أسعار القبور تتجاوز المليون ليرة..و السوق "سوداء"

تم النشر في: 2015-12-02 19:22:00

هي الحرب يا سادة، وما يزيد المعاناة أن رائحة الموت المنتشرة في كل بيت وحارة ومدينة أخذت تغري أكثر أصحاب النفوس الضعيفة الذين لا يلاحقون الأحياء فقط، بل توسعت أعمالهم لتشمل تذاكر حجز الراحلين على نعوش الموت!. نعم أيها السادة ندعوكم في زحمة الهموم، وضجيج الموت، أن تنصتوا  لتسمعوا نحيب الألم، وصرخة ميت يستنجد نازحاً راحلاً من بيت الدنيا إلى بيت الآخرة، واسمحوا لي يا سادة أن أكون الراوي لقصة لا ندعي أنها فريدة، أو أن أحداً لم يسبقنا في سرد تفاصيلها وروايتها على مسامع الناس، بل ما يميز قصتنا هو واقعيتها، ومشاركتنا في سيناريو وقائعها الدائرة في بورصة رأسمالها الموت، وتجارتها قبور وأكفان، أما زبائنها فهم من الذين تخلوا عن المنطق، وتمسكوا “بالبرستيج” من جهة، ومن الذين أحرقتهم لوعة الفراق، واستصعبوا فكرة دفن أحبائهم بعيداً عنهم،  ويمكننا الجزم بأننا وبعد محاولات عديدة  وفقنا إلى حد ما في نبش بعض خفايا هذه التجارة النشطة في سوق الموت والنزوح، والتي ينزاح فيها الوعي والعقلانية لتحل ثقافة شعبية عنوانها: (شرعنة المخالفة)، وخاصة بعد أن كثرت الوفيات، وازدحمت القبور بساكنيها، فما حقيقة هذه السوق التي يدعي البعض بأنها ناشطة؟! وما مدى مصداقية ما يشاع عن أسعار القبور؟! ومن هم زبائنها؟!. هذا دافعنا لم نتوقع أن نفشل في مساعدة أحد الأصدقاء الذي كان يبحث عن مدفن ليواري به جسد قريبه النازح من إحدى  المحافظات، حيث طلب منا إيجاد مدفن في منطقة سكنه الجديد في الريف الدمشقي، وذلك لصعوبة  نقله إلى محافظته، وتخفيفاً للأعباء وللتكاليف، وتكريماً للمتوفى بدفنه بالسرعة المطلوبة من جهة أخرى، ولكن عبثاً حاولنا، حيث فشلت اتصالاتنا مع بعض الجهات في تأمين طلبه لعدة أسباب، منها الأمني، ومنها ما يمكن إدراجه في خانة خصوصية المنطقة التي يسكن بها، وطبعاً هذه المهمة التي لم نستطع إنجازها شكّلت دافعاً لنا للبحث في حيثيات هذا الملف، ودفعتنا للتقصي فيه، خاصة مع  كثرة الأحاديث التي تتناول ما يجري في مدافن دمشق (تجارة سوداء)، وتعرض الناس لعمليات النصب والاحتيال التي زادت من همومهم وتحدياتهم المتطابقة في أوجاعها مع صيغة المثل الشعبي القائل: (فوق الموتة عصة قبر). بحثاً عن الحقيقة رحلة بحثنا بدأت من مكاتب تأمين مستلزمات الدفن المتواجدة في باب مصلى، والقريبة من مدفن باب الصغير، والتي ساهمت بشكل كبير في تنشيط السوق السوداء، كونها تعمل عمل المكاتب العقارية في البيع والشراء، وأصحابها من  اللاعبين الأساسيين في تجارة القبور، وحلقة وصل هامة بين الزبون والبائع، والسمسرة على الموتى، ولا شك أن التعامل مع هذه المكاتب يحتاج إلى الحيلة التي لجأنا إليها لإخراج من يدير هذه التجارة من إجراءاته الاحترازية، فبعد إحباط محاولات عديدة في بعض المكاتب، استطاعت صنارتنا الصحفية الإمساك بالسمك الصغير الذي أوصلنا إلى هدفنا بسهولة، ظناً منه بأنه يحمل غنيمة كبيرة إلى “معلمه”، فقد