مازن بلال
في مؤتمر ميونخ للأمن (الدور 62) كانت سوريا حاضرة بوفدين، الأول حكومي والثاني بمندوبين عن قسد، وعلى الرغم من أن النقاشات واللقاءات لم تظهر تعارضاً في هذا الحضور، لكنه على المستوى السياسي يطرح التمثيل السوري بآلية غير مألوفة، فالتعامل كان رسمياً مع الوفدين بلقاءات عالية المستوى، ربما كان أهمها لقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، وقائد قوات قسد مظلوم عبدي.
قراءة هذه الصورة تتجاوز التفاصيل البروتوكولية لمؤتمر ميونخ للأمن، فشكل التمثيل يعبر عن مضمون السياسة نفسها، ووجود وفدين سوريين إلى طاولة واحدة، من دون إعلان تناقض، يظهر مقاربة دولية ترى في الجغرافيا السورية تعددية أمر واقع، لا مجرد أزمة عابرة في مسار دولة مركزية.
الولايات المتحدة بدت في أعمال المؤتمر تُكرّس منطق "الإدارة المزدوجة" مع اعتراف رسمي بالدولة السورية من بوابة الدبلوماسية، فاللقاء الثلاثي، وإن لم يُعلن اجتماعاً جامعاً، يحمل دلالته الرمزية؛ إذ إن واشنطن تُمسك بخيوط توازن دقيق بين مركز دمشق وأطرافها، من دون أن تمنح أياً منهما تفويضاً كاملاً.
هذا النموذج لا يعني بالضرورة إعادة تعريف الشرعية، لكنه يشي بإعادة توزيعها، فالمؤتمرات الدولية لا تمنح شرعية بقدر ما تظهرها، وعندما يُستقبل قائد عسكري غير حكومي في مستوى موازٍ لوزير خارجية دولة، فإن الرسالة تتجاوز المجاملة، فهي إشارة إلى أن ملف شمال شرقي سوريا لم يعد ملفاً أمنياً صرفاً؛ بل أصبح جزءاً من معادلة إقليمية أوسع، تتداخل فيها حسابات تركيا، وإيران، وروسيا، والولايات المتحدة.
لم يظهر في ميونخ صدام علني بين الوفدين السوريين، وغياب التعارض لا يلغي التباين البنيوي في الرؤى، فالسلطة السورية الحالية ما زالت تنطلق من مبدأ وحدة القرار والسيادة المركزية، في حين ترى "قسد" ضرورة النظر إلى الخصوصية الكردية بصفتها قومية، وهذا الشكل السياسي في اللقاء بين الوفد الرسمي وطرف يحمل في عمقه مخاطر كامنة، فتكريس تمثيل مزدوج يرسّخ انقساماً وظيفياً داخل الدولة، حتى لو لم يُعلن رسمياً، ويتحول هذا الترتيب المؤقت إلى بنية دائمة، يصعب تفكيكها، فهل تستطيع سلطة دمشق استعادة مركزية القرار عبر مسار سياسي تفاوضي، أم أن الترتيبات الدولية ستفرض صيغة لامركزية أعمق مما هو مطروح في التفاهمات الحالية بين السلطة وقسد؟
أظهر حضور سوريا في ميونخ صورة مركبة لسلطة تتفاوض على وحدتها في الخارج، بينما تُختبر في الداخل بتحديات إعادة البناء والسيادة، والنموذج الذي ظهر في المؤتمر لا يحسم مستقبل سوريا، لكنه يكشف عن اتجاه للمجتمع الدولي في التعامل مع سوريا بوصفها ساحة توازنات، لا قضية مغلقة، وبين هذين التعريفين، يتحدد مسار السنوات المقبلة؛ إما نحو إعادة توحيد تدريجية لمراكز القرار، وإما نحو تثبيت تعددية سياسية - أمنية تُدار تحت سقف الدولة، من دون أن تعود إليها كاملة.
تكريس تمثيل مزدوج يرسّخ انقساماً وظيفياً داخل الدولة، حتى لو لم يُعلن رسمياً، ويتحول هذا الترتيب المؤقت إلى بنية دائمة، يصعب تفكيكها...


