كيف تجسس الموساد والفرنسيون على برنامج سورية الكيميائي..؟!!

تم النشر في: 2017-03-27 15:56:00

كيف جنّد العملاء الفرنسيون والإسرائيليون مهندساً سورياً من أجل الحصول على معلومات حول برنامج الأسلحة الكيميائية السورية في إطار عملية "راتافيا"؟ وهل تجسس العملاء الفرنسيون والإسرائيليون على بعضهم بعضا في إطار العملية؟

كشفت صحيفة "لوموند" عن تفاصيل عملية جاسوسية سرية بين فرنسا وإسرائيل تحت عنوان "راتافيا" قادتها الاستخبارات الفرنسية والموساد الإسرائيلي ضدّ البرنامج السري للأسلحة الكيميائية الذي طوره نظام الرئيس بشار الأسد.

وفق الصحيفة فإنه جرى الحصول من خلال هذه العملية التي بدأت قبل الحرب في سورية (عام 2010) واستمرت خلالها، على معلومات دقيقة حول الترسانة السورية، مشيرة إلى أن هذه العملية طويلة الأمد تضمنت تحديد مصدر سوري وتجنيده.

وقالت الصحيفة إن المعلومات التي حصلت عليها من قبل مصادر قضائية واستخباراتية ودبلوماسية تكشف الغطاء عن حجم المعلومات الحقيقية المتوافرة حتى هذا التاريخ لدى القوى الغربية عن برنامج الأسلحة الكيميائية الذي كان لدى دمشق قبل ثلاث سنوات من تخليها عنه. وتابعت ..إن هذا التعاون أدى  إلى لفت نظر المجتمع الدولي منذ 2011 نحو تهديد النظام السوري وممارسة الضغط من أجل تفكيكه.

الصحيفة قالت إنها امتنعت عن ذكر بعض الجوانب في هذه المهمة من أجل عدم تعريض العملاء على الأرض للخطر فضلاً عن العمليات المستمرة.

وفي تفاصيل هذه العملية أنها بدأت من خلال التقرب من أحد المهندسين السوريين العاملين في برنامج تطوير الأسلحة الكيميائية وصناعتها وتخزينها. ووفق دبلوماسي فرنسي فإن الشكوك القوية لدى دمشق بمسؤولية المخابرات الإسرائيلية عن الحادث الخطير في عام 2007 على موقع السفير دفعها لتعزيز التدابير السرية والأمنية وهو ما أقلق إسرائيل.

وتابعت "لوموند" إن الهدف من العملية لم يكن تصفية مسؤولين عن البرنامج إنما إيجاد مصدر سوري على معرفة بالبرنامج وما هو متصل بعلاقات سورية وكل من إيران وروسيا أو كوريا الشمالية في هذا المجال وتحديد مخازن الأسلحة.

وعلى مدى عامين، بدأ الموساد، عبر أحد الأشخاص السوريين في دمشق، التواصل مع الشخصية المستهدفة للتجنيد من أجل الحصول على ما يكفي من المعلومات عنه وتكوين صورة كاملة لإقناعه بالخروج من سورية حيث يمكن للموساد التقرب منه. كون الشخص المذكور يعيش في دمشق ويتمتع بعلاقة وثيقة مع ابنة أحد المسؤولين في النظام جعله محل اهتمام أكثر من قبل الموساد قام بتحليل شخصيته (حالم/ رومنسي/ يريد التخلص من الإدارة السورية) قبل أن ينجح الوسيط في دمشق بإقناعه أن مصيراً آخر ينتظره وأن بوسعه القيام بأعماله الخاصة في الوقت الذي يواصل فيه خدمة بلاده.

هنا بدأ سيناريو السفر إلى الخارج ولاسيما إلى فرنسا، البلد الصديق لسورية، الذي لا يشكل مخاطر بالنسبة إليه لإنشاء شركته الخاصة في مجال الاستيراد والتصدير. لكن الرجل ليس حراً. إذ إن جواز سفره حجزه  النظام لاعتبارات أمنية وسفره إلى فرنسا يحتاج إلى إذن مسبق من مسؤوليه.