دخلنا إلى أحد المكاتب التي كان يجتمع في داخلها  أكثر من عشرة شباب، والذين بادروا بعد إلقاء التحية عليهم، ومعرفتهم بطلبنا، إلى الإشارة لنا بالتوجه إلى الشاب الجالس وراء طاولة المكتب، والذي تجاوب معنا بسرعة فور سماعه كلماتنا التي تردد صداها مثل كلمات علي بابا أمام مغارة الكنوز، (أحد أصدقائي طلب مني مساعدته في شراء مدفن لوالده في دمشق حصراً، وهو من وجهاء محافظة دير الزور)، ولم ننه جملتنا حتى طلب منا مرافقته إلى مكتب آخر في المكان نفسه. وبمجرد دخولنا أخبر الشاب الذي رافقنا صاحب المكتب بما نريده: (معلم بدوا قبر لأحد وجهاء الدير الله يرحموا..)، وبعد حوار قصير معنا، والذي نعتقد أنه كان لجس جيوبنا، والاطمئنان على إمكانيات المتوفى المادية، بدأ بالحديث عن  اختلاف الأسعار بين مقبرة وأخرى، وبين داخل المدينة وخارجها، لينتهي هذا البازار بطلب مبلغ مليون و300 ألف ليرة سورية ثمناً للقبر الذي يريد أصحابه بيعه، وهنا قطعت رنات الهاتف حديثه ليستأذن منا، ويخرج مباشرة من المكتب ليحادث شخصاً ما، ثم يعود ليتابع معنا، ولكن بلهجة مختلفة، وبحديث مغاير لحديثه الأول، فقد طلب منا اللجوء إلى محافظة دمشق (مكتب دفن الموتى) لتأمين هذا القبر بأسعار بسيطة، وهنا شعرنا أنه علينا الانسحاب والخروج من المكتب الذي أرسل صاحبه من يتقصى عن هويتنا، ويتابع خطواتنا بعد أن توجهنا  مباشرة إلى مكتب دفن الموتى الذي يقع في الجهة المقابلة للمكتب. وبعد انتظار لدقائق داخل مكتب دفن الموتى، خرجنا مجدداً لنسمع ذلك الصوت الذي ينادينا (شو حاجتك)، فالتفتنا إلى مصدر الصوت، وكان شاباً «يسند الحيط»، باحثاً عن زبون، فقلنا له: (يعني واحد بمكتب دفن الموتى شو بدو)، وعرفت أنه من الشغيلة أو ما يسمونهم (حويصة لاصطياد الزبائن)، فأجاب «بدك تنزلوا ضيف أو إيجار أو شراء»، ثم أمسك بيدي محاولاً إعادتي إلى المكتب الذي كنت فيه، وبالرغم من محاولاتي لإفهامه بعدم اتفاقي على السعر مع صاحب المكتب، إلا أنه أصر على موقفه بقوله: (في سكّرة)، وأثناء هذه المجادلة جاءت الإشارات والأصوات من بعيد طالبة  مني العودة إلى المكتب، حيث كانت بانتظاري مجموعة من الشباب الذين عملوا على إحاطتي، وأحدهم أمسك بذراعي وهو يقول: (تعال المعلم بدو يتفاهم معك)، وهنا شعرت أن هويتي باتت مكشوفة، وأن القضية أخذت منحى الخطورة التي جعلتني أصرخ مستنجداً بإحدى الجهات القريبة التي تجاوبت، وتعاملت بسرعة مع مصدر الصوت، وانتهت رحلتنا بمساعدة بعض الأصدقاء، والتعريف بحقيقة مهمتنا الصحفية. تهمة باطلة تعوّدنا على مدار الخمس سنوات الماضية على إلصاق التهم بالأزمة التي نحمّلها مسؤولية كل المتغيرات في حياتنا، ولكن الجميع يعلم أنها بريئة إلى حد كبير من تهم عديدة لغياب الإثباتات التي تدينها، وخاصة في هذه القضية التي يمكن أن يكون للأزمة دور في ارتفاع أسعار القبور، وزيادة الطلب عليها، وخاصة بعد نزوح الناس من مناطقهم إلى دمشق، ولكن ذلك لا يلغي حقيقة وجودها سابقاً مع قلة عدد المدافن، ومحدودية مساحاتها بشكل ساعد على تسهيل عمليات