الصناعة من حيث عدد الحلقات والمدة الزمنية للحلقة، والخضوع لشروط المنصات الالكترونية التي يبدو أن صناع هذه المهنة وعشاقها باتوا مقتنعين أن المستقبل صار لها بعد التلفزيون الذي تربع سيداً لا ينافس على عرش وسائل الإعلام الجماهيرية لوقتٍ طويل. 


وسط هذا كله وسواه نجد أن مسلسل بورتريه – من إنتاج شركة إيمار الشام – لا يزال محتفظاً بكلاسيكية هذه الصناعة إن صح التعبير، ويبدو أن هذا الزمن متسارع بحيث أن ما نجده اليوم مستحدثاً يصبح كلاسيكياً في صباح الغد التالي.

تكمن الكلاسيكية في الصناعة من حيث اعتماد العمل على شروط الصناعة التي تتنافس للموسم الرمضاني، من حيث عدد الحلقات – ثلاثون حلقة - والاعتماد على المنتج المحلي السوري الصافي دون الحاجة لتعاونات فنية أخرى اعتمدتها الشركات مؤخراً من أجل توسيع سوق المشاهدات، وبالتالي زيادة الأرباح دون التركيز على المحتوى أحياناً.
المسلسل كان معدّاً لموسم رمضان 2020 كما كان معروفاً، لكن جائحة كورونا أوقفت تصويره، ورغم هذا لم تجنح الشركة إلى إنجازه بأسرع وقت ممكن أو إنجاز جزئية منه وعرضها كما حدث مع أعمال أخرى، بل أوقفت تصويره بشكل كامل، وتابعت ذلك وعرضته مؤخراً خارج الموسم الرمضاني، مما سيعطيه حسب رأيي إمكانية متابعة أكثر أريحية؛ وربما حظوظاً أوفر في العرض حتى مع موسم رمضان 2021
.
يمكن أن نتناول تفاصيل العمل ومجريات أحداثه من عدة وجوه، ولكن قبل هذا وذاك لا يجب أن نتجاهل ما بدا واضحاً أن شركة الإنتاج قد خططت له، وهو الاعتماد على كاتب شاب "تليد الخطيب" ومخرج شاب "باسم السلكا"، وبطولة ممثلين شباب من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية أو مدارس فنية خاصة، في فرصة أولى يتصدون للبطولة. مع وجود ممثلين سوريين أكاديميين، لم تتهافت شركات الإنتاج لجعلهم ضمن اعتباراتها كممثلي درجة أولى من حيث التصنيف الربحي لا التصنيف الفني، لكنهم في الحقيقة بدرجة نجمة مشرقة أينما حلوا وهكذا كانوا في "بورتريه" فكيف يمكن تجاهل وجود فنانات جميلات وهن يقمن بدور الأمهات لتنزرع في أذهان الجمهور أن الأم في عام 2020 هي سيدة تشبهنا ولا تشبه ما قدمته الدراما سابقاً بكونها سيدة مليئة بالعواطف الجياشة تبكي لأي سبب، ولفرط حنانها تتجاهل الاعتناء بنفسها، ربما هذا كان سابقاً، لكن أمهاتنا اليوم وأمهات حكايات (بورتريه) متشابهات في نقطة العاطفة للأبناء وجمال الإطلالة، نذكر منهن الممثلات "تولين البكري، مريم علي، ريم زينو، أمية ملص" اللواتي حملن الجمهور إلى الاقتناع بأنهن أمهات لا ممثلات جميلات فحسب، مع أن المبالغة في الجمال والتجمّل أوقعت الممثلة "نادين قدور" بحالة عدم إقناع في شخصية أم بدر التي أدتها، فهي امرأة مدقعة الفقر، لكن الممثلة لم تتخل عن الأسنان الهوليودية، وهذا قد يعتبر خطأ مشتركاً بين المخرج والممثلة ومصمم الماكياج لا يجب تجاهله في فيض التدقيق على كل تفصيل في الدراما، خاصةً في هذه المرحلة.

المفارقة والنجاح كانت هي الخطوة التي قامت بها "مديحة كنيفاتي" لتكون ممثلة حقيقية ومحترفة تتقن وبموهبة فريدة استخدام طبقة صوتها، لا كنجمة إغراء فقط كما حاولت الدراما تكريسها من قبل، لنكتشف أن مديحة ممثلة مجتهدة لكنها تعاملت مع مخرجين ربما لم يجتهدوا أكثر لإخراج أدواتها الفنية التي تميزت بها ببراعة مع باسم السلكا في "بورتريه".
أما الممثلة التي تقدم نفسها كرقم صعب مهما كان حضورها قصيراً فهي "نوار يوسف" التي لا يمكن تجاهل شخصية زينة التي قدمتها في العمل بكل سلاسة دون تكلف، وجعلت كل من يتابع العمل يحب زينة ويأخذ بيدها، بينما في الحقيقة نوار يوسف هي من أخذت بيد الشخصية وأدخلتها قلوب الجمهور كله. أما هافال حمدي وترف التقي فقد قدما قصة حب يمكن القول عنها إنها من كلاسيكيات الحب التلفزيوني، أي الحب الذي ليس واقعياً ولكنه يشبه الواقع، نرغب به ونتمناه حتى نكسر قيود الواقع الذي حاول العمل خلخلته كلياً بتقديمه لشخصيات تدخلنا لعبة الحكاية فنستمتع بها لتعود وتطعّمها بطعم الواقع بين حين وآخر؛ ربما لتخفيف جرعات المرارة التي بات يحس بها الناس جميعاً وخاصة في عام 2020.

وهنا يجب أن نشير إلى أن الحكاية ليست جديدة، ولكنها مستساغة ومرغوبة من قبل كل من يتابع العمل، وهذا ما يمكن فهمه مع الدراما تحديداً، فلا شيء جديد لا تعرفه الناس ليُطرح، ولكن الأصح هو كيف يكون طرح الحكاية وكيف توقع المشاهد في شباكها، وخاصةً مع توزان الأحداث من حيث التوزيع في عمل من ثلاثين حلقة لطالما اعتاد الجمهور هبوط سوية العمل في حلقات محددة منه، إلا أن "بورتريه" تجاوز هذه النقطة وقدم حدثاً جاذباً أو حدثين مع كل حلقة نتج عنها أحداث جديدة بلغت ذروة تشابكها في الحلقات الأخيرة لتأخذ  بيد المشاهد نحو ما يسمى الذروة الدرامية وصولاً إلى الحل.

لعبت كل شخصية دور الراوي في العمل، فقد خرجت من ثوبها ووجهت كلامها مباشرةً للمشاهد عبر الكاميرا، وصححت له ما رآه، أو كثفت من روايتها له شفهياً بعد أن رأى المشهد، وهذا ما أعطى العمل نكهة جديدة جاذبة ومميزة تذكرنا بدور الراوي على خشبة المسرح الذي يكون هو صانع الحدث الذي نراه، وبين حين وآخر يقوم بتنويهات إضافية لتوجيه عقل المشاهد إلى حيث يريد؛ وهنا كانت السلاسة أن كل شخصية كانت راوياً، فالرواي ليس بطل الحكاية فحسب، لأن هذه الحكاية مليئة بالأبطال عبر زمنين، شبكهما الحب، وتعرضا للخذلان، ومحاولات العاشقين الدؤوبة على إعلاء قيمته وجعله منتصراً في الواقع، وإن لم يكن في الواقع سيكون في الخيال، هذا الدفق العاطفي ساهمت أغنية الشارة على استدراجنا إليه بكلمات مميزة لم نعرف كاتبها من يكون – للأسف- فهو شاعر مميز دون شك مع ألحان رضوان نصري وصوت الفنان ملحم زين الحنون والدافئ، والذي ربما هو غير الحامل للجنسية السورية الوحيد في العمل كله، مع أنه سوري القلب والهوى، لبناني الجنسية، لكن مسلسل "بورتريه" يحق له دائماً، ويحق لشركة إنتاجه أن تقول إنها قررت في زمن تتهافت فيه الشركات الأخرى على تقديم النجوم تحت أي محتوى لكي يأتوا إليها مع جمهورهم، بغض النظر عن الأدوار التي سيؤدونها، كما يحق لها أن تفتخر بأن الأعمال تذهب للتشاركية في الجنسيات لأهداف ربحية في أغلبها لا لأهداف درامية، فقد اختارت هي أن تقدم حكاية سورية بإنتاج وجمهور سوري من ألفه إلى يائه، وهذه خطوة صلبة تحسب للشركة المنتجة "إيمار الشام" وإدارتها، يجب البناء عليها لنعود بدراما سورية مختلفة بعد أن قلت أطواق النجاة من حول الغرقى في حب الفن والدراما التلفزيونية.