رأي - نضال الخضري
غابت الثقافة عن معرض الكتاب على الرغم من وفرة العناوين التي ظهرت، فبعيداً عن كل التصورات التي رسمتها الانطباعات السريعة، والفيديوهات التي صورت إشكاليات متعددة، فإن غياب الثقافة سبق "المعرض"، لقد أن تحول الورق الذي يحمل إرث المعرفة إلى "ثورة معلومات" مشوه في بلد تحتاج إلى نسق معرفي مختلف.
أزمة الكتاب موجودة منذ زمن، ولكن "هدر المعلومات" في وسائل التواصل جعل المسألة مختلفة كلياً، فالاهتزاز المعرفي يمكن رصده في انفجار وسائل التواصل بعد كل اختبار اجتماعي نعيشه، وعلى الرغم من أن "المعرفة الإلكترونية" أثّرت في العالم بأسره، وغيرت من أدوات الثقافة، فإنها داخل مجتمعنا غيّرت من العلاقة ما بين الثقافة والناس؛ لأن "خلق المعرفة" أصبح مهمة شائعة يمارسها الجميع، وانتقلت من البناء إلى "الهدر" المعرفي.
لم تكن المشكلة في التقنيات الحديثة لنقل المعلومات؛ بل في البنية الثقافية التي وجدت سلاحاً جديداً للتخلص من عبء البناء الثقافي، فثورة الاتصالات والتدفق الهائل من المعلومات، حوّلت المنصات الرقمية إلى ساحات صخب، تتجاور فيها الشائعة مع التحليل، والانطباع الشخصي مع المعلومة الموثقة، من دون وجود مرجعية نقدية قادرة على الفرز، فتراجعت قيمة التخصص، وتقدمت ثقافة الرأي السريع على حساب الفهم العميق.
في معرض الكتاب، ظهرت الأزمة بوضوح رمزي في الأجنحة المزدحمة والعناوين الكثيرة، لكن السؤال الجوهري بقي معلقاً، فما الذي نقرأه؟ ولماذا؟ ومن يحدد أولوياتنا المعرفية؟ فالمعرض ليس مجرد سوق للكتب؛ بل مرآة لواقع ثقافي أوسع، وحين يغيب النقاش في المضامين، ويحل محله التركيز على الأرقام والحضور، فإننا نكون أمام حدث استهلاكي أكثر من كونه مشروعاً ثقافياً.
الكتاب في سوريا لم يخسر معركته أمام الشاشة فقط؛ بل خسرها أيضاً أمام التحولات الاقتصادية والاجتماعية؛ لأننا انتقلنا من ثقافة السؤال إلى ثقافة الإجابة الجاهزة، ومن التراكم المعرفي إلى رد الفعل اللحظي، وهذا التحول لم يصنعه "الفيسبوك" أو "تيك توك"؛ بل كشفه، فعندما تصبح المعلومة سلعة سريعة التداول، يفقد النص الطويل جاذبيته، وينظر إلى التحليل بوصفه ترفاً نظرياً، فتتراجع القراءة بوصفها فعلاً تأملياً، لتحل محلها متابعة متقطعة لا تبني وعياً متماسكاً.
إعادة الاعتبار للثقافة يحتاج إلى إعادة تعريف دورها في الحياة العامة، فهي ليست نشاطاً جانبياً، إنما شرط لتكوين مواطن قادر على الفهم والمساءلة، وهذا يتطلب إصلاحاً تربوياً يعيد الاعتبار للقراءة النقدية، ويشجع على البحث والتحقق، بدلاً من الحفظ والتلقين، ويحتاج إلى سياسات نشر عادلة، تضمن تنوع الأصوات، وتحمي حرية التعبير ضمن إطار قانوني واضح.
سوريا تحتاج إلى مشروع ثقافي يخلق مساحة يمكن فيها تفكيك السرديات المتصارعة، وبناء لغة مشتركة تعيد ترميم الثقة، والكتاب بشكله أو كصفحة على الإنترنت هو أداة لإعادة ترتيب العالم في أذهاننا، وإذا كان معرض الكتاب قد كشف هشاشة المشهد، فإنه في الوقت نفسه يذكّر بإمكانية التغيير، فالسؤال ليس كم كتاباً طُبع؛ بل أي وعي نريد أن نبني؟ وبين الهدر والبناء المعرفي، تقف مسؤولية جماعية لا يمكن تأجيلها.


