باحثون اقتصاديون: الحكومة تدير الأزمة بآلية ردّة الفعل

تم النشر في: 2016-05-23 14:27:58

لم يخفِ عدد من الباحثين الاقتصاديين الأداء السلبي للمفاصل الإدارية المتحكمة باتخاذ القرار الاقتصادي وانعكاسه على التراجع الكبير في قيمة الليرة وارتفاع الأسعار وزيادة الفقر والهجرة، مؤكدين أن رسم السياسة الاقتصادية يحتاج إلى رؤية مختلفة تماماً عن القرارات التي تصدر وترسم واقع الاقتصاد بسمات أبعد ما يكون الاقتصاد السوري بحاجة إليها.

البداية مع الباحث الاقتصادي الدكتور عابد فضلية الذي أوضح أنه بدل أن توسّع الحكومة قاعدة الدعم، نزعت الغطاء عن السلع المدعومة ورفعت أسعار المازوت والطاقة لتصاب أسواقنا بتضخم سريع، معتبراً أن احتياج الدولة إلى موارد لا يبرّر أبداً رفع أسعار مستلزمات الإنتاج ويجب اختيار السلع التي يمكن زيادة موارد الدولة فيها بشكل عقلاني.

وأكد /فضلية/ ضرورة أن تعمل الجهات الحكومية باتجاه معاكس لما تفعله اليوم، مشيراً إلى أنه لا يمكن الحديث عن سياسات اقتصادية اجتماعية حكومية وإنما عن النسخة المتوحّشة للفلسفة التي استندت إليها السياسات الليبرالية لفترة ما قبل الأزمة.

الأولوية للمال

وأشار فضلية إلى أن طوباوية الخطة الخمسية العاشرة والتطبيق اللامتوازن لنهج اقتصاد السوق الاجتماعي، لم يكونا منسجمين مع اشتراطات تطبيقية من القيادة القطرية للحزب، حيث تم التركيز ولا يزال على أولوية قطاعي المال والخدمات والتحرير التجاري المتجسّد بالتوجّه نحو الاندماج المتسرّع والمنفعل بالاقتصاد العالمي. وفي الجانب الاجتماعي بيّن فضلية أن رفع تعرفة الاستهلاك، وانفراد السلطات المعنية بالاستيراد دون ضوابط لتحقيق أهداف تراها مناسبة أكثر، هذا يعني بالمحصلة مزيداً من الارتفاعات في الأسعار ومن الأعباء المعيشية للمواطن.

ردّة الفعل

يؤكّد رئيس المكتب الاقتصادي في اتحاد العمال عمر حورية عدم وجود حسن النية في كثير من القرارات الحكومية، وأن الحكومة كانت وما زالت تدير نتائج الأزمة بآلية ردّة الفعل من خلال اتخاذ تدابير علاجية أو إجراءات وقرارات ترميمية متفرقة، مشيراً إلى تسرّب الخبرات المحلية العاملة، وإلى شبه توقّف القطاع الإنتاجي وإغلاق المدارس المهنية، في ظل توسّع القطاع الخدمي وازدياد الاستهلاك، وفقدان القطاع العام دوره وتحوّل الجميع نحو الاحتكار، لدرجة بات فيها لدينا تجار أساسهم صناعيون وهم غير فاعلين، معتبراً أن السياسات الاقتصادية تسير بشكل معكوس!.

خلل

وتحدّث الدكتور موسى الغرير عن نهج الاقتصاد الوطني في المرحلة القادمة، معتبراً أن العامل الاقتصادي مؤثّر في مجريات تفترض إحداث تعديل أو تغيير في النهج والدور الذي تؤدّيه الدولة في الحياة الاقتصادية، وفي شكل إدارة وتنظيم توجّهات الاقتصاد الوطني، مشيراً إلى أنه خلال الخطة الخمسية العاشرة هناك مجموعة من العوامل المرتبطة بالتطوّرات الاقتصادية والاجتماعية أهمّها السياسات الاقتصادية الليبرالية التي أدّت فيما أدّت إلى إحداث خلل في التوازنات الاقتصادية بين القطاعات الإنتاجية وغير الإنتاجية، وبين الدخل والاستثمار، وبين الدخل الاسمي والدخل الحقيقي، وبين حجم الاستثمار والداخلين إلى سوق العمل، وبين الموارد والنفقات.

وأوضح الغرير إنه وبعد أن كان الحامل الاجتماعي يتكوّن من الشريحة الأوسع في المجتمع تقلّصت قاعدة هذا الحامل لتحلّ محلها شريحة من نوع آخر من البيروقراطية وأصحاب رؤوس الأموال من تجار وسماسرة وفئات طفيلية، استأثرت مجموعة منها بالسلطة والمال وحرفت وجهة الاقتصاد الحقيقي لجهة الاقتصاد المالي والنقدي والسياحة المضاربة العقارية على حساب العمل بالقطاعات الإنتاجية.

تبدّل

وقد ترافق هذا التبدّل –حسب الغرير- مع إجراءات اقتصادية تمثّلت بتحرير التجارة والسوق، وبإغلاق العديد من المؤسسات الإنتاجية، وتراجع الإنتاج الزراعي، وتقليص دور القطاع العام، وتهميش القطاع الإنتاجي، وفي غياب الحوافز المشجّعة لحركة رؤوس الأموال الطويلة المدى التي عادة ما ترتبط بمنشأة إنتاجية مادية وباستثمار ملموس في مصنع أو مزرعة وما شابه، إلى حركة قصيرة المدى والاستثمار في عمليات غير إنتاجية مثل بيع وشراء الأسهم والسندات والعملات الأجنبية والعقارات والمشتقات المالية، أي الاستثمار الذي لا يساهم في حل مشكلات البطالة، ولا يزيد في كمية السلع والخدمات الإنتاجية، والذي ليس من أهدافه بناء الطاقة الإنتاجية ولا تتم حركته بين الأغنياء والفقراء وإنما بين الأغنياء لتبقى عوائده محصورة فيما بينهم دون غيرهم،.

وأضاف الغرير: إن المثير للدهشة تعميق الطابع الطفيلي لبعض أصحاب رؤوس الأموال بالتغاضي عن الالتزامات المترتبة عليهم نتيجة استخدامهم البنى التحتية والمنشآت التعليمية والصحية التي تقدّم خدمات مجانية أو شبه مجانية ما أدّى إلى إحداث خلل في التركيبة الاجتماعية برزت بزيادة نسب البطالة والفقر وعدد الذين يبحثون عن فرص عمل ويعانون العوز والفقر معتبراً أن السياسات التي تأتي غير متناسقة وغير متكاملة والإجراءات المتأخرة أو المتسرّعة لم ولن تؤدّي إلى معالجة فعّالة للمشكلات التي يعاني منها الاقتصاد، وأن التشاركية رغم أنها مطلب اقتصادي لكنها عملية مركّبة متعدّدة الأبعاد لا يتم إحداثها، وإنما هي بحاجة إلى بنى تنظيمية وإدارية ومناخ ملائم لتطويرها وترسيخ مفاهيمها.

"صحيفة البعث"