رأي - مالك الحافظ
هناك العديد من المواقف السابقة والتصريحات التي أدلى بها عدة أفراد من فريق السلطة الانتقالية يتجاهلون من خلالها الديمقراطية عمداً أو يسمونها ويحذرون منها وبل يتبجح بعضهم بعدم نجاح الديمقراطية في 22 دولة عربية.
في حقيقة الأمر فإن السلطة الانتقالية في سوريا تعمل ضمن فضاء سياسي مضغوط، تحكمه قرارات مركزية، ويغيب عنه الإطار التمثيلي المنظّم. هذا الواقع أفرز نمط إدارة يقوم على ضبط المجال العام، وتأجيل إدخال السياسة المؤسسية إلى قلب العملية الانتقالية. الخطاب السائد لدى دوائر قريبة من السلطة يركّز على وهم الاستقرار، ويترك قضايا التمثيل والمشاركة في حالة غياب تام أو نقيصة وطنية لمن يطالب بها.
تحضر الديمقراطية في هذا الخطاب كفكرة مؤجلة مؤقتاً ومقتولة لاحقاً، فالآن يجري التعامل معها كملف مؤجل، من دون جدول زمني أو إطار عملي واضح. هذا الحضور المؤجل يعكس حالة قلق سياسي من إدخال آليات المشاركة والرقابة في مرحلة مبكرة، ويحوّل الديمقراطية إلى مفهوم يتم القضاء عليه تدريجياً خارج أي ممارسة فعلية محتملة أو مفترضة.
تعتمد المرحلة الانتقالية الحالية على سلطة تنفيذية واسعة الصلاحيات، من دون وجود مجلس انتقالي فاعل يضطلع بدور تشريعي ورقابي. هذا الفراغ التمثيلي يمنح السلطة قدرة عالية على إدارة القرار، ويحدّ من تداول الرأي داخل بنية الحكم. وضمن هذا الإطار يجري الترويج لفكرة مجلس شعب مستقبلي كان قد تم ترتيبه من قبل السلطة الانتقالية، ولكن من دون خطوات عملية ذات قيمة ووزن إن كان لتحديد صلاحياته أو آليات مساءلته.
فيما يتحوّل الحديث المتكرر عن مجلس شعب قادم إلى أداة سياسية لتأجيل النقاش حول الحاجة الفعلية لمجلس انتقالي قائم. فالمجلس المؤجَّل يُطرح كامتداد إداري للسلطة الانتقالية، وليس كمؤسسة مستقلة تعبّر عن التعدد السياسي والاجتماعي. ما يرسّخ نموذجاً تشريعياً تابعاً، ويضعف فكرة الفصل الوظيفي داخل الدولة الناشئة.
يلعب داعمو السلطة دوراً محورياً في تسويق هذا النهج، عبر خطاب يركّز على أولوية الإدارة والأمن وضبط الإيقاع السياسي. هذا الخطاب يقدّم التأجيل المستمر للمشاركة السياسية كخيار عملي، ويحوّل القلق من الانفتاح السياسي إلى موقف عام مقبول. في هذا السياق، نرى أن من الطبيعي أن نلمس لدى قطاع واسع من جمهور السلطة تراجعاً عن الأسئلة المتعلقة بالشرعية والتمثيل، ما يعني نسف أي احتمالية لغياب النقاشات الجدية حول بنية الحكم الانتقالي.
بالعموم فإن الديمقراطية في التجارب الانتقالية تظهر كأداة لتنظيم الخلاف وتوزيع المسؤولية داخل السلطة. لذا فإن وجود مجلس انتقالي يفتح المجال أمام مشاركة قوى اجتماعية وسياسية متعددة، ويؤسس لمسار تشريعي يضبط القرار التنفيذي، هو مسألة ضرورية توفّر بيئة سياسية أكثر استقراراً، ويمنح المرحلة الانتقالية عمقاً مؤسسياً.
إن إطالة أمد المرحلة الانتقالية من دون بنية تمثيلية واضحة تكرّس نمط حكم قائم على القرارات الفردية، وتحدّ من قدرة المجتمع السياسي على التفاعل المنظّم مع السلطة. لذا فإن هذا النمط يعمّق الفجوة بين الحكم والمجال العام، ويؤجل بناء الثقة السياسية الضرورية لأي مسار مستقبلي.
