هاشتاغ
بحث

عن الغضب والصمت و"المسؤولية" في بلد "بلا مؤسسات"

12/02/2026

رأي---محمد-هرشو

شارك المقال

A
A

رأي ـ محمد محمود هرشو



ليست المشكلة في سوريا اليوم مجرد أزمات معيشية متلاحقة، بل في الطريقة التي يُعاد فيها تعريف المسؤولية نفسها.


بلد يعاني أزمات في الكهرباء والغذاء والخدمات وكل شيء، فيما يتجه الغضب الشعبي إلى المسؤولين الصغار، وتبقى السلطة الحاكمة "الحقيقية" خارج دائرة الاتهام، محاطة بهالة صمت تبدو أحياناً طوعية أكثر منها مفروضة.


المشهد الأخير في مخيمات ريف إدلب واللاذقية التي غرقت بالماء والطين، كشف الحقيقة بلا تجميل: بلد كامل يعيش على هامش إدارة بلا مؤسسات، فيما يُطلب من الناس أن يكتفوا بالغضب من التفاصيل وأن يتجاهلوا أصل المشكلة.


غرق المخيمات ليس كارثة طبيعية بقدر ما هو نتيجة طبيعية لسلطة لا تُسأل ولا تُحاسَب. وحين تتكرر المشاهد نفسها مع كل عاصفة، يصبح السؤال عن المسؤولية السياسية أكبر من أي سؤال عن الخدمات.


لكن ما يحدث فعلياً هو العكس تماماً: يتحول النقاش إلى اتهام مسؤول هنا أو وزارة هناك، وكأن البلاد تدار بلا مركز قرار حقيقي.


الأمر لا يتوقف عند المخيمات. تأخر الرواتب لشهر أو شهرين في بعض القطاعات صار خبراً عادياً، واستمرار سياسات الفصل الوظيفي يعمّق شعور الناس بأن العمل نفسه لم يعد ضماناً للحياة. ومع ذلك، يستمر الخطاب العام في التعامل مع كل أزمة كأنها حادثة منفصلة: الكهرباء مشكلة تقنية، الرواتب خلل إداري، المخيمات ملف إنساني. بينما الحقيقة أبسط وأكثر قسوة: كل هذه الأزمات أعراض لنظام إدارة بلا رقابة ولا مؤسسات.


جزء من السوريين اختار الصمت لأنه يرى أن الهدف الأكبر تحقق برحيل الأسد وحقبته الفظيعة، وأن أي سلطة تُقدَّم باسم "الأغلبية" تستحق فرصة مفتوحة مهما كان الثمن. وجزء آخر يكرر خطاب المرحلة الانتقالية، معتبرًا أن الكوارث الحالية مجرد نتيجة لإرث ثقيل لا يمكن إصلاحه بسرعة. لكن ما يحدث أن هذه التبريرات نفسها أصبحت جزءاً من آلية الحكم: تأجيل دائم للمساءلة، وتوسيع مستمر لسلطة القرار، مع وعد دائم بأن الإصلاح سيأتي لاحقاً.


لكن النتيجة واحدة: سلطة تقدم نفسها باعتبارها الممثل الوحيد للأغلبية، وتفرض رؤيتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية على المجتمع، بينما تغيب المؤسسات التي يمكن أن توازن أو تناقش أو تحاسب.


في بلد بلا أحزاب حقيقية، بلا نقابات مستقلة، بلا برلمان فعلي، تصبح كل أزمة اختباراً جديداً لمدى قدرة الناس على إنكار جذورها السياسية. من يتوقع خدمات حديثة في ظل غياب المحاسبة لا يحلم فقط، بل يتجاهل شروط وجود هذه الخدمات أساساً.


الكهرباء، الرواتب، المخيمات، كلها ليست سوى مرايا تعكس سؤالاً واحداً: من يملك القرار، ومن يملك القدرة على مساءلته؟


الأمم لا تفشل فجأة. تفشل حين تمنح تفويضاً مفتوحاً لكيان لا يُسأل، وحين يتحول الغضب إلى تنفيس مؤقت لا يمس جوهر السلطة.

ما يحدث اليوم ليس سلسلة أزمات منفصلة، بل مسار كامل يعيد إنتاج فكرة أن البلاد يمكن أن تُدار بلا مؤسسات، وأن الأغلبية مجرد شعار سياسي لا عقد اجتماعي حقيقي.


ربما لهذا تبدو الاحتجاجات الغاضبة عاجزة عن التغيير. لأنها تهاجم الفاتورة وتنسى النظام الذي كتبها. تشكو من العتمة ولا تسأل من يطفئ الضوء.

التعليقات

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026