هاشتاغ
بحث

فصام اجتماعي بامتياز

06/02/2026

فصام-اجتماعي-بامتياز

شارك المقال

A
A

هاشتاغ - نضال الخضري

 

 في صفحات التواصل الاجتماعي تتطور "حرب خفية" يصعب تتبع أطرافها، فهي مواجهة غير معلنة على مساحة العلاقات الاجتماعية في سوريا، فعندما انتهت أشكال السياسة ظهرت قواعد جديدة لـ"الاشتباك الاجتماعي"، تنقل كل شخص نحو فضاء مجهول، وتجعل "الهوس" الفردي جزءاً من الحياة العامة، وتحاول نقلنا إلى زمن "إمارات المدن" و "صراع الحارات"، فتشتعل لغة مريضة تجعل التواصل البشري مستحيلاً.

 

حرب "المنشورات" والتعليقات السريعة لا تحمل سوى العبث الاجتماعي لأن "لغة السخرية" تخلق مساحة غضب فقط، فهي موجهة لكسر القدرة الاجتماعية على الاتفاق والوصول إلى الحد الأدنى في تعريف الواقع، وفي هذا الفضاء يصبح الخبر ذريعة والفكرة سلاحاً فكل منشور يُقاس بقدرته على الاستفزاز، وكل رأي يُختبر بمدى قابليته على اختراق البعد الاجتماعي، فتُستبدل السياسة بحالة جماعية متوترة، تُعيد ترتيب المجتمع وفق انفعالاته لا وفق مصالحه.

 

هذه الحرب لا تحتاج إلى غرفة عمليات مركزية فيكفيها خوارزميات تكافئ الغضب وتُضخم الاستقطاب، وتُجزئ الجمهور إلى جماعات مغلقة، وداخل هذه الجزر الرقمية، يتعزز وهم المعرفة الكاملة وتُصنع حالة يقين سريعة لا تحتمل النقاش، وعندها يصبح الاختلاف خيانة والسؤال تشكيكاً، والحياد جريمة، فتتآكل اللغة بوصفها أداة تفاهم، وتتحول إلى حروف متراصة للتصنيف والإقصاء، فيتم تحميل الكلمات دلالات عقابية، وتُستخدم علامات هوية أكثر منها وسائل تواصل.

 

إنه صراع على السردية من يملك حق الكلام، فمع غياب أطر سياسية جامعة، تتسلل العصبيات الصغيرة لتملأ الفراغ، وشظايا الكلمات تُصيب بعمق العلاقات الاجتماعية، وتترك ندوباً في الثقة يصعب ترميمها، فالأخطر في هذه الحرب الخفية أنها تُطبع العنف وتجعله اعتيادياً، فالإهانة تصبح رأياً والتحريض يُقدم بوصفه حرية تعبير والتنمر يُسوق دعابة، وتُستنزف الطاقة الاجتماعية في معارك مجانية، بينما تُهمش القضايا الجوهرية، فالمجتمع يُستدرج عمداً إلى حروب صغيرة تُلهيه عن أسئلته الكبرى.

 

في حرب منصات التواصل، التفاعل هو العملة والغضب هو الوقود الأسرع، فكلما اشتد الاستقطاب زاد الانتشار تعمقت الانقسامات، ويصبح المستخدم شريكاً في إعادة إنتاج العنف الرمزي فعبر الأفعال الصغيرة التي تجري على الجوالات يظهر مناخ خانق، يطرد العقلانية ويعادل الانفعال.

 

في النهاية، ما يجري في وسائل التواصل ليس مجرد ضجيج عابر؛ بل مرآة مكبرة لأزمة أعمق في سوريا، فهي حرب بلا جبهات واضحة، لكنها تمس الجميع، وإعادة ضبط قواعد هذا الاشتباك الاجتماعي هي أخطر ما نواجهه، فما يحدث لا يكمن فقط في تفكك النقاش العام؛ بل في ترسيخ فصام بعيد الأمد بين السوريين أنفسهم؛ فصام يجعل العيش المشترك ممكناً شكلياً، ومستحيل فعلياً.

 

في هذا الفضاء الرقمي المشتعل، لا تُقاس الخسارة بعدد المنشورات؛ بل بما يتآكل من الثقة بين الناس، وما لم يُعاد ضبط إيقاع الكلام وحدود الاختلاف، ستظل الحرب الخفية تلتهم ما تبقى من الاجتماع السوري، فالكلمة حين تنفلت من مسؤوليتها تفعل ما لا تفعله البنادق، وليس المقصود هنا تكميم الأفواه؛ بل تفعيل العمل السياسي القادر وحده على بناء بيئة احتماعية تنتج سردية وطنية واحدة، لا مجرد ثرثرات تزيد الشقاق، وتحطم كل الروابط الاجتماعية.

التعليقات

الصنف

خطوط حمر

منشور حديثاً

الأكثر قراءة

تابعنا

مقالات ذات صلة

الكلمات المفتاحية

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026