على خلفية كمّ الأرباح المريبة التي يجنيها المحتكرون والمهرّبون

تم النشر في: 2016-05-04 00:58:00

على حدّ تعبير أحدهم في وزارة النفط هناك بعض الأمور يمكن “بلعها على مضض”، وبمعنى آخر تحتمل شيئاً من غض الطرف، لكن هناك أمور لا تحتمل أبداً المهادنة والسكوت عليها، ولا بد من وضع حدّ لها والحزم فيها، لكون مفاعيلها المالية والمعنوية..، وفي ظل حرب قذرة كهذه غير مسبوقة في شمولية جوانبها ومستوياتها الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية.. على أية دولة وشعب، غاية في التأثير السلبي، إن لم تكن غاية في الحساسية والخطورة. ففي الوقت الذي يتطلّب فيه الواقع الحالي ليوميات الاستهداف لكل مقوّمات ومكوّنات الاقتصاد الوطني، تضافر جهود الجميع وتحمّلهم أعلى درجات المسؤولية في تعزيز صمود الدولة، لا يزال هناك بعض المافيات المرتزقة التي لا تفتأ تقنُص وتتحيّن كل ما من شأنه زيادة ثرواتها على حساب استنزاف خزينتا العامة وجيوب المواطنين وحتى دماء شهدائنا. نعم هناك مَن لا يتورّعون عن فعل أي شيء في سبيل الوصول إلى مآربهم..، ولعل الاختناق المؤخر الذي حدث في مادة البنزين، وعلى الرغم من أنه أمر اعتيادي قد يحدث في أي وقت..، لكن سارقي الدولة جهدوا كثيراً لتحويل الحالة إلى أزمة وبالتالي إلى متتالية من الأزمات، لا تتوقّف عند حدود عدم توفر المادة ولو مؤقتاً، وإنما تتجاوزها إلى احتكارها والمتاجرة بها بشكل غير مشروع، وبالمقابل إدخال الدولة في دوامة البحث عن تأمين المادة خارج المُجَدول في خططها وبرامج التنفيذ الزمني لاستجرار هذه المادة وغيرها، وبالتالي وضعها في حالة إرباك مالي تمويلي واجتماعي معنوي، ولا ننسى أن ذلك سيكون أيضاً على حساب أولويات ربما..!؟.

أليست معروفة..؟! تلك المافيات -ولعلها معروفة- عمدت إلى الإشاعة للوصول إلى مبتغاها، ورغم أننا كنا (في حالة ارتفاع سعر الصرف) ممن يقولون إن جهاتنا الحكومية تبالغ في ذلك، أي في تحميل ما يجري على شمّاعة الإشاعة، إلاّ أنه في موضوع المحروقات ولأن الموضوع مشاهد على أرض الواقع نظراً لطبيعة المادة وحركة تزويد الكازيات والكميات، تكشَّف أن الإشاعة حقيقة وأن الأذرع الإعلامية لتلك المافيات ساهمت في ذلك، وما دفع المواطن إلى تصديقها هو تعمُّد بعض أصحاب الكازيات الخاصة إغلاق أبواب كازياتهم لإحداث حالة نفسية ضاغطة تدفع أصحاب وسائط النقل العاملة على البنزين إلى التحوّط لأطول فترة ممكنة خوفاً من الانقطاع في المادة. والمفارقة أن بعض تلك الكازيات لم يكن يغلق أبوابه سابقاً حتى لو لم يكن هناك مادة، وقد قمنا شخصياً بسؤال أحد المعنيين في إحدى الكازيات المعروفة لمَن..، عن سبب لجوئهم إلى ذلك وإحداث اختناقات مرورية أمامها..، فكان الجواب “بريئاً”: “السبب ما في مادة”، علماً أن مؤشر خروج “البيدونات” من الكازية كان مفحماً بشكل كافٍ في تعقيبنا على ردّه..؟!.

