هاشتاغ - نضال الخضري
نعيش سلسلة أوهام مزروعة في كل تفاصيل الحياة، ففي كل حدث سوري هناك وهم جديد يبدأ من السياسة وينتهي بتحقيق الأحلام المؤجلة، فمن "رفع العقوبات" إلى الرغبة في "زيادة الدخل" ووصولاً إلى الهجرة؛ يتم رسم الإنسان السوري على وعود تعيد خلق "الوهم" بحياة تُجدد له القليل مما فقده على امتداد عقد ونصف.
سوريا لا تسترجع ما فقدته؛ بل تعيد رسم صورتها فوق مساحة من عدم اليقين، فعندما ننتظر قرارات دولية كي نرفع أحلام المواطن فإننا في الواقع نعيد إنتاج هذا الوهم، ونلونه بالتفاؤل ونقفز فوق حقيقة الصدمات التي رسمت الوطن على شاكلة مختلفة، وتكوين سوريا ضمن لوحة لا يمكن أن تكتمل بهذه الأشكال من الوعود التي تتطاير فوق المجتمع، وتضع الجميع في دائرة من البحث عن "أنفسهم" وسط دوامة المعيشة الخانقة.
سوريا التي تتعافى وفق المنطق الدولي يموت فيها "الحلم" لصالح أشكال "الوهم" المتفرقة، وتتباعد المسافات بين أهلها وقدرتهم على خلق حياة تليق بهم، فلا الهجرة ولا عقود العمل في الخارج يمكنها أن تصحح هذا المسار الذي لم يبدأ عام 2011؛ بل ظهر عندما أصبح الوطن متخماً بأحلام مستحيلة، وبقوة تفوق أبناءه وتتجاوز أي ممكنات موجودة داخلهم.
المعضلة اليوم أن صورة "الوطن" لا يمكن أن تكتمل بـ"هندسة الوهم"، وما سيظهر لاحقاً هو "أشباه سوريا" المعلقة على رغبات دولية وخطوط نفوذ إقليمية، وربما سنعرف بعد فوات الأوان أن "الخيال السياسي" قادنا باتجاه مساحات يتعاظم فيها "اللا يقين" وتغدو أسئلة وجودنا مستحيلة، لأنها تظهر من مكان آخر لا علاقة له بوطن كان ينمو في وجداننا ويُراد له أن يصبح اليوم جزءاً من "الأوهام" السياسية التي تهبط علينا كل يوم.
حين يصبح "الوهم" قاعدة الحياة فنحن مضطرون للتعايش القسري مع واقع لا يشبهنا، ونحاول أن نجد لأنفسنا مكاناً داخل هذا الضجيج من الشعارات والانهيارات والتصريحات المتناقضة، فنراقب إنتاج الأمل إعلاميا، ونبقى على حافة اليأس ونحن نبحث عن صورتنا التي اعتدناها، وعن سردية كبرى كانت تحمل معها شكلاً من "ذاتنا" التي تشوهت بفعل الاضطراب أو القلق أو تضخم "الوهم السياسي".
حين يُختزل الوطن في سرديات النجاة الفردية، تصبح كل محاولة للبقاء داخل البلاد بطولة، وكل قرار بالبقاء تحديا للحياة نفسها، فتحمل الفرد وحده مسؤولية الصبر، ويتخلى الجميع عن مسؤولية التغيير الحقيقي، وتتآكل فكرة الجماعة لحساب "النجاة الشخصية"، فيتحول المجتمع إلى جزر معزولة من القلق والانتظار، لا يجمعها سوى سؤال واحد: إلى متى؟
ليست المأساة فقط في "أوهام سوريا"؛ بل في الصمت عن مواجهتها، والقدرة على التكيف مع ما لا يحتمل، وترويض الأحلام لتتناسب مع حدود المسموح، أما التفكير بالوعي الجديد الذي يقبل الوهم فهو ترف لم نعد نملكه؛ لأن صراعنا اليوم هو مطاردة احتياجاتنا اليومية.