المتاجرة بالقبور، وازدهار السوق السوداء فيها، هذا عدا عن تشجيع الناس لها من خلال قبولهم بهذه الصفقات لاعتبارات مختلفة!. وما يثير الاستغراب أن من يدفع مئات الآلاف ليحصل على قبر داخل دمشق لا يشعر بالغبن، أو بأنه تعرض لعملية احتيال، بل يعد نفسه رابحاً، وأنه أصبح مالكاً لعقار في دمشق، أو مشتركاً في جمعية سكنية، كما يضع عملية البيع والشراء في خانة التجارة الشرعية، والتي تعتمد على موافقة جميع الأطراف، وهذه النتيجة تشكّل حصيلة لقاءاتنا مع الناس خلال زيارتهم لقبور موتاهم، فمثلاً طارق. ص الذي اشترى قبراً لوالدته بمبلغ 900 ألف ليرة سورية اعترض على وصف ما حدث معه بعملية النصب والابتزاز، بل عدها خدمة من أعز الأصدقاء الذي منحه فرصة زيارة والدته وأداء واجباته تجاهها، أما ليلى. ق التي كانت منهمكة بترتيب قبر والدها الذي تتوارثه عائلتها جيلاً بعد جيل، فلم تعترض على صيغة سؤالنا حول تجارة القبور، ومضمون كلامنا، بل لخصت ما يدور في أذهان جميع الباحثين عن قبور في مدينة دمشق: «والله لو طلبوا عشرة ملايين لأدفع.. في أطهر من تراب الشام لجثامين أهلنا.. بس إلي عبصير وعم نسمعوا حرام»، كما اعترض بعض ممن التقيناهم خلال زيارتهم للمدافن على هذه التجارة التي تناولوها من جانب ديني أخلاقي فقط، وشرعوها من الناحية التجارية كونها تعتمد على العرض والطلب. سوق سوداء عمار كلعو، عضو المكتب التنفيذي في محافظة دمشق، الذي  برأ المحافظة ومكتب دفن الموتى من تهمة المشاركة في تجارة القبور، لم ينكر وجود سوق سوداء حسب ما يسمعه من الناس، وما يتناقلوه عن عمليات البيع والشراء التي تتم خارج مكاتب المحافظة ودون إعلامها، ولم يخف استغرابه من الأرقام التي تدفع للحصول على قبر، وبشكل شجّع على تنشيط السوق السوداء، وبيّن أن المحافظة حريصة على تأمين المدافن وبأسعار رمزية، فقد نص القرار رقم 43/م الصادر عن مجلس محافظة دمشق سنة 1971على أن «سعر القبر العادي 5000 ليرة سورية، وفي مقبرة نجها حدد سعر القبر بـ: ( 2100ليرة سورية)، ولفت إلى إحداث مقبرة نموذجية في عدرا تتوفر فيها جميع الخدمات. وطبعاً جلستنا مع كلعو لم تخل من مقاطعات الناس المتواجدين في مكتبه الذين تحدثوا معنا كونهم شهوداً على العديد من عمليات البيع والشراء التي تمت من قبل أقربائهم ومعارفهم، وبعد حوار دام لأكثر من نصف ساعة، نصحنا كلعو بزيارة مكتب دفن الموتى للحصول على معلومات دقيقة وموثقة. تنتقل بالميراث ترافق وصولنا إلى مقبرة الباب الصغير التي يتواجد فيها مكتب دفن الموتى مع وصول إحدى الجنازات التي سرنا في موكبها، وكانت الجنازة لرجل في الخمسين من عمره، ومن عائلة تمتلك عدداً من القبور الخاصة بها كغيرها من العائلات العريقة التي لها مدافن خاصة، ورغم أن هذه الجنازة لم تقدم أية قيمة مضافة لعملي الصحفي، إلا أن تلك الخطوات التي مشيناها أتاحت لنا الفرصة لمشاهدة القبور الفاخرة التي تبلغ كلفة بنائها عشرات الآلاف من الليرات السورية، كما تعرفنا على شخصية المتوفى، وكسب الأجر، وتوثيق اللحظات الأخيرة، وذكرياته