هنا بدأ دور الاستخبارات السرية الفرنسية التي سهلت الحصول على التأشيرات وفتحت أبوابها. خلال تنقلاته بين دمشق وفرنسا تم دمج فريق من جهازي الاستخبارات الداخلية والخارجية في الموساد. وسميت العملية "راتافيا"، ووفق "لوموند" فإن "سي آي ايه" الاستخبارات الألمانية كانوا أيضاً ضمن الحلقة.

حين وصل المهندس السوري إلى باريس، رافقه أحد الأشخاص إلى فندق في الدائرة الثالثة عشر، حيث جرى التواصل معه من قبل أحد العملاء الذي قدّم نفسه كرجل أعمال إيطالي، والذي أصبح لاحقاً صديقه وموجهه حيث كان يقوم بتوجيه النصائح له وتقديمه لأشخاص آخرين.

تقول "لوموند" إن الجزء الأكبر من الأشخاص الذين تعامل معهم من رجال أعمال وسائقين أو حتى وسطاء كانوا في الواقع عملاء للموساد. أما المخابرات الداخلية الفرنسية فكان دورها يقضي بتوفير الحماية وتقديم جزء من الدعم اللوجستي في المراقبة التقنية.

أول لقاء جرى في فندق "جورج الخامس" الفخم في باريس حيث جرى استغلال الجانب النفسي في الشخصية المستهدفة منذ البداية حيث جرى إقناعه أنه أمام نقطة تحول حاسمة في حياته الشخصية والمهنية. لكن الموساد أسرّ لشركائه الفرنسيين أن الهدف لا ينظر إليه على أنه خائن ولا يعطي معلومات بسهولة.

وبحسب الصحيفة فإن شخصية الرجل كانت جدية وإن أظهر بعضاً من حس الفكاهة حيث لم يكن يقبل دعوات مضيفيه للخروج كثيراً والترفيه. لكنّهم نجحوا أكثر حين أحضروا له نرجيلة الى غرفته في الفندق. وفق "لوموند" فإن بين عملاء الموساد الفرنسيين كان عدد المتخصصين في علم النفس يوازي بل ربما أكثر من العملاء التقنيين أو قدامى القوات الخاصة.

خلال إقاماته في باريس اقترح عليه أصدقاء مديره الإيطالي شراء بعض المواد أو جعله على تواصل مع موردين. هنا قام الموساد والاستخبارات الفرنسية الداخلية والخارجية بالبحث عن عملاء ووسطاء ومصنعين فرنسيون وأوروبيين في مجال الصناعات الكيميائية، في خطوة متقدمة.

ولفتت "لوموند" إلى أنه جرت العادة أن يحصل على الأموال على شكل هدايا. وبالرغم من توصيته بالتكتم مع المحيطين به، بدأ الرجل يدخل شيئاً فشيئاً في اللعبة ويعطي معلومات مع استمرار شعوره بالبقاء موالياً لدمشق.

وكانت العملية تقضي بإشراكه في النقاشات والقرارات التي تتخذ، في ما يتعلق بعمليات البيع والبحث عن الأجهزة بما يجعله يدرك بنفسه وفق علماء الموساد النفسيين أنه تخطى الخط الأصفر.

وبعد وقوعه في الفخ، بدأ العميل بإعطاء المزيد من المعلومات ولاسيما عن ترسانة السلاح الكيميائي لدى سورية وأطنان من غاز الخردل وغاز الأعصاب. وحصل الموساد على معلومات مثيرة للقلق بخصوص وجود خطة للحصول على قاذفات صواريخ، تمّ إجهاضها من دون معرفة ما إذا كان للموساد يد في ذلك.

