رأي - مالك الحافظ
لم تُعدّ الهوية الوطنية مسألة شعورية أو وجدانية فحسب في سوريا الجديدة، فهي التي تحوّلت إلى سؤال سياسي مباشر يتقاطع مع شكل الدولة، وحدود السلطة، وموقع الفرد داخل مجتمع خرج من طبقات متراكبة من الصراع والانقسام. فما كان يُنظر إليه سابقاً باعتباره ثابتاً عاماً يجمع المواطنين تحت سقف واحد، ظهر اليوم كإطار هشّ تتنازعه سرديات متعددة، بعضها ولد من رحم السلطة السابقة وبعضها الآخر من شبكات الانقسام التي توسعت خلال سنوات الحرب.
مع سقوط النظام السلطوي، لم يتشكل في سوريا شعور وطني موحد، حيث برزت انقسامات مكبوتة كانت السلطة السابقة تغطيها بالقوة والقمع. هذه الانقسامات اتخذت شكلاً أكثر وضوحاً خلال الفترة الحالية، ليس لأنها جديدة، ولكن لأنّ غياب الدولة المركزية كشف البُنى العميقة للعصبيات المحلية والطائفية والمناطقية التي فقدت رادعها التقليدي.
ورغم أنّ النظام القديم نجح لسنوات في احتكار تعريف الوطن، وربط الانتماء بشعار الدولة الأمنية، فإنّ انهيار هذا النموذج لم يؤدّ إلى نشوء بديل جاهز، إذ وجد السوريون أنفسهم أمام فراغ تتصارع فيه الهويات الجزئية للبحث عن شرعية أو سند اجتماعي، وهذا الفراغ ليس عرضياً؛ فهو ما تسميه الأدبيات السياسية "الانتماء ما بعد الصراع"، أي المرحلة التي تفقد فيها الدولة احتكارها للمعنى، بينما لم تنجح البنى الجديدة بعد في تثبيت تعريف جديد للمواطنة.
يشير بندكت أندرسون إلى أن الدولة "خيال جمعي" يتشارك فيه المواطنون فكرة أنهم ينتمون إلى جماعة سياسية واحدة، حتى لو لم يعرفوا بعضهم بصفة شخصية، وهذا الخيال هو ما يتيح لبلدٍ ما أن يتصرف ككيان موحد، وينتج مؤسسات، ويولد شعوراً عاماً بالمصير المشترك.
لكن في سوريا الجديدة، تآكل هذا الخيال تحت ضغط سنوات طويلة من العنف والولاءات المتعددة، فالتمزق الجغرافي والاجتماعي، وتعدد السلطات المحلية، وتحول الولاءات من المستوى الوطني إلى مستوى الجماعات الصغرى، كلها عوامل جعلت "فكرة الدولة" أقل حضوراً في المخيال العام. ومع ذلك، فإنّ غياب الخيال الجمعي لا يعني نهاية إمكانيته، بل بداية إعادة بنائه، فالهويات الوطنية تُصنع عبر تراكب طويل لتجارب مشتركة، وقدرة مؤسسات الدولة على تحويل هذه التجارب إلى إطار موحد.
ومن هنا، تظهر أهمية أن تبني السلطة الحالية في دمشق مفهومها الخاص للدولة الوطنية بطريقة لا تحصر الانتماء في طابع أيديولوجي أو ديني، لأن أي هوية تُبنى من موقع إقصائي ستعيد إنتاج الانقسام، فالدولة لا تصبح "خيالاً مشتركاً" إذا تحولت إلى امتداد لعصبية واحدة أو لمرجعية واحدة.
الوطنية المدنية هي عملية اجتماعية معقدة، تنسجها مؤسسات قادرة على خلق شعور بأن جميع المواطنين يقفون على مسافة واحدة من الدولة، وأن حقوقهم وواجباتهم لا تتحدد بانتماءاتهم الأولية، لكن هذه الفكرة، رغم بساطتها النظرية، تواجه صعوبات حقيقية في سوريا.
فغياب الثقة بين المكونات، وتضارب الذاكرة الجماعية، وتعدد أشكال العنف التي أصابت كل منطقة بطريقة مختلفة، تجعل من الوطنية المدنية مشروعاً يتطلب وقتاً طويلاً ومجهوداً مؤسسياً ضخماً، فلا هوية وطنية تتشكل من دون عدالة، ولا مواطنة من دون مؤسسات تراعي التعدد وتعترف بالأذى المتبادل.
لكنّ اللحظة الراهنة تحمل إمكاناً مختلفاً، فانهيار السلطة المركزية القديمة يفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة على أساس جديد، وهذا الأساس لا يمكن أن يقوم على نموذج الولاء السابق، إنما على شعور بأن الدولة الجديدة تمثّل جميع المواطنين، حتى أولئك الذين كانوا خارج دائرة السياسة لعقود.
لقد ظهرت العصبيات المحلية والطائفية والمناطقية في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق بوصفها من أكبر التحديات التي تواجه بناء هوية وطنية جامعة، فهذه العصبيات التي كانت كامنة لسنوات تحت سلطة مركزية مسيطرة، تمددت بسرعة في الفراغ الذي خلفه انهيار مؤسسات الدولة، وأصبحت أشبه بإطارات انغلاق لا تمنح الأفراد حماية بقدر ما تعيدهم إلى دوائر ضيقة تعيق تشكّل الانتماء الوطني العام.
إجمالاً، تشير القراءة السوسيولوجية إلى أن العصبيات مهما اختلفت أشكالها، تصنع سياقات مغلقة تمنع إنتاج وطنية مدنية مستقرة. فهي ترتكز على الولاء للجماعة قبل الدولة، وتفرض شعوراً بالمصلحة الضيقة، وتحوّل المجال العام إلى مساحة صراع بين دوائر متنافسة، وليس إلى ساحة مشتركة تشكّل أساس "الخيال الوطني" الضروري لقيام دولة حديثة، ومن هنا تصبح العصبية نقيضاً مباشراً لأي مشروع مواطنة، لأنها تعيد تعريف الفرد عبر انتمائه الأولي، لا عبر علاقته بالمؤسسات والقانون.
وفي الحالة السورية، لا يمكن تجاوز أثر العصبيات أو التعامل معها كعنصر يمكن تطويره أو إدخاله في بنية الهوية الوطنية، إذ أن بناء وطن سوري جديد يبدأ من تفكيك امتدادات هذه العصبيات، وتحويل الدولة إلى المرجعية الوحيدة للحقوق والواجبات. وهذا يتطلب مساراً متدرجاً يعيد تشكيل المجال العام على أساس المساواة القانونية، وليس على أساس الخصوصيات أو الروابط الأولية التي تسببت بتآكل الخيال الوطني في الماضي.
إنّ أي هوية وطنية سورية مقبلة لا يمكن أن تنشأ ما لم تُقلّص العصبيات مساحة تأثيرها وتستعيد الدولة قدرتها على تمثيل جميع المواطنين من موقع محايد، فكلما اتسعت دائرة الولاءات الجزئية، تقلّصت قدرة الدولة على بناء جمهور سياسي مشترك، وتراجع حضور المواطنة أمام الانتماءات المتنافسة، بينما تتطلب الوطنية المدنية، في جوهرها، تحويل الدولة إلى مساحة جامعة لا يمكن لأي عصبية أن تتفوق عليها أو تنازعها شرعيتها.