بين الناس  قبل أن يدخل من باب الآخرة، حيث كان الناس يتحدثون عن أفعاله الخيرة التي قام بها في حياته، وتبرعاته التي لاتعد ولاتحصى، وفي الوقت ذاته انشغل بعض المشاركين في الجنازة في تقدير ثروته والحديث عن الخلافات العائلية التي ستدور بين ورثته. قرأنا الفاتحة على روح المرحوم وعدنا إلى مكتب دفن الموتى، لنقابل هناك المدير حسام النقطة ومشرف الأوقاف الذي شارك في الحديث، حيث بين لنا أن القبور القديمة المستخدمة تنتقل بالميراث ووفق بيانات عائلية ويحق للورثة الدفن فيها، والجديدة بحاجة لموافقة من المحافظ ليتم حفر قبر جديد وتخصيصه، وهناك مقبرة جديدة في نجها وقبورها جاهزة للاستعمال الفوري، وبتكلفة بسيطة 2100 ل.س للقبر الواحد، وذلك كرسم التخصيص، بحيث يملك صاحب التخصيص حق الدفن في هذا القبر بشكل دائم له ولورثة القبور، وهي من المقابر المتميزة بالتخطيط والتنظيم والخدمات. أما ملكية القبور والمقابر، فهي حسب مكتب دفن الموتى تتبع لوزارة الأوقاف (أراض وقفية، المواطن يملك حق الدفن فقط وينتقل لورثته) والقرار (11) لعام 2005 يسمح بالتنازل عن حق الدفن بين الأقارب فقط، وبالنسبة لما يتناوله المواطنون عن أسعار القبور هو فقط بينهم، وليس لمكتب دفن الموتى في محافظة دمشق علاقة، فهو يستوفي رسم 5 آلاف سورية كرسم تخصيص، و12,500 ألف أجرة بناء القبر من وجه الأرض نحو الأسفل ويصبح المجموع 17500 يملك المواطن حق الدفن في هذا القبر، أما البناء فوق القبر يعود إلى رغبة المواطن (رخام، بلوك، موازييك). وبين النقطة أن مكتب دفن الموتى يعمل على استغلال أرض المقبرة بتخصيص أكبر قدر ممكن من المواطنين وخاصة مايتعلق بالقبور مجهولة الهوية، ففي عام 1994 قامت لجنة بجرد القبور، خاصة أن الكثير من العوامل لعبت دوراً وخاصة الظروف الجوية في تغيير معالم الكثير من القبور ( شواهد مكسورة وممسوحة وأصحابها غير معروفين) حيث يكون القبر مهملاً وغير مسجل الاسم، ولكن عندما تتم مراجعة المواطنين تثبت ملكية هذه القبور من خلال معاملة تثبيت ضمن مكتب الدفن وتركيب الشواهد من قبل الحفار، يتم بإشراف المكتب وبإذن ترميم. إثبات الوفاة وقبل أن نتابع الحديث مع النقطة حول الأوراق المطلوبة لمعاملة الدفن قطعت رنات الهاتف كلامه ليخبرنا بعد إنهاء مكالمته أن لديه اجتماعاً ضرورياً في المحافظة، ولذلك عليه الإسراع، ثم تابع حديثه ليخبرنا أن المعاملة تحتاج إلى تقرير طبي مصدق تثبت الوفاة ورقم القبر إذا كان أحد ورثة هذا القبر، كما يسمح بدفن المتوفى فيه إذا لم يكن من الورثة بعد تقديم طلب من أحد الورثة للموافقة وفتح القبر ودفنه بصفة ضيف لمدة خمس سنوات فقط، وليس له أي حق في هذا القبر لافتاً إلى أن السماسرة يصطادون الزبون خارج مكتب الدفن، ولذلك لابد من توعية المواطن إلى أن الأسعار زهيدة في المكتب، ونصح الناس بإجراء المعاملة بشكل شخصي باليد دون اللجوء إلى أي سمسار، كما بين أن عمليات التنازل تتم بالمحكمة. وبكل ثقة حدد مدير مكتب الدفن التكاليف والتي لم تختلف بأرقامها عن الأرقام التي بينها لنا