أربع حقائق.. “البعث” وفي متابعة لتقصّيها الأمر قطعاً للشك بيقين الحقيقة، علمت من مصادر متابعة في مؤسسة محروقات، جملة من الحقائق تأكّدنا من صحتها مباشرة من الكازيات التابعة لها في دمشق البالغة 11 كازية. أوّلها: أن معدّلات الاستهلاك على مدار الأشهر السابقة هي الكميات الموزعة حالياً نفسها، بل تمت إضافة زيادة على معدّل الاستهلاك ورغم ذلك ظهرت الاختناقات، لكن المؤسسة وخاصة في دمشق ونظراً لانتشار كازياتها منعت تحوّلها إلى أزمة كما كان مطلوباً حدوثه. أما ثاني الحقائق فهي أن المؤسسة لم تنفِ وجود اختناق، وهذا من الممكن أن يحدث بشكل طبيعي واعتيادي نتيجة لتأخر ورود المادة إلى الكازية لسبب أو لآخر، وليس لعدم وجودها، ووفقاً لقوانين وآليات العمل فإن مدة الاختناق تحتاج إلى المدة نفسها كي يُحلّ الاختناق، أي إذا كانت المدة 10 أيام فتحتاج إلى مثلها. بينما ثالثها يتمثل بذلك الدور السلبي للإشاعة حيث عامل الخوف والتحوّط يدفع صاحب المركبة إلى إملاء خزان مركبته “تفليله”، ليس للحاجة اليومية فقط وإنما لأكثر، علماً أن المعدل الوسطي للتعبئة بين 1-2 مرة أسبوعياً كحد أقصى، لكن كان الملاحظ أن “تفليل” السيارة يتم بمعدّل مرتين يومياً، وهذا لا شك أنه يدلّ على قلة وعي من المواطن تجاه أي متغيّر لناحية توفر المادة بشكل اعتيادي، رغم ما خبره في ذلك “أزمة توفر الرغيف”. الحقيقة الرابعة: أن المادة والكمية في الكازية العامة التي تباع طوال فترة يوم كامل هي نفسها التي تباع خلال ساعتين فقط في الكازية الخاصة وقد تم رصد هذا الأمر..!؟. على سبيل المثال، تستلم كازية تابعة لمحروقات 40 ألف لتر وتحتاج لتوزيع تلك الكمية إلى 8 – 10 ساعات بمعدّل من 800 – 1000 سيارة بوسطي 30 لتراً لكل سيارة، بينما توزيع الكمية نفسها في إحدى الكازيات الخاصة لا يتجاوز 3-4 ساعات..!؟.

” فزاعة” حقل..! الآن نأتي إلى ذلك المراقب الموجود في كل كازية خاصة والذي مهمّته ومسؤوليته اللتان كلفته بهما الوزارة التابع لها وهي التجارة الداخلية وحماية المستهلك، فهما لا يحتاجان إلى جهبذ كي يحكم على مدى تطبيقهما..، وحسب متابعين فإن وجود ذلك المراقب لا يتعدّى كونه “فزاعة حقل” ويا ليتها موجّهة لأصحاب الكازيات الخاصة..، ومع أننا سمعنا قولاً صريحاً بإمكانية استفادته وبإمكانية غضّ الطرف عن ذلك في الأوقات العادية، رغم استمرار التلاعب بالمكاييل والأسعار..، لكن على الأقل في مثل هذه الحالات من الاختناقات عليه أن يقوم بما اؤتمن على تطبيقه..، إلاَّ أنه لا يزال دون المطلوب..، فالجيوب تعوّدت على طعم المنهوب، حتى لو كان اقتصادنا في كل يوم مصلوباً على المصالح الضيّقة لبعضهم.

ثانيهما أهم من الأول في مواجهة واقع كهذا فإننا نشدّد على إشراك وزارة النفط –مؤسسة محروقات- في الدوريات الرقابية على الكازيات أسوة ببقية الوزارات التي تشارك التجارة الداخلية كالصحة والسياحة، والغريب أن هذا الأمر غير مطروح رغم ما يمكن إحداثه من أثر ورغم أن المعنيّ بالأمر أكثر هو المحروقات. أما مقترحنا الآخر، واستناداً إلى كمية الأرباح المشروعة (ناهيكم عن غير المشروعة)، التي علمنا تقديراتها والتي تتحصّل عليها أي كازية خاصة والواصلة إلى مئات الآلاف يومياً، فهو ضرورة تشديد القوانين بحيث يتم وضع اليد على أي كازية خاصة ترتكب فعل الاحتكار والمتاجرة مرتين أو ثلاثاً، لتتم إدارتها من مؤسسة محروقات، وهنا لعل المفارقة “المضحكة” التي سمعناها من مصادر مطّلعة في مؤسسة محروقات، هي أنه حين تصدر التعليمات بتشديد الرقابة على الكازيات تتوجّه عناصر الرقابة إلى العامة منها وتكتب الضبوط..؟!.

لا يعقل..؟! مقترح محقّ عادل وخاصة في ظل الحرب المستمرة، حيث من حقّ أي دولة في العالم أن تتخذ ما تراه مناسباً، وخاصة حين تكون هناك ارتكابات بهذا الكم والحجم والاستمرار، إذْ لا يُعقل أن الدولة التي تمتلك حق الاحتكار لطاقاتها التي تقوم باستيرادها وتتحمّل التكاليف والمخاطر الباهظة لأجل تأمينها، تبقى متفرّجة على (ليس الأرباح المشروعة التي تأخذها الكازيات الخاصة)، بل على غير المشروعة لجيوب بعضهم، وهذا بالمحصلة النهائية استنزاف مستمرّ لخزينتها العامة على حساب قوت واحتياجات المواطنين البسطاء الذين طالما شهدنا العديد منهم يجهدون لملء “طاسة” مدفأتهم فقط، في الوقت الذي يرفل فيه بعضهم بنعيم الطاقة وعائداتها بالملايين من المتاجرين والمهربين. صحيفة "البعث"