المدح من غير المستحق سخرية متخفية.. فهل يُدرك أولو الكراسي؟!

تم النشر في: 2016-07-20 15:40:00

عبد الفتاح العوض

لكن أن يكون شخص ما أو مسؤول ما محل انتقاد يصل إلى حد الشتائم ثم وبعد تشكيل الحكومة وحصوله على موقع فيها، يصبح محل مدائح فإن في الأمر شيئاً يثير الشك في قدرة الرأي العام «الفاعل» على التعبير عن ضمير المجتمع.

صديق يكرر أمامي دوماً أننا كسوريين نمارس غواية القسوة على المخطئ وليس على الخطأ. ومثل هذا يجعلنا نحكم على الأشخاص وليس على أفعالهم، فالشخص المرضي عنه لسبب أو لآخر أفعاله بلا أخطاء ومرضي عنها ببركة الرضا عن الشخص، والآخر الذي لم ينل حظاً من الرضا، فأعماله من رجس الشيطان مهما كانت!!. هذه هي القسوة على الأشخاص وليس على أفعالهم.

ومن تجليات هذه القسوة كم العنف الذي انفجر دفعة واحدة كما لو أنه كان مكبوتاً بأكثر من طبقة من الوهم  ..ليست القسوة في الانتقاد والقدح والذم فحسب.. بل يتعدى الأمر في المدائح ولغة المجاملة التي يتقنها الكثير منا.

تشكيل الحكومة أظهر جانباً مقلقاً من الجوانب التي تعبر عن عيوب المجتمع.. وهو عيب قديم لكن أن يبقى مستمراً حتى بعد كل هذه السنوات من الأزمة فإن في الأمر شيئاً يثير إشارات استفهام لا يبدو أنها قابلة للإجابة. ما أتحدث عنه هو المديح والمبالغة في المديح.

الرسول (ص) سمع أشخاصاً يمتدحون رجلاً فقال لهم «قطعتم ظهر الرجل». ومن الأدبيات الإسلامية هو كراهة المدح بشكل عام وخاصة هذا النوع من المدح الذي يجعل الآخر يصاب بالغرور، الرسول (ص) أيضاً يقول:«إياكم والتمادح فإنه الذبح»!!

ولعل من الطبيعي أن تمتدح الناس ببعض الفضائل التي يملكونها.. بل دعنا نصل إلى الواقعية في ذلك، بأن من حق الناس أن تمتدح أعمالهم الجيدة، وهو في علم النفس يعتبر من أساليب «التعزيز» للصفات الإيجابية.

لكن أن يكون شخص ما أو مسؤول ما محل انتقاد يصل إلى الشتائم ثم وبعد تشكيل الحكومة وحصوله على موقع فيها، يصبح محل مدائح فإن في الأمر شيئاً يثير الشك في قدرة الرأي العام «الفاعل» على التعبير عن ضمير المجتمع.

وأقول الرأي العام الفاعل لأن التعبير عن الرأي ليس إحدى السمات المعروفة إلا لقلة من المجتمع التي تمتلك ما يدفعها لذلك، وفي المدائح للمسؤولين فإن الأسباب تكون واضحة ومعروفة وهي محاولة الرشوة الكلامية للحصول على مغانم من أنواع مختلفة من المسؤولين!!

النفاق الاجتماعي ليس حدثاً جديداً في المجتمعات لكن مجتمعاً عانى ما عانى على مدار سنوات الكارثة السورية يجدر به أن يتوقف عن النفاق، وأن تكون السنوات الصعبة التي نعيشها سبباً قوياً للتوقف عن المجاملات الضارة والنفاق المخادع الذي لا يساعد على إصلاح الأمور بل يزيدها فساداً وإفساداً!!

ثم إن المسؤولين اعتادوا سماع المدائح، ولهذا تجد نظرتهم إلى من ينتقد عملهم على أنه مدفوع من جهة ما أو لديه عداء شخصي.. أو غير ذلك من المسوغات المتعددة وليس أحدها أن يكون هذا النقد صحيحاً أو على الأقل فيه جزء صحيح.

وفوق ذلك يحرص هؤلاء على جمع فرقة مدائح حولهم يقدمون لهم الأخطاء على أنها إنجازات ويصورون لهم العيوب على أنها فضائل!!

علي كرم اللـه وجهه يقول: «أجهل الناس المغتر بقول مادح متملق يحسّن له القبيح ويبغض إليه النصيح». أقوال:

من علامات النفاق أن يحب المرء المدح بما ليس فيه و يكره الذم بما فيه ويبغض من يبصره بعيوبه.

المدح من غير المستحق سخرية متخفية.