سابقاً مدحت عثمان المدير السابق للمدفن حيث يدفع الناس 6500 أجور تغسيل وتكفين ونقل من المنزل إلى المقبرة بالدرجة الممتازة + 1500 أجور حفار وتنزيل المتوفى، حيث تستوفى 5000للدرجة الأولى أو 3500 للدرجة الثانية، واختلاف هذه الدرجات يتعلق بحجم المتوفى وحجم القماش اللازم للكفن ونوعية المواد المستخدمة في بناء القبر. النقطة نفى استلام أية مدافن في تربة عدرا التي تضم 12 ألف قبر، حيث يتم تجهيزها لاستلامها على مراحل كل (3 أشهر)، حيث لم يتم استلام أي قبر خلال عام 2015، وفيما يتعلق بالرسوم قال: عائدية رسوم الخدمات للمكتب، أما رسوم التخصيص فعائديتها لصندوق مقابر المسلمين الذي يتم من خلاله إنشاء مقابر جديدة وصيانة القديمة، وهنا تدخل محمد لوباني مشرف الأوقاف، ليؤكد أن تكلفة القبر الواحد تصل إلى 17 ألف ليرة عندما كان سعر صرف الدولار 50 ليرة سورية، بينما يباع الآن بـ 2100 ل.س في نجها، ووافقنا لوباني عندما وضعنا الفارق في خانة الدعم الحكومي. وبرر مدير مكتب الدفن ارتفاع أسعار القبور وعمليات البيع التي تتم برغبة الناس في تأمين قبر داخل دمشق لزيارته والقيام بالواجبات الدينية والأخلاقية تجاه المتوفى، كما كشف لنا حدوث عمليات نصب احتيال وبيع غير قانوني لقبور نجها، حيث قام بعض ضعاف النفوس ببيع القبر بمبلغ 30 ألف ليرة سورية، ولفت إلى محاولات جادة يقوم بها المكتب لقمع هذه الممارسات، وخاصة من قبل بعض المكاتب وعمالها الذين يتواجدون في أماكن قريبة من مكتب دفن الموتى لاصطياد الزبائن، كما أن القانون يمنع بشكل كامل بيع القبور، لكن المواطنين يبيعونها بين بعضهم بعضاً خارج إطار المحكمة، ثم يقومون بالتنازل عن القبر بحجة أنه تنازل دون مبلغ مادي، لكن في الواقع يكونون قد اتفقوا مسبقاً على عملية البيع والسعر خارج إطار المحكمة التي تمنحهم الحكم القضائي بالقبر، ودعا النقطة إلى معالجة هذه الظاهرة وقمعها وهو يوثق ذلك يومياً من خلال تقرير الحركة اليومي. وكشف النقطة على تخصيص الشهداء بالقبور بناء على موافقة المحافظ وبمبلغ 5000 ل.س. رخصة عمل المتهم الأول في تجارة القبور هو الحفار الذي تدور حوله الشبهات كونه من أكثر الأشخاص معرفة بواقع القبور وعددها وعائديتها وكيفية توزيعها وتقسيمها، ولكن أحمد الكرمة وهو من الحفارين حاول إبعاد مهنته عن هذه التهمة، حيث حدد مهمة الحفار بالحفر وتركيب الشاهدة بعد الحصول على رخصة عمل، وقبل أن ينفي مشاركته بأي واقعة بيع للقبور، تحدث عن صعوبات عمله من ناحية عدم حصوله على تعويض أو تقاضيه لراتب وصعوبة تأمين مواد البناء وغلائها، بالإضافة لتعرض الحفار للعديد من المخاطر كلدغة حية أو لدغ بعض الحشرات وتعرضه لبعض الأمراض. وطبعاً محاولات الكرمة للحصول على البراءة أجهضتها من جديد اتهامات جهاد النهتان، وهو صاحب محل للرخام والشواهد من المحلات القريبة من مقبرة باب الصغير، حيث اتهم النهتان الحفار بممارسة دور الوسيط أو الشراكة مع المكاتب الموجودة في باب مصلى لتأمين المدافن، وأكد على أن عمليات البيع تتم وبأسعار خيالية، وأكد