في عام 2011 ازدادت شكوك المهندس السوري حول هوية صديقه الإيطالي. لكن بعد فوات الأوان. إذ إن المبالغ المالية التي حصل عليها منعته من التراجع. لكن الموساد حصل في المقابل على معلومات هامة سمحت له بدعم قضيته ضد سورية لدى الأميركيين الذين كانوا مترددين في الانخراط مجدداً في الشرق الأوسط.

الموساد استفاد من تواصله اليومي مع العملاء الفرنسيين

وكتبت صحيفة "لوموند" إنه "في عالم الجاسوسية حين تقرر أجهزة استخبارات التعاون مع بعضها بعضا فإن ذلك لا يعني أنها أصبحت صديقة حيث لا شيء يمنع الواحدة منها من التجسس على الأخرى. والدليل العملية السرية التي جمعت الاستخبارات الداخلية الفرنسية والموساد الإسرائيلي من أجل مواجهة برنامج الاسلحة الكيميائية الذي طوره النظام السوري".

 وقالت الصحيفة إن تحقيقاً داخلياً حول محاولة الموساد اختراق جهاز الاستخبارات الفرنسية يظهر هذه الممارسات. وأضافت الصحيفة أنه حين حصل الموساد على دعم جهازي الاستخبارات الداخلي والخارجي عمل كل عناصره تحت أسماء وهمية، مشيرة إلى أن بعضهم كان يعمل على نحو غير قانوني باستثناء رئيس الموساد في باريس.

بحسب الاتهامات التي اطلعت عليها "لوموند" فإن الموساد استفاد من تواصله اليومي مع العملاء الفرنسيين خلال إقامة الهدف السوري من أجل بناء علاقات مشبوهة. كما أن أحد عناصر الاستخبارات الفرنسية شوهد في أحد احتفالات السبت اليهودي إلى جانب رئيس الموساد في باريس، ومن ثم ذهب إلى دبي لممارسة الرماية ثم انضم مع عائلته إلى رفاقه في الموساد في القدس.

وأشارت الصحيفة إلى شكوك حول المبالغ المالية سواء العينية أم الهدايا التي تقاضاها هؤلاء بما يخالف القواعد الداخلية، مضيفة أن التحقيق الداخلي يحرص على التذكير أن مجموعة أخرى تابعة للاستخبارات الداخلية الفرنسية موكلة إليها مهمة مكافحة الجاسوسية، عمدت إلى أخذ صورة مع عناصر الموساد الذين عملوا مع الفرنسيين.

وفتح التحقيق الداخلي بعد معلومات قضائية جرى الكشف عنها في إطار التحقيق مع رئيس جهاز الأمن الداخلي بين 2007 و2012 برنارد سكوارسيني بشأن استخدام أجهزة التنصت التابعة لجهازه لمصالح شخصية، حيث قال سكوارسيني إنه فعل ذلك في إطار تحقيق حول محاولة جهاز خارجي اختراق الجهاز الفرنسي وتجنيد عملاء لمصلحته، بيد أنه لم يأت على ذكر عملية "راتافيا".

وقالت الصحيفة إنه في ضوء هذا التحقيق طلب من موظفين اثنين في السفارة الإسرائيلية في باريس مغادرة فرنسا التي غادرها أيضاً مدير الموساد.

وقالت الصحيفة إنه في كانون الأول/ ديسمبر الماضي أرسل قضاة التحقيق رسالتين للشرطة لطلب الحصول على المزيد من المعلومات حول هذه القضية. الأولى حول ما هو مرتبط بالموساد والعلاقات بينه وبين جهاز الأمن الداخلي، والثانية من أجل التحقيق مع عميلي موساد سابقين التقيا سكوارسيني بعد تركهما عملهما في الجهاز وانتقالهما للعمل الخاص في تل أبيب.

الميادين


 مقالات ذات صلة :

تقنية ألمانية تحول الماء إلى وقود

 

اضغط هنا لمتابعة أخبارنا على تليغرام