هاشتاغ
بحث

مساحة اللايقين لسوريا المعاصرة

13/03/2026

مساحة-اللايقين-لسوريا-المعاصرة

شارك المقال

A
A


نضال الخضري

تبدو أسماء المدارس والشوارع في سوريا مفتوحة على احتمالات النسيان، فكل مدرسة هي صورة للتفكير الذي يحكمنا، وتآكل المباني لا يعكس مساحة الذاكرة التي يتم طمسها بتغيير الأسماء، لأن التاريخ المعاصر لسوريا يبقى معلقاً على جدران الأماكن التي تضع أمام الأجيال صور من سبقوهم في محاولة بناء المعرفة.


تتغير الأسماء اليوم ليس بفعل قرار إداري، بل إنكار مقصود لمراحل بداية الدولة السورية، فالتاريخ هنا قضية معرفية، وهناك محاولة قطع مع بداية الذاكرة الوطنية، ورسم "الرواد" وكأنهم حالة عابرة لم تعط للأجيال أي معنى، فالغرض من أسماء المدارس ليس تخليد الاسم بل رسم مشهد المراحل الأولى لدولة ظهرت بفكر رجالاتها.


ظهور أسماء جديدة لا يلغ التاريخ لكنه يسعى لتأسيس بدايات مختلفة تدين مراحل البحث عن دولة معاصرة، وهذه البدايات الجديدة تبنى على فراغ مقصود في السردية، وكأن التاريخ لا يتشكل بالتراكم بل بالإلغاء، فحين تزال أسماء الرواد من المدارس أو الشوارع، لا يمحى اسم فحسب، بل السياق الذي جعل من تلك الأسماء علامات على مرحلة تأسيسية في الوعي العام، فالأسماء ليست لافتات إرشادية، بل شيفرات ذاكرة تشير إلى لحظة تاريخية حاول فيها السوريون تعريف أنفسهم كجماعة سياسية حديثة.


طمس الأسماء هو إعادة تشكيل الذاكرة الجمعية، فالدولة التي تتقصد عدم الاعتراف ببداياتها، أو تتعامل معها بوصفها عبئاً يجب التخلص منه، تفتح المجال لفراغ معرفي واسع، لا يملأ بالضرورة برواية بديلة متماسكة، بل يتحول إلى مساحة من اللايقين، حيث تتداخل الروايات المتنافسة دون مرجعية واضحة.


نشأت الدولة السورية الحديثة في لحظة خاصة؛ بين إرث الإمبراطورية العثمانية وضغط الانتداب الأوروبي، وبين طموح النخب المتعلمة لبناء مؤسسات وطنية حديثة، كانت المدارس آنذاك أحد أهم مسارح هذا المشروع؛ فيها تشكل وعي مدني أولي، وفيها جرى تعريف الأجيال بمفاهيم الدولة والقانون والمواطنة، واختيار أسماء المدارس كان جزءاً من بناء سردية وطنية تربط المعرفة بالمثال الأخلاقي الذي مثله المعلمون والكتاب والمصلحون.


عندما تستبدل تلك الأسماء اليوم، فإن السؤال لا يتعلق بمدى استحقاق الاسم القديم أو الجديد، بل بطبيعة العلاقة مع التاريخ ذاته، فهل ينظر إليه بوصفه مساراً متصلا ًمن التجارب والخبرات، أم باعتباره سلسلة من القطيعات التي ينبغي إعادة ترتيبها وفق الحاجة السياسية الراهنة؟ في الحالة الأولى يصبح الاسم القديم وثيقة زمنية، أما في الحالة الثانية فيتحول إلى أثر غير مرغوب فيه ينبغي محوه.


المفارقة أن محاولات القطع مع الذاكرة الأولى لا تلغي الحاجة إليها، فكل مجتمع يحتاج إلى لحظة تأسيس يفسر من خلالها معنى وجوده السياسي، وإذا جرى إضعاف تلك اللحظة أو تشويهها، فإن الفراغ الناتج عنها لا يختفي بل يتوسع، ويجعل الحاضر أكثر هشاشة أمام التأويلات المتناقضة للماضي.


استعادة التاريخ المعاصر لسوريا لا تعني تقديس الأسماء أو تجميدها، بل وضعها في سياقها الصحيح كمحاولة لبناء دولة حديثة بموارد محدودة وطموحات كبيرة، وفي الاعتراف بهذه المحاولة، بكل ما فيها من نجاحات وإخفاقات، تكمن الخطوة الأولى نحو مصالحة أعمق مع الذاكرة الوطنية التي لا تختزل في لافتة مدرسة، لكنها تبدأ أحياناً من اسمٍ مكتوب على بابها.

التعليقات

الصنف

خطوط حمر

منشور حديثاً

الأكثر قراءة

تابعنا

مقالات ذات صلة

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026