على أن سعر القبر وصل في السوق السوداء إلى مليون ونصف المليون ليرة سورية. وفيما يخص عمله ربط النهتان الأجور التي يحصل عليها بارتفاع أسعار الرخام وبرغبات الزبائن وطلباتهم من حيث نوع الرخام والخطوط وارتفاع الشاهدة وغيرها من الاكسسورات الخاصة بالمدفن الذي تتراوح تكاليفه من الرخام مابين 30 و500 ألف، حسب رغبة الزبون، ولدى النهتان ألبوم أو (كتلوك الصور) الخاص بالقبور الذي يلبي رغبات الزبائن. دون جدوى للتعرف على شرعية عمليات البيع والتنازل التي تتم في أروقة المحاكم عن طريق المحامي، قصدنا القصر العدلي في دمشق، وكانت استراحة المحامين فيه هدفنا لكونها ستتيح لنا فرصة إجراء العديد من اللقاءات، ولكن تلك الفرصة تلاشت مع انتقالنا من طاولة لأخرى، بحثاً عن مجيب عن تساؤلاتنا عن تجارة القبور، فقد اعتذر الجميع نظراً لعدم معرفتهم بالقوانين الوقفية التي تحتاج حسب ما قالوه لنا إلى البحث الدقيق، ولكن ذلك لم يحبط من عزيمتنا، وقررنا البحث عن الأساتذة الكبار في المحاماة، فقد تسعفهم سنوات عملهم الطويلة في هذا المجال وخبرتهم في مساعدتنا، إلا أن محاولتنا فشلت أيضاً لذات السبب، وبتنا ننتقل من محام إلى آخر، وكل واحد منهم يحيل تساؤلاتنا إلى زميله دون أن نحصل على ما نريد، واللافت أن أحد المحامين القدماء في المهنة روى لنا خسارته لأحد القبور التي ورثها من عمته لعدم وجود إثبات ملكية لديه، كما أكد لنا أن للموضوع الذي نبحث فيه خصوصية وحساسية، لكونه يبحث في حقيقة الأملاك الوقفية، وهو من الأبواب المغلقة التي لا يجوز البحث فيها حسب قوله. تعدٍّ على الوقف لعنة فشلنا في القصر العدلي رافقتنا إلى وزارة الأوقاف التي تواصلنا معها من خلال المكتب الصحفي الذي أعلمنا بدوره عن أن الوزير أحال الموضوع إلى مدير أوقاف دمشق الذي رفض الحديث في هذا الموضوع دون أن يحدد لنا شخصاً آخر للتواصل معه، وطبعاً هذا الإخفاق لم يثبط من عزيمتنا، بل تواصلنا مباشرة مع الشيخ الدكتور عبد الرزاق المؤنس الذي لم يتوان في التأكيد على أن الأصل في قبور المسلمين لمصلحتهم ولايجوز تمليكها لأشخاص، حيث يبقى القبر للصالح العام (الوقف حبس لمصلحة المسلمين) وكل عملية بيع هي تعدّ على الوقف، وتحدث عن عمليات التلاعب التي تتم، حيث يقوم البعض بالاستيلاء على قبور لأناس سافروا أو من خلال تقسيم القبر وبيع جزء منه والمتاجرة به. وليس هناك رأي للشرع في قضية بيع القبور، حسب ماقاله المؤنس الذي كشف لنا ضرورة وجود قرار إفتاء (فتوى) يمنع الاستغلال والتلاعب بالقبور، بحيث يوضح مايجوز ومالايجوز للحد من الاعتداءات والتصرفات اللاشرعية التي تتم لتحقيق مصالح انتهازية، ولم ينس أيضاً التأكيد على أهمية الرقابة والتعامل بجدية مع هذه التجارة التي إن كانت تتم بموافقة الطرفين، إلا أنها تخالف كل القيم والقوانين الوقفية التي تلزم محافظة دمشق بمتابعة هذه القضية كونها الجهة المسؤولة والمشرفة على القبور.

مقالة ذات صلة:

1300 جثة تحت مبنى جامعة كامبريدج.


اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام