رأي ـ مالك الحافظ
يعود الحديث بين فترة وأخرى عن إمكان التحول في سوريا إلى الملكية عبر بعض منصات التواصل الاجتماعي، بل ويتبنّى هذا الطرح أيضاً أفراد محسوبون على دوائر داعمة للسلطة الانتقالية. طرحٌ كهذا يستدعي قراءة سياسية تتجاوز السجال الأخلاقي أو الانفعال اللحظي، وتتناول طبيعة المرحلة السورية الانتقالية، وبنية الدولة الجديدة، وتوازنات السلطة، ومسار إعادة تشكيل النظام السياسي.
القضية تتصل بطبيعة العقد السياسي الجاري تشكيله، وبالجهة التي تملك حق اقتراح إعادة تعريف شكل الحكم، وبالتوقيت الذي يُطرح فيه هذا الخيار.
لقد عرفت سوريا صيغة ملكية قصيرة جداً في بداية القرن العشرين ضمن ظروف إقليمية ودولية خاصة. تلك التجربة لم تُنتج بنية حكم متواصلة، ولم تترسخ عبر تقاليد سياسية مستقرة أو سلالة ممتدة تمارس دوراً رمزياً داخل نظام دستوري. المسار اللاحق للدولة السورية تمحور حول الجمهورية، بصرف النظر عن طبيعة السلطة التي حكمت باسمها.
التاريخ السياسي السوري تشكّل عبر انقلابات عسكرية، وتوسّع في صلاحيات الجهاز التنفيذي، وإضعاف مستمر للمؤسسات التمثيلية. هذا الإرث صنع نمطاً سلطوياً داخل إطار جمهوري، وأنتج أزمة مزمنة في العلاقة بين السلطة والمجتمع، لذا فإن طرح الملكية اليوم يتقاطع مع هذا الإرث، ويستدعي إعادة قراءة مسار الدولة منذ الاستقلال حتى المرحلة الانتقالية الحالية.
إن الأنظمة الملكية المعاصرة تستند إلى مرتكزات تاريخية واجتماعية واقتصادية واضحة، ففي بعض الحالات يرتبط الحكم بسلالة متجذرة في الوعي الجمعي، وتُمارس دوراً رمزياً ضمن نظام دستوري محكوم بضوابط مؤسساتية راسخة. في حالات أخرى، يرتبط الاستقرار ببنية اجتماعية تقليدية أو بقدرة مالية عالية تتيح إدارة التوازنات الداخلية.
أي انتقال نحو صيغة ملكية يتطلب بنية مؤسساتية مستقرة، ونظاماً قانونياً محدداً للصلاحيات، وتوافقاً سياسياً واسعاً حول موقع العرش وحدود دوره. هذا النوع من التحول يمر عبر مسارات تفاوضية طويلة داخل النخب السياسية والاجتماعية، ويترافق مع إعادة صياغة دستورية عميقة.
إن النقاش حول شكل الحكم يرتبط مباشرة بمصدر الشرعية التي يقوم عليها النظام السياسي، ففي الأدبيات الكلاسيكية، يميّز ماكس فيبر بين الشرعية التقليدية، والشرعية الكاريزمية، والشرعية القانونية–العقلانية. الشرعية التقليدية تستند إلى العرف والوراثة واستمرارية السلالة، أما الشرعية الكاريزمية تنبع من شخص القائد وقدرته على تعبئة الولاء، بينما تقوم الشرعية القانونية على قواعد عامة وإجراءات مؤسساتية تضبط ممارسة السلطة.
الدولة الحديثة، كما تشكلت في التجربة الأوروبية ثم انتقلت إلى العالم عبر موجات الاستقلال، قامت أساساً على الشرعية القانونية–العقلانية. جوهر هذا النمط يكمن في خضوع الحاكم والمحكوم لقواعد مكتوبة، وفي قابلية السلطة للتداول عبر إجراءات محددة زمنياً. في هذا السياق، يتحول النقاش حول الملكية إلى نقاش حول نوع الشرعية المراد تثبيتها في البنية الدستورية المقبلة، ما يعني أن إدراج عنصر الوراثة داخل النظام السياسي سيؤدي إلى إعادة تعريف مصدر الشرعية، ونقل مركز الثقل من القواعد العامة إلى استمرارية سلالة أو موقع ثابت.
المشهد السوري الراهن يتسم بإعادة بناء مؤسسات الدولة، وبإعادة توزيع مراكز النفوذ، وباقتصاد يعاني من اختلالات بنيوية حادة. البيئة السياسية في طور التشكل، والحياة الحزبية ما زالت غائبة، والمجتمع المدني يخوض مسار إعادة تنظيم ضعيف الحركة. هذا الواقع يضع أي حديث عن تغيير جذري في شكل الحكم ضمن سياق بالغ الحساسية.
المرحلة الانتقالية بالعموم تحمل طبيعة خاصة، فالسلطة التنفيذية تكون في موقع مركزي، والأولويات المعلنة تتركز على الاستقرار وإعادة هيكلة الإدارة العامة ومعالجة التحديات الاقتصادية، وضمن هذا الإطار يكتسب الخطاب السياسي وظيفة تتصل بتثبيت الشرعية وبإدارة المجال العام.
طرح الملكية في هذه المرحلة يأتي ضمن مناخ سباق على تحديد شكل النظام القادم. بعض الخطابات الداعمة للسلطة تسعى إلى توسيع نطاق الشرعية عبر صيغ دستورية طويلة الأمد، لذا فإن فكرة العرش تمنح استمرارية زمنية للسلطة، وتفتح نقاشاً حول تحصين موقع رأس الدولة من تقلبات المشهد السياسي.
أي تغيير في شكل الدولة يستند إلى آليات دستورية واضحة، وإلى مسار سياسي يسمح بتكوين إرادة عامة واعية، والإرادة السياسية يجب أن تُبنى عبر تعددية حزبية فعلية، وانتخابات تنافسية، وإعلام حر، ونقاش عام مفتوح. هذه الشروط تشكل بالحد الأدنى البيئة الطبيعية لأي خيار يتعلق بطبيعة الحكم.
تشير أدبيات التحول الديمقراطي إلى أهمية وضوح قواعد انتقال السلطة في تثبيت الاستقرار السياسي. صموئيل هنتنغتون ربط استقرار الأنظمة بوجود آليات متكررة ومنتظمة لانتقال الحكم، أما أودونيل وشميتر درسا المراحل الانتقالية باعتبارها فترات حساسة تتطلب توافقاً على قواعد اللعبة السياسية.
إن إدخال عنصر الوراثة في قمة النظام يحدد آلية انتقال مختلفة عن تلك المعتمدة في الأنظمة الجمهورية الدورية، هذه الآلية تؤثر في ديناميات النخبة السياسية، وفي طبيعة المنافسة، وفي أفق التغيير السياسي.
الحديث عن رغبة شعبية في تبني الملكية يقتضي وجود فضاء سياسي يسمح بتبلور مواقف متباينة، وبعرض برامج واضحة حول طبيعة النظام المقترح، وصلاحياته، وآليات مساءلته. من دون هذا الإطار، يتحول النقاش إلى تداول افتراضي داخل دوائر محدودة.
كذلك فإن التحول في شكل الحكم يحمل تبعات اقتصادية وإدارية، لذا فإن إعادة تعريف موقع رأس الدولة، وصلاحياته، وآليات انتقال السلطة، تتطلب إعادة صياغة قانونية شاملة، وتحديثاً في البنية الدستورية، وتكييفاً في عمل المؤسسات. هذه العملية تستدعي موارد مالية، واستقراراً إدارياً، وثقة داخلية وخارجية في المسار السياسي.
بالإضافة إلى أن الاقتصاد السوري يواجه تحديات تتعلق بإعادة الإعمار، وإعادة دمج القطاعات المنتجة، وجذب الاستثمارات، واستعادة الثقة بالبيئة القانونية. وأي نقاش حول تغيير شكل الحكم يدخل ضمن حسابات الاستقرار المؤسسي، ويؤثر في صورة الدولة أمام الفاعلين الاقتصاديين المحليين والدوليين.
الاستقرار في كثير من الأنظمة الملكية المعاصرة ارتبط ببنية اقتصادية محددة، وأدبيات الدولة الريعية تشير إلى أن وفرة الموارد الطبيعية، وخصوصاً العوائد النفطية، مكّنت بعض الأنظمة من بناء شبكات توزيع واسعة، ومن تخفيف حدة التنافس السياسي عبر سياسات إعادة توزيع مستمرة. هذه البنية وفرت هامشاً لاحتواء الاحتجاجات، ولتمويل أجهزة الدولة ومشاريع البنية التحتية.
إن التحول في شكل الحكم يحمل دائماً تبعات مالية وإدارية، فإعادة تعريف موقع رأس الدولة، وبناء مؤسسات مرافقة له، وتعديل الدستور، وإعادة توزيع الصلاحيات، تتطلب استقراراً مالياً وقدرة على إدارة التحول من دون إرباك اقتصادي. في بيئات تعاني من اختلالات حادة في الإنتاج، ومن عجز في الموازنة، ومن هشاشة في القطاع الخاص، يتحول أي تغيير بنيوي إلى عامل إضافي في معادلة المخاطر.
في حين يكشف أي نقاش حول مسار الملكية عن مسألة أعمق تتصل بطبيعة الدولة المراد تأسيسها، فالمرحلة المقبلة تضع على جدول الأعمال قضايا توزيع الصلاحيات، واستقلال القضاء، ودور البرلمان، وضبط العلاقة بين الأجهزة التنفيذية والرقابية. هذه الملفات تحدد شكل النظام السياسي الفعلي، بصرف النظر عن التسمية الدستورية.
خلاصة القول، فإن السؤال المطروح يتجاوز فكرة العرش إلى بنية السلطة ذاتها، حيث تتحدد طبيعة الحكم عبر آليات المساءلة، ووضوح الصلاحيات، وقدرة المجتمع على التأثير في القرار العام. هذه العناصر تشكل جوهر أي نظام سياسي مستقر.