وبناء على ما تقدم، فإن إنشاء مجلس انتقالي بصلاحيات محددة ومسؤوليات واضحة يشكّل خطوة مركزية في إعادة إدخال السياسة إلى المجال العام. هذا المجلس يوفّر مساحة للنقاش المنظّم، ويؤسس لتوازن داخل السلطة، ويمنح العملية الانتقالية إطاراً مؤسسياً قابلاً للتطور. حضور هذا الإطار يعزّز شرعية القرار، ويضع أسساً عملية لمشاركة سياسية واسعة.
في التجارب الانتقالية المعاصرة، يظهر تعليق الديمقراطية كأداة حكم قائمة بذاتها. فالتأجيل هنا يبرز كآلية لإدارة المجال السياسي عبر التحكم بإيقاعه وحدوده. في حالات متعددة، تحوّل هذا التعليق إلى نمط مستقر لإنتاج السلطة، حيث تُدار المرحلة الانتقالية من خلال إطالة أمد اللايقين السياسي بدلاً من حسمه.
وغالباً ما يمكن تعطيل الديمقراطية من خلال عملية تتمثل في نزع السياسة من المجال العام، فتتحول الخلافات الاجتماعية والسياسية إلى "مشكلات تنظيمية"، وتُعاد صياغة الصراع كمسألة ضبط واستقرار وليس مسألة تمثيل وتعدد.
بينما تعتمد بعض السلطات الانتقالية على ما يمكن تسميته بالشرعية الإجرائية، أي شرعية مستمدة من القدرة على إدارة الخدمات والأمن والحد الأدنى من الاستقرار، في مقابل إهمال الشرعية السياسية القائمة على التمثيل والمشاركة.
تُستخدم في العديد من السياقات الانتقالية فكرة "المؤسسات القادمة" كوسيلة لإدارة الحاضر لا المستقبل. مجلس شعب مؤجَّل، أو دستور قيد الإعداد، أو انتخابات غير محددة زمنياً، كلها أدوات رمزية تُوظّف لتعليق المطالبة بمؤسسات قائمة.
في تجربة السودان بعد 2019، شكّل الحديث المتكرر عن مجلس تشريعي انتقالي غير متحقق وسيلة لتأجيل النقاش حول طبيعة السلطة الفعلية، ما أتاح استمرار هيمنة الفاعل التنفيذي والعسكري.
كثيراً ما يُبرَّر تعطيل الديمقراطية بالخوف من الفوضى أو الانقسام، لكن التجارب المقارنة تشير إلى أن الدافع الأعمق يكمن في الخوف من التعدد داخل بنية الحكم نفسها. التعدد لا يهدد الاستقرار فقط، بل يهدد احتكار القرار.
إن إعادة إدخال السياسة إلى المجال العام في المراحل الانتقالية ليست مسألة تنظيمية أو تقنية، إنما هي صراع على تعريف من يملك القرار، ومن يراقبه، ومن يشارك في صناعته. التجارب المقارنة تُظهر أن المجالس الانتقالية، حين تكون فعلية ومستقلة، تعمل كآليات لإعادة توزيع السلطة داخل الدولة. من دون هذا البعد الصراعي، تتحول المجالس إلى واجهات شكلية، ويُختزل الانتقال في إدارة شكلية بلا أفق سياسي.
المرحلة الانتقالية في سوريا تقف أمام خيار بنيوي يتعلق بشكل السلطة وطبيعة إدارتها، فاستمرار العمل من دون إطار تمثيلي يعمّق الطابع الإداري للحكم، ويؤجل بناء السياسة المؤسسية. وعليه فإن إدخال الديمقراطية عبر مجلس انتقالي فعلي يشكّل مدخلاً عملياً لإعادة تنظيم السلطة، وترسيخ مسار سياسي قابل للاستمرار، ضمن واقع سوري معقّد يحتاج إلى أدوات حكم تشاركية واضحة.


