عام 2016، وهو يعطينا مفاتيح الموتى !

تم النشر في: 2016-12-31 20:24:00

كل الصحف التي كنت أقرؤها، وكل المحطات التي اشتغلت فيها إذاعيا وتلفزيونيا، كانت تهتم ببانوراما العام المنصرم، فتقام ورشة طويلة عريضة لأجل هذه البانوراما وترتيبها وتدقيقها، والغريب أنني سألت العشرات من المتابعين مثلي: هل تقرؤون البانوراما أو تشاهدونها، أو تسمعونها، وكان الجواب واثقا من نسبة كبيرة أن لا.. إلا من استثناء وحيد هو إلقاء نظرة على عناوينها

هاشتاغ سيريا ــ خاص :

والغريب أيضا أنني كنت أحتفظ بهذا النوع من الوثائق الصحفية في مكتبي منذ أربعين سنة، قبل أن تنتشر شبكة الإنترنت وينتشر معها أداء محرك غوغل الجبار الذي يقدم لك سيلا من المعلومات بأقل من ثانية!!

في بانوراما هذا العام، استوقفتني بانوراما الموتى، والموتى عادة لايثيرون فينا سوى الحزن والذكرى، أما أنا فقرأت في وفاتهم رسائل مهمة مختزلة، هي بمثابة مفاتيح لمن ماتوا، سأكتبها، كي أتعلم منها أنا قبل أن يستمتع بقراءتها الآخرين : مات الدكتور بطرس بطرس غالي،الدبلوماسي والسياسي المصري والأمين العام السابق للأمم المتحدة (1992-1996)، وأعطاني في وفاته موقفا لا أنساه يمكن على أساسه فهم الكثير مما يجري في هذا العالم، ويعود ذلك الموقف إلى مجزرة قانا عندما قصفت إسرائيل (هنكار) الأمم المتحدة وقتلت أكثر من مئة طفل وامرأة وعجوز، وعندما لاحق بطرس بطرس غالي الجريمة من موقعه كأمين عام، كان عليه أن يدفع الثمن ولايجدد له في الأمم المتحدة!

مات الصحفي الكبير محمدحسنين هيكل وتركني مشغولا بآلاف الصفحات التي كتبها بلغته السحرية، وعلمني أن على الصحفي أن يثق بقدرته على الفعل بما يكتبه، حتى لو لم يضع اسمه عليه، لأن كتاب "فلسفة الثورة" الذي نشر باسم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كمرشد للعرب القوميين، وحفظه ملايين العرب .. كان ببساطة بقلم الصحفي محمد حسنين هيكل !

مات المذيع والمخرج السوري خلدون المالح وتعلمت منه أن بإمكان من يعمل في التلفزيون أن يساهم بقوة في صناعة ذاكرة للسعادة والفرح، فخلدون أخرج مسلسلي “صح النوم”و”مقالب غوار” ولم يتردد في دفع الفن التلفزيوني إلى أقصاه، وهذا يعني أن علينا أن نبتكر ونبدع من أجل سعادة الناس !

مات بطل الملاكمة العالمي محمد علي كلاي، وهو زنجي أمريكي أسلم وأحب العرب، وكنت كلما تذكرته تذكرت روجيه غارودي يوم صاح أمامي في بيت المفتي العام الراحل أحمد كفتارة: لا أريد من العرب والمسلمين مالا ولا نفطا .. أريدهم أن يساعدوني على تغيير الرأي العام في العالم لصالح القضايا العادلة، ولم يرد أحد عليه، بل إن كثيرا من الدول كانت تعتذر عن استقباله، فإذا الرأي العام العالمي يتشكل ضدنا إلى درجة البركان الذي قدم صورة الإسلام على نمط داعش والنصرة !!.

مات فيدل كاسترو زعيم الثورة الكوبية ،وفي موته كنت أستعيد صورة غيفارا وهو مسجى بعد تصفيته من عملاء المخابرات المركزية الأمريكية، وقد ترك لنا سمعة طيبة عن الثورة تورطنا بها جميعا إلى أن جاء الربيع العربي ليكشف لنا أن الثورة تعني الخراب!

وأخيرا : مات صادق جلال العظم صاحب كتاب "النقد الذاتي بعد الهزيمة"، وجعلني موته أتذكر كيف تشكل وعينا بعد قراءة عدة كتب لأننا كنا لانقرأ كثيرا، فتأثر كثيرون منا بكتابه، وتأثر كثيرون بكتاب المفكر الراحل ياسين الحافظ عن "الهزيمة والإيديولوجيا المهزومة" دون أن نعرف معنى النقد ومعنى الهزيمة ومعنى الإيديولوجيا، لذلك هزمنا مرارا على كل صعد الإيديولوجيات التي تبناها شبابنا، وهزمت نفوسنا إلى درجة تدمير البلاد والعباد من أننا لم نكشف لأنفسنا الإيديولوجيا الخاصة بنا ..


مقالة ذات صلة:

مات صادق جلال العظم ، وهو لم يمت بعد !


اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام