هاشتاغ
بحث

سوريا مسرح الغموض

18/07/2025

سوريا-مسرح-الغموض

شارك المقال

A
A

هاشتاغ - رأي: نضال الخضري

 

مراحل سوريا السابقة كانت تحمل ثقافة عامة تتلخص بـ"التحفظ الإعلامي"، ونعيش اليوم مرحلة الغموض التي لا نستطيع فيها معرفة ما يجري، فمن يتحدث عن "انفلات أمني" هو الحقيقة ينقل ضمنا جهلاً للواقع، وحتى "بعض" الخطاب الرسمي يترك حالة اللايقين مفتوحة، ويبني مساحة محرمة لما تحاول السلطات الجديدة في دمشق فعله.

 

منذ 8 كانون الأول 2024 هناك سردية "المراسلين"، وروايات "متخيلة" لا يمكن بها فهم المساحات السورية، وحتى وزراء المرحلة الانتقالية غائبون عن المشهد ولا وجود لهم في سياق الحدث، وهذه الصورة ظهرت ظهوراً خطراً في الأيام الثلاثة الماضية، فحتى خطاب الرئيس الانتقالي تم بثه في وقت غير معتاد، وهذا الغموض لا يحتاج إلى تفسير؛ بل إلى رسم مساحة للمجتمع السوري في تفكير الحكومة الانتقالية على الأقل.

 

الناس يعيشون على "حمّى الذباب الإلكتروني" الذي يغزو وسائل التواصل الاجتماعي ويحرك الحدث نحو عشوائية خطرة، والرأي العام لا تشكله الأحزاب السياسية أو الخطاب الرسمي؛ بل مقاطع الفيديو التي تنتشر من دون معرفة "صانع المحتوى" الذي يضع نفسه رقيباً وحكماً على عقول الناس، فعندما ينتهي الإعلام السوري عند حدود ضيقة فإن الغموض يصبح ثقافة بذاتها، و"الشره" للمعلومة يتم إطفاؤه عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

 

العنف الذي دار في السويداء وربما في أمكنة أخرى له ما يقابله من عنف "الغموض" الذي يختصر الرواية، ويغيب الفاعلين وحتى تفاصيل الحدث تنتهي عند نقطة واحدة لا تفسر شيئاً ولا تترك للمجتمع قدرة التحرر من أسر أخبار "التواصل الاجتماعي"، وهذه الظاهرة لا يمكن أن تخلق سردية جامعة، ولا تستطيع لملمة الجراح؛ بل تترك الجميع أمام حالة "استئثار" يفرضها خطاب الكراهية المنتشر في منصات الفيس بوك وغيرها.

 

"الفراغ" الإعلامي في سوريا يعمّق اغتراب المجتمع، ويكرّس الانقسام بين "معسكر يعرف" و"معسكر يستهلك" من دون تمكينه من أدوات الفهم أو حتى المشاركة، فالغموض ليس حياداً ولا حذراً؛ بل ظاهرة تحول المواطن إلى متلقٍ سلبي يلهث خلف إشارات مبعثرة، ومقاطع مبتورة، وتحليلات مُسقطة.

 

غياب الخطاب السياسي والإعلام الرسمي يفتت أي محاولة لتشكيل الوعي العام، فبينما يغيب الوزراء عن الأزمة، ويتوارى صانعو القرار خلف جدران الصمت، يُترك المجتمع مترنحاً بين الخوف والقلق، فالغموض ليس غياباً للشفافية؛ بل إضعاف ممنهج للثقة، وتفكيك للبنية الرمزية التي كانت تشكّل "الهوية الوطنية" في مراحل سابقة.

 

ليست مخاطر التقسيم فقط ما يهدد سوريا اليوم، فذلك رهن بتوافقات إقليمية ودولية قد تُفرض من الخارج؛ بل الخطر الحقيقي يكمن في تآكل ثقة السوريين بإمكانية البقاء والعيش في وطنهم، وإن أي تسوية سياسية إقليمية لا يمكن أن تُكتب لها الحياة ما لم يشعر المجتمع السوري أنه شريك في رسم مصيره، وما دام الغموض يلفّ شكل الدولة القادمة، فإن الأزمة تتجاوز السياسة لتغدو أزمة وجود، تدفع بالسوريين نحو الهجرة، أو الانكفاء، أو حتى إنتاج روايات متناقضة بعدد سكان البلاد.


التعليقات

الصنف

خطوط حمر

منشور حديثاً

الأكثر قراءة

تابعنا

مقالات ذات صلة

الكلمات المفتاحية

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026