هاشتاغ
بحث

داعش والإرباك السوري

23/02/2026

داعش-وسوريا

شارك المقال

A
A


مازن بلال


إغلاق المخيمات الخاصة بـ"داعش" في سوريا مثلت نهاية فصل سياسي، وبداية لحالة إرباك على مستوى واقع التنظيم في سوريا، فنشاط خلايا "الدولة الإسلامية" دخل مرحلة مختلفة خصوصاً أن بعض عمليات "الهروب" تم توثيقها، والبيانات المتتالية في الأيام الماضية تؤشر على أن إغلاق المخيمات شكل حافزاً نوعياً على الرغم من محدودية العمليات التي تم إعلانها.


كان الانتظار لسنوات حتى يتم إخلاء المخيمات عملاً دولياً مقصوداً، فهو رسم لوظائف الوجود الأمريكي في المنطقة، وفي الوقت نفسه ورقة ضغط إقليمي مزدوجة على سوريا والعراق، ويظهر اليوم من جديد بصفته تحدياً سياسياً مختلفاً عن السابق، لأنه يطرح مأزق قوة الدولة وفق صورتين أساسيتين:


الأولى مرتبطة بـ"جغرافيا التوتر" التي بدأت تظهر على المساحة ما بين سوريا والعراق، من فخلايا "داعش" لم تكن واقعاً مغلقاً داخل المخيمات في سوريا؛ بل محاصرة بالوجود العسكري الكثيف والمراقبة على الأرض، وهي تجد نفسها اليوم أمام فراغ أمني مع انحسار القوة العسكرية للجيش السوري وقوات "قسد".


الصورة الثانية هي المجال المفتوح الذي ظهر بنقل وقوات عوائل "داعش" باتجاه مناطق أخرى وخصوصاً في شمال إدلب، فالتنظيم لم يكن يستند إلى بنية عسكرية تقليدية والبنية الاجتماعية كانت أساسية في تطوره، فانتقال "العائلات" نحو مخيمات مفتوحة يشكل تحويل للخطر الاجتماعي وانتشار التطرف على طول الجغرافيا السورية.


هذا التحول لا يمكن قراءته بصفته إعادة تموضع أمني: بل هو صياغة تعريف لمفهوم السيطرة نفسه، فالمخيمات، كانت بمنزلة "جدار احتواء" يحصر الخطر في نطاق جغرافي محدد، وتفكيكها يضع السلطة أمام اختبار القدرة على الضبط الاجتماعي قبل الضبط العسكري، والسؤال الأساسي هل تمتلك الأطراف المحلية بنية استخبارية ومجتمعية قادرة على امتصاص هذا الانتشار، أم أن الفراغ سيتحول إلى بيئة إعادة إنتاج؟


في المقابل شكل خط التماس الممتد من البادية السورية حتى الأنبار العراقية ممراً تاريخياً للحركة والتنظيم، ومع تراجع الضغط المركز على الخلايا، شهدنا عودة لنمط "الضربات المتفرقة" التي لا تهدف إلى السيطرة على الأرض؛ بل إلى إثبات الحضور وإرباك الخصوم، وهذا النوع من العمليات لا يحتاج إلى كثافة بشرية بقدر ما يحتاج إلى ثغرات، والثغرات اليوم ليست عسكرية فحسب؛ بل اجتماعية أيضاً.


لا يعني إغلاق المخيمات نهاية خطر "داعش"؛ بل انتقاله من صيغة الاحتواء إلى صيغة "السيولة"، والفارق بين المرحلتين لا يقاس بعدد العمليات المعلنة؛ بل بقدرة البنية السياسية والاجتماعية على منع تحول الخلايا المتناثرة إلى مشروع متماسك، وبينما يبدو المشهد هادئاً في ظاهره، فإن ما يجري في العمق هو إعادة تشكيل لتوازن هش، يفرض على سوريا والعراق مرحلة جديدة من الإرباك، عنوانها الأساسي أمن بلا مركز، وخطر بلا حدود واضحة.


الواقع الجديد لـ"داعش" تتقاطع فيه السياسة بالأمن، وأي معالجة أمنية معزولة عن مقاربة تنموية ومجتمعية ستبقى قاصرة عن تفكيك جذور الظاهرة، فالمعركة لم تعد مع تنظيم ظاهر؛ بل مع بيئة هشة يمكن أن تتحول، في لحظة فراغ، إلى حاضنة لنسخة أكثر غموضاً وأشد قدرة على التخفي والبطش.

لا يعني إغلاق المخيمات نهاية خطر "داعش"؛ بل انتقاله من صيغة الاحتواء إلى صيغة "السيولة"، والفارق بين المرحلتين لا يقاس بعدد العمليات المعلنة...

التعليقات

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026