رأي - نضال الخضري
هناك رعب حقيقي من الصور الدرامية التي تهاجمنا في رمضان، فتخلق مساحة قلق تخنقنا كمشاهدين من قلب المدن التي نعيشها، وأحيانا نفقد أنفسنا ونحن نبحث عن تلك الشخصيات التي تجسد علاقاتنا الاجتماعية، فالصراع الذي يداهمنا مشروع في عمل درامي لكنه أيضاً يقضي على ما تبقى لدينا من يقين وثقة بأننا نعيش وسط مجتمع عادي.
ما يدفع لليأس أن فرص النجاة من الخيال المريض تبدو ضحلة للغاية، فهناك سلسلة من المؤامرات الفردية، ودوائر فساد حتى داخل العائلة الواحدة، وجرائم مضطرون لمتابعتها بعد يوم رمضاني طويل، فنغادر الشاشة مثقلين بإحساس مضاعف بالهزيمة؛ هزيمة الواقع حين يتم نقله إلينا على أنه هموم، وهزيمة الخيال حين يتحول إلى مرآة مشوهة لا تعكس سوى القبح وتعمَمه باعتباره القاعدة.
المشكلة ليست في الدراما بوصفها فنَاً للصراع، فهو جوهر الحكاية وشرط تطورها، لكن الإشكالية في اختزال المجتمع بصورة تتجاوز الوجع وتحاول أن تجعلنا دمى داخل مشاهد درامية، فتكرس سردية الفساد كقدرَ لا فكاك منه، والخيانة اللغة الوحيدة للعلاقات، والنجاة لا تتحقق إلا على أنقاض الآخرين، وهنا لا تعود الدراما أداة مساءلة، بل تصبح آلية تطبيع مع الانهيار.
في سوريا لسنا بعيدين عن تعبَ تراكم في الجدران قبل الوجوه، وعن شقوقَ اتسعت بصمت حتى صارت العتبات أعلى من قدرتنا على العبور، وحين تتكفَل الدراما بتكبير هذه الشقوق، من دون أن تترك بينها وبيننا مسافة تأمل، فإنها لا تكتفي بعرض الندوب، بل تحوَلها إلى هوية كاملة، فالمشاهد الذي يدخل الحكاية بحثَاً عن خيطَ يرمَم المعنى، يخرج منها محاطَاً بعتمة مضاعفة؛ كأن الضوء نفسه متهم، وكأن النجاة لا تمرَ إلا عبر سقوطَ آخر.
لا نريد أن تتحول الحكاية إلى موعظة تَعلَق على جدار، ولا أن تنشغل بتلميع الواجهة فيما يتآكل الداخل، فما نحتاجه سردَ يجرؤ على ملامسة الجرح من دون أن يتلذذ بعرضه، وأن يقترب من العطب وهو يدرك أن خلف كل تصدَع تاريخَاً من الإهمال، وخلف كل سقوط طبقاتَ من الصمت المتراكم، وأن نرى الجريمة لا كفعلَ يتكرر لأن الكاتب يريد رسم متاهة اجتماعية، بل كظلَ طويل لاستثناءات تحدث، فلا يبدو الشرَ صفةَ فطرية، بل نتيجة مسارَ يمكن فهمه… وربما تغييره.
إن الإغراق في الصور الدرامية السوداوية، من دون توازن، يرسَخ قناعة خطيرة بأن المجتمع السوري كيان مفكك أخلاقيَاً، وأن الفرد محكوم بالانتهازية كقدر وجودي، وهذه سردية مريحة لمراكز القرار السياسي ولصنَاع الدراما الباحثين عن الربح؛ فهي تعفي البنى الكبرى من المساءلة، وتحصر المسؤولية في أفراد متناحرين داخل عائلة أو حارة أو مؤسسة.
ليست المشكلة في أن نشاهد وجعنا، بل في صياغة هذا الوجع، فهل يَقدَم بوصفه قدرَاً محتوماً؟ أم باعتباره نتيجة سياسات وخيارات يمكن تغييرها؟ فيظهر الفارق بين دراما تَعيد إنتاج اليأس، ودراما تفتح نافذة – ولو ضيقة – على إمكانية المعنى والأمل.


